أبعد من الأمل والتشاؤم... دروس من الانتفاضة اللبنانية

السبت 17 أكتوبر 202010:57 ص

يجزم بعض المتابعين بأن انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر اللبنانية انتهت إلى المكان الذي تأسست على رفضه: الأزمة، بينما يجزم آخرون بأنها انتهت إلى مكان آخر، بل إلى أمكنة تمتد بين طرفين، ويرونها سيرورة ثورية مستمرة، أو يرون أنها أنجزت إقالة حكومة سعد الحريري وفتحت الباب أمام انهيارات متتالية لن يستطيع النظام، بشكله الحالي، إعادة إنتاج نفسه بأي صيغة بعدها.

وبين الجزم الأول والجزم الثاني قراءات شديدة التباين تفرض نفسها على المشهد.

الكلام في الجزم الأول، بشكله التشاؤمي، مأزوم، كما وأن النَفَس التبريري في الجزم الثاني مأزوم أيضاً، ذلك لأن أي حدث اجتماعي-سياسي، بهذه الضخامة، يتيح المجال أمام قراءات يتأسس بعضها على إسقاطات رغبوية يحكمها منطق استاتيكي، وتنتهي عادةً في مشروع دفن أو في مشروع إعادة إحياء، ما يستدعي محاولة فتح الباب أمام وجهات نظر أخرى في الحدث نفسه.

ضخامة الحدث

بهدف محاولة وضع ترسيمة مختلفة، يمكن البدء من حقيقة أن ضخامة حدث 17 تشرين لم تكن متوقعة من قبل أي طرف، سواء من السلطة أو من الداعين إلى التحرك لمواجهة الضرائب التي كانت الحكومة يومذاك تحاول فرضها، ومنها ضريبة الستة دولارات على الاتصال عبر تطبيق واتساب.

ولضخامة الحدث آثار، كان أهمها عدم القدرة على مسايرته، أو حتى قراءته، ناهيك عن قيادته. وهذه نقطة تفسّر المأزق الذاتي الذي ينعكس في عقم الحركات التغييرية، أو الإصلاحية، أو المعارِضة، على مساحة لبنان.

كشفت ليلة 17 تشرين أن قوى التغيير تلك، خصوصاً التاريخية منها، لم تقم بأي إجراء أو تحضير جدّي، أو تهيئ نفسها جيداً، تحسباً لأي انفجار أو مواجهة اجتماعية بهذا الحجم، أو بحجم أقل. كل بهلوانياتها كانت بهدف اللعب على هامش السلطة لحجز موقع لها فيها، ما انعكس في عدم قدرتها على أخذ مسيرتها التغييرية ذاتها على محمل الجد، وكان لهذا أثر شديد على السياق اللاحق، بعد استقالة حكومة الحريري على وجه التحديد.

صحيح أن استقالة الحكومة كانت المطلب المباشر، بل مطلباً مكثفاً، إلا أن تحقيقه لم يضعضع السلطة فقط، بل ضعضع قوى الانتفاضة أيضاً. فهذه القوى لم تكن تمتلك الحد الأدنى من التصور للحظة التي ستلي تلك الاستقالة، بل كان سلوكها محصوراً بين ردة الفعل من جهة وبين ترديد شعارات وعناوين عريضة وعامة من جهة ثانية.

والعناوين التي رُدّدت، وعلى الرغم من أحقيتها وتوافق معظم المنتفضين عليها، إلا أنها كانت تفتقر إلى آلية واضحة لتحقيقها. فعلى سبيل المثال، كيف، ومَن الذي سيعيد المال المنهوب من الناهبين الذين هم مَن وظفوا الأشخاص المفروض أن يقوموا بهذه المهمة؟ مَن الذي سيحاسبهم؟ ومَن لديه القدرة على مواجهة نظام عِماده الأساس تحالف بين مافيات وميليشيات، إذا كبر يشكّل نظام دولة طائفية، وإذا ضاق يشكّل قوى طائفية متفرقة؟

"ما الذي يعنيه الفشل والانتصار في حدث كالانتفاضة اللبنانية؟ ألم نسمع عن انتصارات متتالية لم تكن في الحقيقة سوى هزائم أطلت برأسها لاحقاً؟ الكثير من الهزائم ما لبثت أن ظهرت كانتصار حاسم بعد فترة من الزمن"

الأزمة هذه تنعكس في مستويين، مستوى وضوح الطرح من ناحية، ومستوى القدرة التنظيمية على إنجاز الطرح من ناحية أخرى، ما يستدعي إعادة النظر، وإيلاء الاهامام بمستويين: 1- النظري، عبر وضع تصوّر أولي لما يمكن أن يكون عليه النظام البديل؛ 2- التنظيمي اللامركزي الذي يمتد في المناطق والأحياء، تحسباً للمواجهات المستقبلية.

ولتحقيق ذلك، من المفترض أن تحاول قوى الانتفاضة، بشكل فردي أو جماعي، العمل على مستويين كذلك: 1- التنسيق في ما بينها من أجل تأسيس جبهة سياسية بطرح وبرنامج ومشروع أولي واضح، يؤسس للمرحلة المقبلة من ناحية ويغلق الطريق أمام قوى النظام من ناحية أخرى؛ 2- العودة إلى الناس في الأحياء، بهدف إدراك المشاكل الأساسية التي تنبني قوة أركان النظام من مصادرة كافة محاولات معالجتها، سواء لناحية شبكات الأمن الاجتماعي المتأتية عن استباحة التوظيفات في الدولة، أو لناحية السير في منطق موازٍ لمؤسسات الدولة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً أو ما يعرف "بالدويلة".

بين النظام وقوى النظام

هذا من ناحية أبرز الأسباب الذاتية. أما من ناحية الأسباب الموضوعية، فعلى الرغم من قوة هذا النظام وأركانه، إلا أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أزمته البنيوية، بالإضافة إلى تخبط قواه، ما يفتح الباب أمام ضرورة التمييز بين قوى النظام والنظام نفسه.

فمن ناحية النظام، نراه مفككاً، يعاني الانهيار تلو الانهيار، وهي المرة الأولى التي يصل تفككه فيها إلى جوهره، ذلك لأن أحلك فترات الحرب والمواجهات الأهلية والطائفية السابقة لم يظهر فيها مثل هذا المشهد، إذ لم تكن الأزمة تطال جوهر النظام الاقتصادي، وتُظهر بعده الطبقي، بل انحصرت في أزماته السياسية وانعكست في محاولات مواجهة مطلبية تحوّلت لاحقاً إلى انتقال في شكل السلطة ونقاط ارتكازها الطائفية، وليس في جوهرها الاقتصادي ولا شكلها النظامي (باستثناء بعض التعديلات الدستورية التي أقرّها اتفاق الطائف والتي لم تمسّ جوهر النظام).

"انهارت الثقة الخارجية والداخلية بالمنظومة (اللبنانية)... ولم يعد هناك أي حل إلا بوضع نظام اقتصادي مختلف، وليس فقط نظام سياسي مختلف، خصوصاً وأن التطبيع العربي مع ‘إسرائيل’ جارٍ على قدم وساق، وما كانت تقدّمه بيروت من الممكن أن تقدمه تل أبيب وحيفا"

أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً. إنها المرة الأولى التي ينكشف فيها هذا الارتباط البنيوي لقوى المنظومة بجمعية المصارف بهذا الشكل العلني، لا بل إنها المرة الأولى التي تنتهي فيها كل إمكانيات العودة إلى النظام الخدماتي الريعي.

فبعد مصادرة أموال الناس، انهارت الثقة الخارجية والداخلية بالمنظومة، وانهارت معها المنظومة التي بُنيت على حركة المال والودائع والقروض، ولاحقاً القطاعات الخدماتية، ولم يعد هناك أي حل إلا بوضع نظام اقتصادي مختلف، وليس فقط نظام سياسي مختلف، خصوصاً وأن التطبيع العربي مع "إسرائيل" جارٍ على قدم وساق، وما كانت تقدّمه بيروت من الممكن أن تقدمه تل أبيب وحيفا.

الكلام أعلاه لا يعني، بأي شكل من الأشكال، عدم قدرة قوى المنظومة على محاولة تأبيد هيمنتها من خلال تمديد أمد حالة انهيار النظام هذه، وذلك بتقديم التنازل تلو التنازل بغية شراء الوقت للوصول إلى زمان استخراج النفط والغاز، وبدأنا نسمع نغمة أن الدين العام سيُسدّد من واردتها، أي أنه، وبدلاً من أن تُستثمر عائدات الثروة النفطية والغازية في نظام سياسي مختلف، قائم على اقتصاد منتج، تحاول قوى المنظومة تعويم النظام من جديد، بالذهنية وبالآليات ذاتها، وبالأزمات ذاتها، ما يحتّم المواجهات الآتية والتي على قوى التغيير تحضير نفسها جيداً لها.

ما الانتصار وما الفشل؟

ما يجري يتخطى القسمة السائدة بين التفاؤل والتشاؤم، ويتخطى وجهة نظر مَن ينتزع الانتفاضة من سياقها فيسارع إلى إعلان فشلها، أو إلى إعلان نجاحها.

فما الذي يعنيه الفشل والانتصار في هكذا حدث؟ ألم نسمع عن انتصارات متتالية لم تكن في الحقيقة سوى هزائم أطلت برأسها لاحقاً؟ الكثير من الهزائم ما لبثت أن ظهرت كانتصار حاسم بعد فترة من الزمن. لهذا كله، لا يمكن النظر إلى 17 تشرين إلا كحدث في سياق يترافق مع انهيار لا يمكن تفاديه، وكل محاولة لتفاديه ستزيد من حدة الانهيار أكثر.

فالسياق واضح، وفي تطور دائم، منذ حركة "إسقاط النظام الطائفي"، ومواجهات "التمديد" ولاحقاً "أزمة النفايات"، وصولاً إلى 17 تشرين، وما يبنيه ليس بالضرورة قدرة المعترضين، بل عقم النظام. فهل سنشهد ولادة جبهة سياسية لامركزية، منظّمة وغير عقيمة، ترفع المواجهة المستقبلية إلى المرحلة الثورية الحاسمة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard