“الرجولة هي المشاركة في أعمال البيت ”... كيف تعيش ناشطات نسويات مع أزواجهن؟

الخميس 30 يناير 202004:45 م

"ما تنادين به بالتأكيد لا تفعلينه في المنزل"، "اخترتن النشاط النسوي حتى تتزوجن"، "هل تقولين لزوجك هذا الكلام؟"، "فيمنيست حتى الزواج"، مقولات يتداولها البعض على السوشال ميديا، في محاولة لشخصنة القضايا النسوية، وتجريدها من الزخم المعنوي والجدل الذي تثيره، في مجتمع لايزال متمسك بذكوريته، وسيطرة الرجال في العلاقات الزوجية والأسرية إلى حد كبير.

"زوجي ينظف وأنا أطبخ"

آية منير، مؤسسة مبادرة "سوبر وومن"، التي تعنى بإقامة دورات تأهيل نفسي وصحّي للفتيات، وتكوين مساحة آمنة لهن، في مدينة "الزقازيق" بمحافظة الشرقية والتي تبعد عن القاهرة 80 كيلومتراً.

تزوجت آية منذ عام ونصف، وتحكي لرصيف22 كيف تعيش يومياتها مع زوجها ماجد، تقول إنه لم يكن هناك اتفاق ضمني على تقسيم مهام وأعباء المنزل، لكنه يساعدها عملها "الحر" كمهندسة ديكور، على امتلاك وقت لا يمتلكه زوجها، وبالتالي فتقسيم الأدوار كان تلقائياً، دون اتفاق، فهي تقوم بالطبخ بينما يقوم بمهام التنظيف، وفي أيام الجمعات "الإجازات" يقومان سوية بالتنظيف.

هذه الأعباء والمهام المنزلية، تضيف آية، ربما تتغير إذا كان عملها بدوام كامل، فزوجها متفهم لهذا الأمر، فكل منهما يقوم بما يستطيع القيام، ودون لوم أو توبيخ للطرف الآخر، فلا لوم من الزوج إذا لم تقم بالتنظيف عقب الانتهاء من الغداء، فقد يقوم هو بذلك.

آية وماجد، منذ البداية كان زواجهما بطريقة غير تقليدية، حاولا إرضاء الأهل قدر الإمكان مع تنفيذ ما أراداه، فجمعا نقودهما سوية، واشتركا في تأسيس منزلهما، وحتى عقد الزواج والمهر والشبكة وحفل الزفاف وغيره، كانت بالتشارك بينهما، تقول آية.

ماجد نوار، زوج آية، وهو معلم للغة الإنجليزية، يقول لرصيف22، إنه منذ صغره وهو معتاد على الاعتماد على نفسه في كل شيء تقريباً، لذلك مشاركة مهام المنزل عقب الزواج، لم يكن صعباً أو غريباً بالنسبة له، لكن بحكم أن زوجته لا تعمل بدوام كامل فلديها وقت أكبر من وقته، فتقوم بالجزء الأكبر منه، ولو كان العكس، لقام هو بهذا الدور.

تقول آية منير مؤسسة مبادرة "سوبر وومن" أنها تتقاسم أعباء المنزل مع زوجها ماجد، تقوم هي بالطبخ بينما ينظف، وفي أيام الجمعات ينظفّان البيت سوية، في تقسيم للأدوار تلقائي، يحكمه طبيعة عملهما

تقسيم المهام المنزلية، بحسب ماجد، وهو أيضاً من مدينة الزقازيق، تم بدون اتفاق مسبق، فحينما تقوم آية بطبخ الغداء، يحضر هو العشاء أو يساعد في التنظيف في أجازات نهاية الأسبوع، أما كون آية نسوية وحقوقية، فهذا الأمر يراعيه بشكل كبير، لأنه مؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء، وهذا يؤدي إلى تفاهم كبير بينهما.

أما عن اقتصار مفهوم الرجولة لدى غالبية كبيرة، بعدم قيام الرجل بالمهام المنزلية، فيقول ماجد إن ذلك لا علاقة له بالرجولة، يؤمن ماجد بأن الرجولة نابعة من إحساسه بالمسؤولية تجاه بيته وزوجته، "ومن يرى غير ذلك لديه مشكلة".

الرجولة بالنسبة لماجد تعني أيضاً العصامية، والقدرة الكاملة على تحمل المسؤولية، ومشاركته في نجاح بيته مع زوجته.

"لن أتحمَّل وحدي أعباء المنزل"

شيماء مدبولي، من محافظة البحيرة في غرب دلتا مصر، وتعمل في إحدى المؤسسات الحقوقية السويدية، قالت لرصيف22 إنها منذ زواجها قبل عامين، اتفقت وزوجها على توزيع مهام المنزل، ولا يحتاج هذا الاتفاق إلى توقيع كتابي، رغم أنها في بداية زوجها كانت تود أن تضع لمساتها الأنثوية، وأن تهتم هي بكافة التفاصيل.

زوج شيماء بطبيعته يساعد في الأعباء المنزلية، اتفقا أن تقوم هي بتنظيف المنزل مرة في الأسبوع، وأن تهتم بنظافته خلاله، وأن يتولى مهمة غسيل الملابس، كما يتولى أيضاً حجز موعد الغسيل، كونهما يقيمان في دولة أوروبية، فمهمة الغسيل تحتاج حجز مسبق في المغسلة التابعة للبناية التي يقيمان بها.

"حتى لو أنا قاعدة في البيت مش باساعده في الغسيل، لإننا اتفقنا على كده".

هذا الاتفاق بالتقسيم ملزم للطرفين، تقول شيماء: "حتى لو أنا قاعدة في البيت مش باساعده في الغسيل إلا لو في تطبيق الهدوم، لأن ده إحنا متفقين عليه، وهو بيحاول بكل جهده أنه يعمله لوحده بنفس الدقة اللي بعملها، وبيتعامل مع الأمر كأنه مهمة عمل لازم ينجح فيها أما الطبخ اللي موجود بالبيت بيعمله، واللي بيرجع بدري، ولو حد مرهق منا مش يطبخ، والتاني هو اللي يطبخ، واللي بيطبخ التاني يغسل المواعين وده من غير اتفاق رغم إنه ملتزم حرفيا باتفاقاتنا حتى لما بيقصر غصب عنه في أحد مهامه وأعملها أنا، ويشكرني عليها باكون مبسوطة بالشكر والتقدير وبيسعدني جداً".

وتؤكد شيماء أنها لم تكن لتقبل أن يكون زوجها غير ذلك، ولم يكن للأمر علاقة أنها وزوجها شخصان حقوقيان، لكن الأمر يعود إلى العدالة، وأن يتم تقسيم المهام بالإنصاف بينهما، لتكون لهما حياة مشتركة بكل معانيها، ولم تكن لتقبل أن تتحمل الجانب الأكبر أو بمفردها، كافة أعباء المنزل.

"ينظف البيت ويطهو الطعام"

آية السيد، وهي طبيبة نسوية ومؤسسة مبادرة "اعرفي جسمك"، والمتزوجة منذ 4 أعوام، تقول لرصيف22 إنها وزوجها اتفقا على تقسيم الأدوار مناصفة، ولكن لا تزال آية تدرس، ما يجعلها غير عاملة، وتقيم في المنزل لفترات طويلة، لذلك تقوم هي بأغلب أعمال البيت، والواقع تطلَّب منها بعض المرونة في توزيع المهام، وأحياناً ينظفان سوية في المناسبات العامة مثل الأعياد، لكن في بعض الأوقات حينما تكون منشغلة بالامتحانات يقوم زوجها بالتنظيف وطهي الطعام، ومؤخراً أصبحا يستعينان بخادمة للمساعدة.

أما جواهر الطاهر، المحامية ومديرة برنامج الوصول للعدالة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، والتي مضى على زواجها 13 عاماً، قالت إنها تحاول الاتساق بين ما تقدمه للناس في عملها وتؤمن به، وبين ما تقوم بعمله في بيتها وتربية أبنائها، وأكدت أنها وزوجها بينهما اتفاق على تقسيم مهام وأعباء المنزل في كل شيء، حتى الإنفاق، وتربية الأبناء، فعلى سبيل المثال يمكن أن يقوم هو بتوصيل الأبناء إلى المدرسة أو النادي، وتقوم هي بالطبخ، فيما يحاولان تربية الأبناء بشكل عادل، إذ تصحب جواهر ابنتها الكبرى خلال عملها، فأصبحت معتادة على "جو النسوية".

"إنّ الرسول كان يساعد زوجاته، رغم أنه لا يوجد نص ديني واحد يلزم الرجل بذلك، وفي المقابل لا يوجد أيضاً ما يلزم الزوجة أن تتحمل وحدها أعباء مهام المنزل، لكن العرف والعادات والتقاليد ألزموها بذلك"

وعن الفارق بين عقود الزواج قديماً وحديثاً، قالت جواهر: "إن الشرع يلزم الرجل أن يكون هناك خادمة لزوجته، وأن يدفع أجر رضاعة لطفله إذا طلبت الزوجة ذلك، وكانت هناك شروط توضع مثل ذلك في عقود الزواج".

وتعلق انتصار السعيد، محامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، في تصريح لرصيف22: "إنّ الرسول كان يساعد زوجاته، رغم أنه لا يوجد نص ديني واحد يلزم الرجل بذلك، وفي المقابل لا يوجد أيضاً ما يلزم الزوجة أن تتحمل وحدها أعباء مهام المنزل، لكن العرف والعادات والتقاليد ألزموها بذلك".

بمرور الزمن تغيرت التركيبة السكانية، تقول السعيد، فزوجات الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، كان لكل سيدة بيت خادمة تساعدها مهما كانت الظروف المادية، سواء لأسر من طبقة متوسطة أو مرتفعة، لكن مع بداية ظهور الفكر الوهابي في السبعينيات طرأت تغيرات على المجتمع المصري، اقتصادياً وفكرياً، فمن ناحية أصبح لدى النساء العاملات شعور بالذنب بسبب ترك الأبناء، وبالتالي يحاولن التعويض عن فترات غيابهن خارج المنزل، وفي الوقت ذاته حتى لا يشعر أزواجهن أنهن مقصرات في رعاية الأبناء والمنزل.

"المساواة فكرة محلية أيضاً"

في عام 2017، أجرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة دراسة استقصائية عن مفهوم الرجولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكيف ينظر الرجال إلى مواقفهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم إزاء المساواة بين الجنسين.

توصلت الدراسة إلى أن فكرة "المساواة بين الجنسين" ليست فكرة مستوردة من الخارج، بل يمكن أن تخرج من مجتمعات عربية.

وأشارت الدراسة إلى إن ما بين ثلثي إلى أكثر من ثلاثة أرباع الرجال يدعمون فكرة أن أهم دور للمرأة هو العناية بالأسرة، وعادة ما تحمل النساء نفس وجهات النظر غير المنصفة تلك، كما أن أغلبية الرجال يؤمنون بأن دورهم هو مراقبة حركات النساء والفتيات في أسرهم، والسيطرة عليها، وهي ممارسة يتذكر معظم الرجال أنهم بدأوها منذ الطفولة.

"معظم الرجال في الشرق الأوسط يرون دورهم مراقبة النساء والسيطرة عليهنّ".

وتؤكد أغلبية النساء على تقبل هذا النوع من الرعاية الذكورية، أما البعض الآخر منهن فيتحدين الفكرة، ولكن نظرياً فقط وليس عملياً.

ولفتت الدراسة إلى أن الرجال الأكثر ثراء، والذين تلقت أمهاتهم قدراً أكبر من التعليم، والذين كان آباؤهم يقومون بمهام منزلية تعتبر نسائية من الناحية التقليدية، أكثر احتمالاً للتحلي بسلوكيات المساواة بين الجنسين.

في مصر والمغرب، كان الرجال في المناطق الحضرية أكثر ميلاً للمساواة، في حين تقوم النساء بالغالبية العظمى من أعمال الرعاية اليومية للأطفال وغيرها من الأعمال المنزلية.

في مصر والمغرب وفلسطين ولبنان، أبلغ عشر إلى ثلث الرجال قيامهم مؤخراً بمهمة واحدة تقوم بها الإناث من الناحية التقليدية في منازلهم، مثل إعداد الطعام، التنظيف أو استحمام الأطفال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard