بعد 6 سنوات على إعلان غرق سفينتهم... غزيّون: أبناؤنا أحياء ومعتقلون في سجون مصر

الأربعاء 14 أكتوبر 202002:33 م

في ليلة السادس من أيلول/ سبتمبر عام 2014، انطلقت سفينة تُقلّ مهاجرين من سواحل مدينة الإسكندرية في مصر متوجهة إلى الشواطئ الإيطالية، وبعد حوالي الخمسة أيام على انطلاقها المفترض، وتحديداً في اليوم الحادي عشر من الشهر نفسه، أعلنت مؤسسات حقوقية - نقلاً عن السلطات المصرية والإيطالية - غرق السفينة التي كانت تقل حوالي 450 شخصاً، معظمهم من قطاع غزة.

بعد مرور ست سنوات على الحادثة، لا يزال أهالي مفقودي السفينة التي باتت تُعرف بـ"سفينة 6/9" نسبة إلى اليوم والشهر الذي انطلقت فيه يتابعون القضية، ولم ينقطع الأمل لديهم بكشف مصير من بقي من ركابها على قيد الحياة، لا سيما وأن خيوطاً جديدة تستمر بالتكشف كل فترة، حسب قولهم.

عند الإعلان عن غرق السفينة، كشف "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" أنها كانت تُقل ما بين 400 و450 مهاجراً، جُلّهم من قطاع غزة، ومنهم من سوريا ومصر، مشيراً إلى أن عدد الناجين 11، بينهم 8 فلسطينيين فقط.

وبعد ست سنوات من حادثة غرق السفينة، عاد الحديث عنها في 27 أيلول/ سبتمبر الماضي مع إطلاق سراح 11 شخصاً من سكان قطاع غزة كانوا محتجزين في السجون المصرية، بينهم السيدة فتحية البوبو.

ورغم ما أعلنت عنه منظمات حقوقية، كثيرون من عائلات مفقودي السفينة لا يقتنعون برواية وفاة أبنائهم، وبعضهم لا يقتنع حتى بواقعة غرق السفينة، هم الذين لم تصلهم جثث أبنائهم المفقودين، ويستمرون بالاعتقاد أن أبناءهم لا يزالون على قيد الحياة داخل السجون المصرية.

كيف تعززت الشكوك لدى الأهالي؟

الاستمرار في نكء جراح هذه العائلات له فصول عدة، ففي أيلول/ سبتمبر من عام 2018 نشرت منظمة "Global Detention Project" تقريراً تحدثت فيه عن أوضاع المهاجرين غير الشرعيين في السجون المصرية، وكان على غلاف تقريرها صورة لشاب من مفقودي السفينة التي غرقت في السادس من الشهر التاسع من عام 2014، يُدعى محمد الرنتيسي.

وقتها، عاد الأمل من جديد لأهالي المفقودين مع إرسال معد التقرير للمنظمة توم رولينز بعض الصور لأهالي المفقودين، حسب ما يوضح لرصيف22 المتحدث باسم "لجنة مفقودي السفينة" سعد المصري.

غلاف تقرير المنظمة الحقوقية وما قيل إنها صورة لمحمد الرنتيسي 

تواصل رصيف22 مع عدد من الأهالي الذين يزعمون أن أحد أبنائهم أو أفراد من عائلتهم لا يزالون على قيد الحياة، ويتم احتجازهم في سجون مصرية.

تروي هديل عابد (27 عاماً) وهي من سكان غزة قصة اختفاء والدها ياسر عابد وشقيقها رائد عابد، قائلة إن والدها الذي يحمل الجنسية المصرية اتصل بوالدته المقيمة في القاهرة في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر عام 2014 من هاتف أرضي وطمأنها على صحته، نافياً كل ما أُشيع حول حادثة الغرق، وبعدها انقطع الاتصال معه.

وتتابع هديل القصة بالقول إن جدتها المقيمة في القاهرة توجهت بعد أشهر من إجراء والدها مكالمته إلى شركة الاتصالات المصرية، لكن الأخيرة رفضت حينها الكشف عن تفاصيل المكالمة، طالبة إحضار إذن من جهاز أمن الدولة المصري الذي بدوره رفض إعطاء الأم أي تفاصيل.

وتزعم هديل أنه في عام 2017، وبعد غرق السفينة بعامين، كانت ترسل لوالدها رسائل يومية عبر فيسبوك، وكان هناك من يرى هذه الرسائل، قائلة: "هذا كان دليلنا على أن أبي لا يزال حياً، وأن هناك من يعبث بممتلكاته الشخصية، لكن بعد فترة قُطع الاتصال وتم تشفير حساب والدي في فيسبوك".

بعد ست سنوات على إعلان غرق سفينة تُقل ما بين 400 و450 مهاجراً من سواحل الإسكندرية إلى الشواطئ الإيطالية، معظمهم من غزة، كثيرون من عائلات مفقودي السفينة لا يقتنعون برواية وفاة أبنائهم، ويستمرون بالاعتقاد أنهم على قيد الحياة في سجون مصرية

وتتحدث الشابة عن تواصل العائلة مع ضباط مصريين من الداخل المصري في بداية الأمر، مشيرة إلى أن أحد الضباط طلب بدلاً مادياً مقابل التأكيد لهم أن والدها في السجن، و"بالفعل تقاضى ضابط مصري من عمتي مبلغ 2000 جنيه مقابل معلومة بعد عام من اختفاء والدي، وأكد الضابط نفسه أن أبي وشقيقي رائد موجودين بالفعل داخل السجن العسكري التابع لمنطقة كرموز في مدينة الإسكندرية"، حسب قولها.

وتقول هديل إن افراج السلطات المصرية عن 11 شخصاً بعد حادثة مقتل الصيادين الشهر الماضي، كانوا محتجزين لديها منذ سنوات، ومن بينهم فتحية البوبو من مدينة خان يونس، يعطي العائلة "دليلاً واضحاً" على أن أشخاصاً من عداد مفقودي قطاع غزة موجودون في السجون المصرية.

وعن طبيعة العلاقة بين أهالي المفقودين والقيادة الفلسطينية، تقول هديل إن الأخيرة تتجاهل قضيتهم، حتى عندما طلبوا شهادة وفاة من الحكومة قوبل الأمر بالرفض، ما ولّد لديها شعوراً بـ"أنهم على علم بأن والدي وشقيقي وجميع من كانوا على القارب أحياء في السجون المصرية".

وتوضح بالقول: "ذهبت إلى (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس) إسماعيل هنية عام 2017 ولم تكن هناك نتيجة، وتحدثنا أيضاً مع (مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس) نبيل شعث وقابلته بنفسي لكن من دون نتيجة كذلك، وتحدثنا مع (رئيس المكتب السياسي لحماس في قطاع غزة) يحيى السنوار الذي قال لنا عبر وسيط إنه وفي كل مرة يتحدثون فيها مع المصريين حول مفقودي السفينة يتم تأجيل الموضوع".

وتعتبر هديل أن القيادة الفلسطينية تفضل الحفاظ على علاقتها الحالية مع السلطات المصرية على حساب هذه القضية، وبالنظر إلى حركة حماس فبعدما تم نشر صورة للمختطفين الأربعة التابعين لها والذين اعتقلتهم السلطات المصري عام 2015، أفرجت السلطات المصرية عنهم بعد أسبوعين من تاريخ نشر الصورة عام 2019.

عائلة تامز الجيزاوي لا تصدق كذلك

لم تختلف الرواية أيضاً بالنسبة لعائلة المفقود تامر الجيزاوي، إذ تقول والدته إنها لم تصدق للحظة رواية أن ابنها تامر فارق الحياة، مضيفة: "حلمت به في ليلة من الليالي الأولى لاختفائه، وأنا كأم جفت دموعي منذ 6 سنوات على فراق تامر، كان عمره 25 عاماً حينما غادرنا واليوم باتوا 31 عاماً، ولدي أمل أنه سيعود".

وعند سؤالها عن سبب اعتقادها بعودته، تقول الأم: "لدي أشقاء مقيمين في السويد منذ سنوات، ذهبوا لمصر بعد الحادثة وتحدثوا بالأمر مع محامي أكد لهم أن تامر وجميع من كانوا على متن القارب أحياء، وهم الآن في سجن العزولي في الإسماعيلية".

تُخبر الأم أن آخر مكالمة جرت بينها وبين تامر كانت يوم انطلاق السفينة، حين أخبرها أنهم سيبدأون رحلتهم، وبعد أربعة أيام على تاريخ انطلاقهم بقيت على اتصال يومي معه، وبعدها بفترة تحدث معها شخص باللكنة المصرية من هاتف تامر طالباً منها ألا تعاود الاتصال على هذا الرقم. تستند الأم في روايتها على هذه الحادثة لتتساءل: "من هذا الذي أجابني؟ وهل يُعقل أن يبقى الهاتف يعمل وصاحب الهاتف قد غرق؟".

وتزعم الأم أن ضابطاً مصرياً يُدعى مدحت كان قد تعرف على تامر في السجن، وأكد لها أنه على قيد الحياة في سجن العزولي في الإسماعيلية، مشيرة إلى أن شخصاً آخر من مخيم الشاطئ يُدعى إيهاب العمودي كان معتقلاً في السجون المصرية وأُطلق سراحه عام 2015 أكد لها بدوره أن ابنها معتقل في ذلك السجن.

عام 2018، نشرت منظمة حقوقية تقريراً عن أوضاع المهاجرين غير الشرعيين في سجون مصر، وكان فيه صورة لشاب من مفقودي السفينة التي غرقت... عزّز التقرير وقتها شكوك أهالي غير مقتنعين أساساً برواية الوفاة، لتتجدّد آمالهم الشهر الماضي بإطلاق سراح غزيين كانوا محتجزين في مصر

وتشير الأم إلى تواصل العائلة أيضاً مع رولينز الذي أعد التقرير حول أوضاع المهاجرين غير الشرعيين في مصر، وقد أرسل لهم صورة أخرى تعرفوا من خلالها على تامر. وتقول: "رأيت صورة تامر من ضمن الصور التي أرسلها لنا الصحافي، وأنا كأم عرفت ابني وحينها لم أعرف هل أبكي أم أفرح، ابني على قيد الحياة لكنه في السجن، علماً أن والد تامر أُصيب بجلطة قلبية منذ اختفاء تامر".

الصورة التي تقول عائلة تامر الجيزاوي إنه يظهر فيها

وتعلق الأم على إفراج السلطات المصري عن مفقودين كانوا في السجون المصرية الشهر الماضي، واصفة ذلك بـ"الدليل القطعي" على وجود معتقلين فلسطينيين داخل السجون المصرية.

وتضيف: "أنا ذهبت بنفسي للقاء السيدة فتحية البوبو المفرج عنها من ضمن المجموعة المكونة من 11 شخصاً أطلقت سراحهم السلطات المصرية مؤخراً، وكانت السيدة في مكان الحجر الصحي فلم أتمكن من الوصول إليها، كما أنها الآن لدى الأمن الداخلي في غزة".

وكانت العائلة قد توجهت إلى حركة حماس عام 2019، وذلك بعد الإفراج عن المختطفين الأربعة من قبل السلطات المصرية، و"قال لنا السيد أبو العبد (إسماعيل) هنية إنه لا يوجد شيء ملموس في قضية أبنائنا"، وفق قول الوالدة التي تتساءل "ألا تكفي صور أبنائنا؟ الآن لدينا صورة ولا أحد ينفي أن هذا ابني تامر وذاك ابن عائلة الرنتيسي".

عائلة رؤى هجرس وقصة المستشفى

بالنسبة لعائلة الشابة رؤى هجرس التي هاجرت وزوجها محمد عليان وابنتهما يارا ذي الخمس سنوات على متن القارب نفسه، فيقول والدها محمد هجرس إن ابنته كانت على موعد مع ولادة جديدة، والآن لا بد وأن المولود الجديد أصبح بعمر السادسة، معلقاً "نحن منذ اليوم الأول لانتشار خبر غرق السفينة لم نفكر للحظة بتصديق الرواية، بسبب المعطيات غير الواقعية للحادثة".

ويضيف هجرس: "تواصلنا مع بعض من قالوا إنهم كانوا على متن السفينة ونجوا من الغرق, وكانت شهاداتهم متضاربة جداً, وهناك بعض القصص منهم لا يمكن تصديقها أو تقبلها"، مردفاً "نحن منذ عام 2014 لم يغب عنا أن أبناءنا محجوزين في أوروبا أو في مصر، فكل الدلالات تعطينا النتيجة نفسها وهي أنهم على قيد الحياة".

بدوره، يلفت هجرس إلى أن العائلة تواصلت في بدايات القضية مع ضابط مصري قال إن رؤى في المستشفى العسكري في الإسكندرية بسبب الولادة الجديدة، وهذا كان الدليل بأنها على قيد الحياة، و"إلا كيف عرف ان ابنتي ستنجب مولوداً جديداً، أليس هذا كافياً لدينا كي نقول إنهم أحياء؟".

صورة من والد رؤى هجرس يقول إنها لزوج ابنته محمد عليان

ويشير في ختام كلامه إلى أن هناك من كان يفتح حساب زوج ابنته عبر فيسبوك، ويرى الرسائل بعد عام على اختفائهم، وأن لديه صورة تثبت ذلك، معلقاً بأن "هناك بعض الشهادات لأشخاص كانوا محتجزين في مصر وتم الإفراج عنهم وترحيلهم إلى غزة أكدوا أن أبناءنا كانوا موجودين في سجن نادي الأنفوشي في الإسكندرية، وتم توزيعهم على بعض السجون".

من جانبه، يقول المتحدث باسم "لجنة مفقودي السفينة" إن موضوع الأخيرة بدأ يطفو على السطح بعد حادثة مقتل الصيادين من قبل الجيش المصري الشهر الماضي، وإفراج السلطات المصرية عن السيدة من آل البوبو.

وينوّه المصري إلى أنه وفي عام 2016 طلبت اللجنة من "حكومة الوفاق الفلسطينية" قائمة بأسماء المسجونين الفلسطينيين في مصر، فـ"قامت السفارة الفلسطينية في القاهرة بإرسال قائمة مكونة من 53 اسماً، وعندما تم الإفراج عن مسجونين فلسطينيين في مصر بعد عام 2015 لم يكونوا من ضمن القائمة، وهذا يؤكد وجود أعداد أخرى من المسجونين الفلسطينيين في مصر".

وقفة لأهالي من مفقودي السفينة يطالبون فيها بالكشف عن مصير أبنائهم

وحول الخبر الذي تداولته بعض الصحف على أن حماس بدأت بإجراء اتصالات مع الجانب المصري، يعلق المتحدث باسم اللجنة بالقول إن هناك الآن اتصالات وبعض الوعود من الحركة للحديث مع السلطات المصرية بما يخص موضوع السفينة.

من جانبه، يعتبر نائب مدير عام "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" في قطاع غزة جميل سرحان، في حديثه لرصيف22، أن "من السابق لأوانه في الوقت الحالي الحديث عن هذا الموضوع أو إصدار بيان بخصوص الأمر"، مكتفياً بالقول: "نحن نتابع هذا الموضوع بجدية ومسؤولية، ونرى أن التصريحات لا محل لها في هذه الفترة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard