"إيميلي في باريس"... صورة النجاح المشروط بامتيازات لا نمتلكها

الثلاثاء 20 أكتوبر 202003:28 م

بعد إثارة جدل كبير بين كاره ومحب لمسلسل "إيميلي في باريس Emily in Paris"، أصبح المسلسل من أكثر المسلسلات متابعة على منصة نتفليكس الترفيهية. هذه الدراما الكوميدية من كتابة وإخراج دارين ستار Daren Star والذي اشتهر بمسلسل Sex and the City. يدور مسلسل "إيميلي في باريس" حول شخصية إيميلي التي تأتي إلى باريس لتعمل في شركة إعلانات فرنسية، ولتساهم بإضافة رؤية أمريكية إلى منظور الشركة الفرنسي في التسويق عبر السوشال ميديا.

يضع المسلسل فرنسا وأمريكا في سياق تنميطي، لا يتردد بإطلاق تعميمات حول ثقافتي هذين البلدين، في الحب والطعام والعمل والفن. تضفي هذه التعميمات جواً من الطرافة على المسلسل، ويتناول شكلاً من أشكال التنافس الثقافي بين بلدين من بلدان العالم الأول. وهو نمط تتبعه الأعمال الأمريكية، كما في فيلم النمر الوردي The Pink Panther والذي تم عرضه عام 2006، حيث يحاول ستيف مارتين، بشخصية المحقق جاك كلوزو الفرنسي، بلا جدوى أن يلفظ بلكنة فرنسية كلمة هامبرغر باللغة الإنكليزية.

وبينما تنحصر تلك المنافسة في مجتمع الطبقة الراقية، يتفادى المسلسل التطرق إلى المشكلات الاجتماعية التي يواجهها سكان باريس، فتجري الأحداث بعيداً عن الأحياء الشعبية، متجاهلةً ملامح الفقر والعنصرية في المدينة التي يقدمها المسلسل كمكان يخلو من الشوائب والمنغصات، يتابع سكانه صيحات الأزياء، ويمضون معظم أوقاتهم في المقاهي والمطاعم الفخمة ويمارسون حريتهم الجنسية المطلقة.

امتيازات النساء في العالم الأول

جذب المسلسل فئة كبيرة من المشاهدين في المنطقة العربية، كما تعكس التعليقات حوله على التويتر. وشخصيته الرئيسية، إيميلي، فتاة أمريكية ذات شخصية قوية ومستقلة، تنتمي إلى أعلى الطبقة الوسطى، ما يمنحها قدرة تحمل تكاليف متع لا بأس فيها في مدينة مكلفة كباريس. الحب بالنسبة لإيميلي هو قرار يرتبط بالرغبة والاختيار، وهي تمتلك إرادة وسيطرة عالية وتختار علاقاتها بحسب ما تمنحه لها من متعة. تنتقل إيميلي من تحد إلى آخر، بتصميم عال على النجاح في عالم التسويق شديد المنافسة. هي نموذج للمرأة الناجحة في عالم الأعمال المعقد.

مع غياب الأغلبية التي تعيش على هامش مدينة باريس الطاحنة، يوحي مسلسل "إيميلي في باريس" بأن نجاح البطلة هو بفضل ذكائها ومقوماتها، وأن أي فشل يعود إلى تقصير فردي لا علاقة له بالمجتمع الإقصائي

في أعماله السابقة، ومنها Sex and the City، لم يتردد دارين ستار في تقديم هذا النموذج من النساء البيض اللواتي يحتفين بنجاحهن في مدينة نيويورك، ويمتلكن من الامتيازات ما يسمح لهن بالاستمتاع بعالم الموضة، والإنفاق دون خوف لتحقيق رغباتهن المادية. بأجسادهن التي تمثل معيار الجسد المثالي بحسب الميديا، استطاعت نساء Sex and the City إعادة تمثيل النساء البيض ذوات الامتياز ونمط حياتهن كمعيار للنجاح.

تبدو باريس في مسلسل "إيميلي في باريس"، رغم بعض الصعوبات التي تواجهها إيميلي كأجنبية لا تتكلم لغة البلد، كمدينة مليئة بالفرص التي تنتظر الغرباء الراغبين بالتغيير والإنجاز. لا تُسقط هذه الرؤية أغلبية تعيش على هامش هذه المدينة الطاحنة، بل توحي بأن نجاح إيميلي في اقتحام فضاء المدينة هو بفضل ذكائها وشخصيتها الجذابة، وأن عدم نجاح البعض يعود سببه إلى تقصير فردي وليس نتيجة لمنظومة رأسمالية إقصائية وذكورية حادة.

بيئة مثالية... نساء مستقلات

تصطدم إيميلي بثقافة باريسية غريبة لا تتردد باستغلال جنسانية النساء في الحملات الإعلانية، الأمر الذي تعتبره لا أخلاقياً. ففي مشهد يريد فيه رجل أعمال تسويق عطره في وكالة الإعلانات التي تعمل فيها إيميلي، يقع جدل بينها وبين مدرائها حول طريقة تسويق هذا العطر. يرغب رجل الأعمال بتسويق عطوره من خلال إعلان مصمم ليعطي منظوراً ذكورياً للمرأة وجسدها. تتحدى إيميلي رغبة رجل الأعمال، وترفض طريقة الإعلان الذي يقدم امرأة عارية محاطة بنظرة شهوانية من رجال يقفون حولها بكامل ملابسهم. تبين إيميلي لرجل الأعمال أن هذا المنظور لا يعكس رغبة النساء الأمريكيات اللواتي يردن إعلانات تعكس تمكين المرأة بحسب المعايير الليبرالية.

هذا المعيار المرتبط بالتمكين يرسم صورة مثالية لامرأة تفرض خياراتها وتعبر عن رغباتها دون تردد، متجاهلاً آليات القمع التي تمنعها بداية من الوصول لتحقيق ذلك. لذا يجادل فريق التسويق إيميلي بأن هذه المبادئ باتت تفرض على المروجين رقابة تحدّ من حريتهم، والتي ضمنها يصبح تشيئ جسد المرأة مبرراً. ويصبح السؤال الجوهري بالنسبة لفريق التسويق: "هل يجب أن ينظر المستهلك للإعلان على أنه sexy جنسي أو sexist يقوم على العنصرية الجنسية؟". لذا يحسم الفريق أمره بتقديم الإعلان كمادة للنقاش على التويتر، بحيث تستطيع النساء التعبير عن رأيهن فيه.

يكرس مسلسل "إيميلي في باريس" صوراً غير واقعية تطبّع نجاحات الأقلية التي تحظى بامتيازات لا تملكها الأغلبية، ويقدم المدينة بصورتها المثالية، مدينة النور التي تخلو من الشوائب والمنغصات

يختصر هذا المشهد الرؤية الجديدة للنساء كمستهلكات يجب أن يضمن التسويق نيل رضاهن، غير أن هذه الرؤية نفسها تعكس في جوهرها حقائق نلمسها اليوم في آلية النظام الرأسمالي الليبرالي، الذي يسلّع حتى المفاهيم التي تعمل ضده. تبعاً لذلك، يبدو من الأهمية بمكان مراجعة الأعمال الدرامية التي تكرس صوراً غير واقعية تطبع نجاحات الأقلية التي تحظى بامتيازات لا تملكها الأغلبية.

لا يلغي ذلك الحاجة لتناول قضايا تمكين المرأة والحرية الفردية بطريقة جادة وواقعية، تلفت النظر إلى ضرورة إصلاح المنظومة التي تعزز تهميش المرأة والأقليات. ومع رواج كثير من المفاهيم التي ترتبط بإيجابية صورة الجسد، والنقاش حول التحرش في المنطقة العربية، بطريقة تشي بتبسيط جوهرية الصراع الذي يمتد ليشمل المنظومة كاملة، قانونياً واجتماعياً واقتصادياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard