"كلنا عم بنعاني"... مشاهدات الباعة المتجوّلين في ساحات بيروت المنتفضة

السبت 17 أكتوبر 202010:04 ص

ساحات الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لم تستقطب فقط متظاهرين بل استقطبت أيضاً باعة متجوّلين وأصحاب عربات وبسطات. بدّل هؤلاء مشهد وسط بيروت، قلب الانتفاضة، وأضفوا عليه روحاً جديدة أكثر شبهاً بالناس.

في ساحتي رياض الصلح والشهداء، صار عادياً أن يجتمع المتظاهرون ويشترون كعكة من هنا، أو عرنوس ذرة من هنالك، أو فنجان قهوة أو شاي... خرجت المطاعم والمقاهي الفخمة من المشهد بعد أن كانت تهيمن عليه، وارتسم بألوان شعبية.

"كانت حلوة كتير هيديك الإيام"

من بين زحمة الناس، كان أبو علاء ينادي بصوت عال "كعك، كعك". ابن مدينة طرابلس البالغ من العمر 45 عاماً، والأب لستة أولاد، قدم من شمال لبنان إلى وسط بيروت.

اعتاد استغلال المناسبات العامة والمهرجانات لبيع الكعكة الطرابلسية التي تُعرف أيضاً بـ"القليطة". لكنه هذه المرة حضر إلى وسط العاصمة كثائر وباحث عن مصدر رزق كما يقول لرصيف22.

يستذكر أبو علاء الأيام الأولى للتحركات الشعبية التي انطلقت في لبنان من الشمال إلى الجنوب، احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية في البلاد. "كانت حلوة كتير هيديك الإيام. العالم كلو حكي بالثورة. بس للأسف اليوم ضعفت كتير".

أبو علاء الذي قضى 110 أيام في الساحة قبل أن يغادرها إلى منزله في طرابلس مرغماً بسبب إقفال البلاد إثر انتشار فيروس كورونا، لم يكن يبخل على قاصديه. "كنت بيع القليطة بـ2000 ليرة، ولو ما معهن مصاري بطعميهن ببلاش. نحنا مجبورين ببعض. كانوا يقصدوني كبار وزغار. طاولتي كانت بساحة الشهدا بوج جامع الأمين" يقول.

كثيرة هي القصص التي انطبعت في ذاكرة أبو علاء، لكن أكثر ما أثّر فيه كان الضرب المبرح والعشوائي الذي تعرّض له الناس، كباراً وصغاراً، على يد فرق مكافحة الشغب، والقنابل المسيّلة للدموع، هو الذي يعتبر أن لكل فرد الحق في التعبير عن امتعاضه بالنزول إلى الساحات.

أما أكثر ما استغربه فكان التنوّع الذي جمعته الساحات في بدايات الانتفاضة. اجتمع مؤيدون للأحزاب المختلفة، ولو لفترة زمنية صغيرة، على مطالب اجتماعية واقتصادية، ولكن بعد ذلك صاروا "يتخاصمون ويتقاتلون والقوى الأمنية تتفرج ولا تحّرك ساكناً".

"قهوة المندسّين"

مثل أبو علاء الذي ينتظر ذكرى 17 تشرين للنزول مجدداً إلى الساحات، ضم وسط بيروت باعة متجوّلين آخرين، لكل منهم ذكرياته وقصصه الحزينة والسعيدة... أحاديثهم لا تنتهي عن أيام قضوها هنالك، وأيام قادمة ربما ستعيدهم إلى نفس المكان.

جورج أبو فاضل (36 سنة) هو أحد الثوار الذين قدموا من بلدة بيت مري، في قضاء المتن، إلى بيروت، منذ بداية التحركات الشعبية. حوّل خيمته التي نصبها في الساحة إلى بيت يأويه. ولأنه، ككثيرين من الشباب الذين كانوا متواجدين في الساحة، كان بدون أي دخل، قرر هو وشابان آخران بيع القهوة للمتظاهرين. سمّوا الركن الصغير الذي وضعوا فيه معدّاتهم، في ساحة رياض الصلح، "قهوة المندسين"، والتسمية نسبة إلى الشائعات التي أطلقت على بعض المتظاهرين لتشويه صورتهم.

"بكيت عندما شارك الناس بمعزل عن أي انتماء طائفي أو مناطقي أو حزبي... لو صارت ثورة 17 تشرين في بلد آخر كانت نجحت، ولكن هنا يأكل القوي الضعيف"

"بداية، كنت أقدّم القهوة للناس مجاناً كعربون محبّة ومشاركة"، يروي أبو فاضل لرصيف22، ويضيف أنه بعد ذلك "وُلدت فكرة قهوة المندسين، وهي خيمة تبيع المياه والقهوة والشاي والنرجيلة بأسعار منخفضة. ورفعنا شعار ‘إذا ما معك ما تدفع’".

مثل كثيرين، يرى أبو فاضل أن الثورة في بداياتها كانت ثورة عفوية وشعبية، وأنّ اللبنانيين نزلوا إلى الساحات لأنهم رأوا بصيص أمل في التغيير، فكانت الساحات لكل الناس.

وبرأيه، تمكنت الثورة من كسر حاجز الخوف حينذاك، بين الناس والسلطة.

حدثت إلفة بين المتظاهرين. صارت وجوه كثيرة معروفة لكثرة مشاهدتها في وسط بيروت. "بتنا نعرف رجال الأمن أيضاً"، يقول.

أمضى الشاب وقتاً طويلاً في ساحة الانتفاضة الرئيسية قبل مغادرته إياها ليلة 27 آذار/ مارس الماضي، بعدما قررت الحكومة الإقفال العام في إطار إجراءاتها للحد من انتشار فيروس كورونا.

"تمّ تكسير الخيم وطردنا بالقوة على يد فرقة من مكافحة الشغب طلبت منّا إزالة الخيم خلال دقائق... هذه القصة من الأكثر القصص المزعجة التي حدثت معي وأثرت فيّ جداً"، يروي.

انطباعات بالجملة لا تزال عالقة في ذهن أبو فاضل: صورة الأب الذي يحمل ابنه والمسن الذي يتكئ على عكازه، والشاب والصبية. يتذكّر الأسئلة التي كان المتظاهرون يطرحونها عن الخطوة المقبلة، و"الحماس الحلو والعفوي والصادق" الذي يبدونه.

يعتقد أن "من أهم مكتسبات الثورة أنها تمكنت من خلق جسر حوار بين مختلف فئات المجتمع، وخلقت لهم مساحات للنقاش وحفّزتهم على عقد الندوات والحوارات".

ما يثير الغرابة بالنسبة إليه هو أن "السلطة اعتبرت أن الناس احتلّت وسط بيروت بينما نحن نرى أن هذه الساحات بالأصل ملك لنا نحن الشعب".

"جمر تحت الرماد"

"العمّ" عبد الله سبيتي المعروف بـ"أبو علي" (56 عاماً) كان يتنقل بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح في وسط بيروت، ويبيع عبوات المياه والأعلام اللبنانية. هنالك، تولّد لديه أمل كبير "بحصول معجزة واتحاد اللبنانيين"، لكن توقعاته خابت "لِما حصل من شد للعصب الطائفي"، يقول لرصيف22.

لا يزال أبو علي يتنقل بين ساحات الاعتصام عندما تحتضن تحرّكات احتجاجية. وفي الأوقات التي تفصل بين تحرّك وآخر، يعرض الكمامات في شارع الحمرا.

"إذا صارت انتخابات نيابية مبكرة يمكن فينا نغيّر. الثورة ما ماتت. هيي جمر تحت الرماد"

نزل سبيتي من بلدته كفرصير، في قضاء النبطية، إلى بيروت عند بدء التحركات العام الماضي، بحثاً عن عمل بديل عن مهنة "معلّم بلاط"، بسبب قلة الأشغال والظروف المعيشية الصعبة ولأنه يؤيد هو وعائلته التحركات التي حصلت.

يروي كيف كانت "الثورة في أول أيامها حلوة وعفوية، تضم المسيحي والدرزي والمسلم من الجبل والجنوب والشمال وبيروت، وكانت الساحات تعج بالناس"، ويقول: "بكيت عندما شارك الناس بمعزل عن أي انتماء طائفي أو مناطقي أو حزبي".

لكن الثورة "لم تبقَ على حالها"، يتابع ويوضح: "بعد كم شهر خرّبوها المندسين. صار فيه مسبات ومشاكل، وبطلت الثورة متل قبل".

برأيه، "لو صارت ثورة 17 تشرين في بلد آخر كانت نجحت، ولكن هنا يأكل القوي الضعيف". "صح ما قدرنا نحقق كتير إشيا، بس سقّطنا الحكومة" يقول قاصداً استقالة الحكومة التي كان يرأسها سعد الحريري.

رغم امتعاضه من مآلات الأمور إلا أن الرجل الخمسيني ليس يائساً. "إذا صارت انتخابات نيابية مبكرة يمكن فينا نغيّر. الثورة ما ماتت. هيي جمر تحت الرماد".

يتذكر أبو علي اللحظات الصعبة التي عاشتها الساحة. بحزن، يقول: "أصعب لحظات عشناها، لمّا انقلبت التحركات المطلبية الشعبية، وصارت طائفية وانقسم الشارع. ما بنسى لمّا نزلو شارعين بوج بعض، مسيحية إسلام، بعين الرمانة والشياح. أنا شيعي من النبطية. صاروا شباب الخندق (مؤيدو حزب الله وحركة أمل المقيمين في حيّ الخندق الغميق المحاذي لساحات الاعتصام) ينزلو ضدنا، مع إنو كلنا عم نعاني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard