"اختبار الفحولة العلني" إهانة للرجولة وجزء من تعريفها

الاثنين 26 أكتوبر 202003:43 م

غالباً ما اختلف تعريف الفحولة وتمظهراتها العامة من عصر لآخر، ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى. لم يعرّفها رجل البلاط، المقرّب من الملوك والأباطرة كما عرّفها الحرفي أو المزارع البسيط، ماهي الرجولة أصلاً؟

صفات الرجل الرجل غالباً هي حقيقة جسدية وإن كنا نحاول تبديلها أو "تصعيدها" لتمتلك غايات سامية تقترن بالشهامة والإيثار ونصرة الملهوف وإلى ما ذلك من "صفات" هي بطبيعتها إنسانية لا رجولية فحسب، إلا أن الرجولة في الحقيقة خاصية اجتماعية بحتة: اللحية، الشارب، القسمات الحادة، والصوت الأجش، أي أن الخشونة واحدة من أهم تجلياتها العامة.

كان تمثيل المرأة هو الأقل تغيراً والأقل عرضة للاختبار، حيث انشغل الرجل على الدوام بالتشكيك برجولته ومحاولة إثباتها أو نفيها عن الآخرين أكثر من اهتمامه بالمرأة، وكانت الرجولة على الدوام تتطلب الشَعْر الكثير والآن أصبحت الرجولة صلعاء تماماً!

اختبار الفحولة العلني

ضعف الانتصاب كان مشكلة الرجال الدائمة، وربما في الماضي كان تهمةً يعاقب عليها القانون، فكما يذكر المؤرخ بيير دارمون، مؤلف كتاب "محكمة العجز: الرجولة والفشل الزوجي في فرنسا القديمة"، كان العجز الجنسي للرجل مستهجناً بالقانون وعرضة للمحاكمة.

يذكر دارمون أنه في العصر اليوناني، كان يمكن للمرأة المتزوجة من رجل غير قادر على الإنجاب أن تعيش مع فرد آخر من أفراد عائلته، ثم سمح الإمبراطور جستنيان بالطلاق إذا لم يتمكن الزوج لمدة عامين من أداء واجبه الزوجي. حتى القرن الخامس عشر وفي حالة تقديم طلب الطلاق من جانب الزوجة، يمكن لأي أسقف أن يقرر إنهاء الزواج وتكليف الزوج بأداء القسم عند قدمي يسوع، على صحة الادعاء المقدم ضده.

ضعف الانتصاب كان مشكلة الرجال الدائمة، وفي الماضي أجازت القوانين اليونانية للمرأة أن تعيش مع رجل آخر إذا كان زوجها غير قادر على الإنجاب، كما كان تهمةً يعاقب عليها القانون في فرنسا

في القرن السادس عشر كان الطريق للطلاق أكثر وعورة، وكان على الرجل أن يقوم بـ "مضاجعة حقيقية" علنية في الأماكن العامة، "ينتصب، يخترق ويبلل" كما يقول دارمون. ويتم استجواب الزوجين بشكل منفصل من قبل قضاة، أمام جمهور كبير غالباً يتكون من رجال دين وكتبة، حيث يتم طرح أسئلة حميمة جداً: متى كانت آخر عملية جنسية؟ ماهي تفضيلات الزوجة في الوضعيات الجنسية وتفضيلات الزوج؟ ما المدة الطبيعية للانتصاب؟ وإلى ذلك من الأسئلة المهينة والفاضحة.

بعد الاستجواب، يتم التخطيط لفحص الزوجين: يتم فحص عضو الرجل واختباره وقياس طوله ومرونته مع حركة الانتصاب الطبيعية، فإما أن يستنتج القضاة أنه عاجز جنسياً عندها ترتاح الزوجة، أو لا يستطيعون حسم أمرهم، فيطلبون معاينة عضو المرأة من حيث "الاتساع والعمق". ثم تأتي التظاهرة لإثبات الأمر أمام شهود "الكونجرس": على الرجل أن يضاجع زوجته أمام القضاة والأطباء ووالدته أيضاً، وإذا فشل في ذلك، وهذا ما يحدث غالباً نتيجة الجهد النفسي والخجل والاضطراب، فيعلن أنه عاجز وينحلّ الزواج، ولا يعود بإمكان الرجل الزواج مرة أخرى.

بعد قضيتين من هذا النوع، تصدرتا صحف خمسينيات القرن السادس عشر، اكتُشف فيهما أن الزوجة قامت بالادعاء للتخلص من زوجها والذهاب مع حبيبها، صاغ برلمان فرنسا قانوناً في 18 شباط/فبراير 1677، يمنع بموجبه جميع القضاة من إصدار أمر الإثبات للكونجرس في المستقبل ويُكتفى، في حال اتهمت المرأة زوجها بالعجز الجنسي، بفحص الأعضاء الجنسية والتأكد أنها جيدة التكوين أم لا.

قصة الماركيز دي لانجي

في عام 1656، كان الماركيز دي لانجي يبلغ من العمر 25 عاماً، ومتزوجاً من سان سيمون دي كورتومر، البالغة من العمر 14 عاماً، فيما يبدو أنه زواج سعيد ظاهرياً. لكن وبعد ثلاث سنوات من الزواج، قدمت العروس طلباً لفسخ عقد الزواج بدعوى العجز الجنسي للماركيز. وبعد أن تم إجراء الاستجوابات والفحوص اللازمة استسلم الزوج الساخط بسهولة لممارسات "الكونجرس" راغباً في إثبات فحولته، أمام مجلس مؤلف من الأساقفة ورجال القانون والشهود وحتى المربية التي عاشت معهم في الغرفة المجاورة.

للأسف، وكما هو متوقع، عجز الماركيز دي لا نجي عن إثبات "فحولته" وخسر القضية، واضطر لإطلاق سراح زوجته وإعطائها بعض الأراضي، ثم قرر لاحقاً الانتقام منها، فتزوج بعد بضعة أشهر من "بروتستانتية" أعطته نصف دزينة من الأولاد.

وبالرغم من ذلك، لم يتراجع القضاة عن قرارهم، معتقدين أن الشخص غير العاجز "يجب أن يعمل في أي وقت"، حتى تكررت هذه الحوادث فألغى البرلمان، كما أسلفنا هذه الممارسة.


أفضل من العبادة

جاء في محاضرات السيوطي: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس، يقوم الليل ويصوم النهار، فقال رجل في المجلس معقباً: ما سمعت شكوى أمرّ من هذه/ فقال عمر: ما تقول؟ قال: تقول إنه ليس لها من زوجها نصيب. فأرسل عمر إلى زوجها وأمره بتخفيف العبادة وإعطاء زوجته "نصيباً" من وقته.

احتل الجنس موقعاً هاماً في الحياة اليومية للمسلمين وكثيرة هي الأحاديث التي تضعه موضعاً تفضيلياً حتى فوق الممارسات الدينية، فـ "حبّب إلي من دنياكم ثلاث، النساء والطيب وقرّة عيني في الصلاة" أصبحت قاعدة عامة، وصار بالتالي من موجبات الطلاق وجود الضعف الجنسي لدى الرجل. فإذا لحق الزوجة ضرر ناتج عن مرض الزوج وعدم استطاعته تلبية حاجتها في الفراش، فلها طلب الطلاق رفعاً للضرر عنها.

في الإسلام أصبح الضعف الجنسي لدى الرجل من موجبات الطلاق رفعاً للضرر عن الزوجة، وكثيرة هي الأحاديث التي تضعه موضعاً تفضيلياً حتى فوق الممارسات الدينية

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف، وهو من أوكد حقها عليه، أعظم من إطعامها. والوطء الواجب قيل إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصحّ القولين". وقد ورد عن أبي حنيفة، في تفسير الفخر للرازي: النكاح أفضل من العبادة.

ولم تذكر الكتب قيام عبء إثبات الفحولة على الرجل، إذ كان يكتفى بـ "تصريح" الزوجة بذلك، ولم يكن من المعيب طلب الزوجة للجنس باعتبار أنه من موجبات العبادة.

إذا كان مفهوم الرجولة يتداخل مع مفهوم الذكورة، فهذا يعني أن على الرجل أن يبقى طوال الوقت مشغولاً بإثبات فحولته أكثر مما على المرأة إثبات أنوثتها

لكن مرة أخرى يعيدنا الحديث لواجب الإثبات: كيف يمكن تحديد الرجولة؟ هل يتداخل المفهوم هذا مع مفهوم الذكورة؟

يقول جان جاك كورتين، الأكاديمي الذي كتب بالمشاركة "تاريخ الرجولة"، إن الرجولة تتداخل بالذكورة، ومن الأصح القول إن الرجولة هي البناء الثقافي للذكورة، ويمكن وصفه بأنه الشعور بما يجعل الرجل رجلاً. تاريخياً تبلور هذا الشعور حول قيم عدة، منها القوة البدنية، الشجاعة، البطولة الحربية، الهيمنة على الآخرين والفاعلية الجنسية.

والقيمة الأخيرة، الفاعلية الجنسية، مجال "لعبها" الوحيد هو النساء والسيطرة عليهن، وبالتالي كان على الرجل أن يكون طوال الوقت منشغلاً بإثبات "فحولته" أكثر مما على المرأة إثبات أنوثتها، وطالما لم تعد هناك الكثير من الحروب بالشكل القديم، عبر الفروسية والمبارزة والطعن بالسيف، بقيت الفاعلية الجنسية هي المجال الأرحب للرجل لفعل ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard