حرّم الثورة على الحكام... الحسن البصري وتشريع حكم المتغلّب

الخميس 5 نوفمبر 202010:50 ص

كان صاحب مذهب معروف في ما يخص التعامل مع السلطة الأموية. رغم انتقاده المتكرر للكثير من الخلفاء والولاة المعاصرين له، عمل على شرعنة حكمهم، وحرّم الثورة عليهم. إنه أبو سعيد الحسن بن سيار، والذي اشتهر باسم الحسن البصري.

كان البصري واحداً من بين أهم الفقهاء الذين ظهروا وذاع أمرهم في طبقة التابعين الأوائل. وآراؤه حول السلطة والثورة جعلته واحداً من أهم المنظرين المؤسسين لنظرية الحاكم المتغلب، وهي النظرية التي تبنّاها العقل السياسي السنّي عبر تاريخه، فيما رفضها كل من الشيعة والخوارج.

خصوصية اللحظة التاريخية

ولد الحسن بن يسار في المدينة المنورة عام 21هـ، وشبّ في عهد الخليفتين الثاني عمر بن الخطاب والثالث عثمان بن عفان. وتذكر العديد من المصادر التاريخية أخبار لقائه ببعض الصحابة، ومنهم على سبيل المثال عمر وعائشة وأم سلمة وعبد الله بن العباس.

البصري الذي نال لقبه بسبب استقراره في مدينة البصرة في العراق، عاصر فترة الحروب الأهلية بين المسلمين، والتي بدأت شرارتها الأولى مع أحداث مقتل الخليفة الثالث في أواخر 35هـ، واستمرت حتى إقرار الاتفاق بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان في عام الجماعة، 41هـ، قبل أن تندلع مرة أخرى، عقب وفاة معاوية عام 61هـ، وتظل مستعرة حتى وصول عبد الملك بن مروان بن الحكم إلى كرسي الخلافة عام 73هـ.

الأحداث السياسية المتسارعة التي عايشها الحسن البصري كان لها دور مهم في ظهور الكثير من النظريات حول مسألة الحكم والسلطة والخلافة. فقد أعلنت جميع الأحزاب المتصارعة على السلطة مجموعة مبادئ وأسس نظرية بنت عليها قولها بحقها في المطالبة بالحكم. وفي هذا السياق ظهرت نظرية الحاكم المتغلب، والتي كان البصري من أبرز دعاتها على الإطلاق.

المقصود بالحاكم المتغلب هو ذلك الأمير الذي يتمكن من الوصول لكرسي الخلافة بقوة السيف، بعد أن يهزم جميع منافسيه، وذلك دون أي اهتمام برأي الشعب أو الأمة، ودون أي احترام لمبدأ الشورى.

أبرز الحكام المتغلبين الذين ظهروا في تلك الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي كان الخليفة عبد الملك بن مروان الذي تمكن من هزيمة الخليفة عبد الله بن الزبير في مكة، ثم أعلن نفسه بعدها، خليفة وحيداً، فاجتمع الناس عليه وبايعوه.

عاصر الحسن البصري فترة خلافة عبد الملك بن مروان، كما عاصر خلافة خلفائه الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام، وأعلن في الكثير من الأوقات اعتقاده بظلم الخلافة الأموية، وظلم الكثير من ولاتها، ولا سيما والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي.

على سبيل المثال، يحكي شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ)، في كتابه سير أعلام النبلاء، أن الحسن البصري، عندما بنى الحجّاج قصراً كبيراً في البصرة، خرج أمام الناس وانتقد الأخير، وكان مما قاله فيه: "لقد نظرنا في ما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيّد أعظم مما شيّد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيّد. ليت الحجّاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غَرّوه".

رغم ذلك، "أقر الحسن البصري بخلافة بني أمية، وأدرك أكثر خلفائهم... وبايع لهم، ونفّر الناس عن الالتحاق بالثائرين عليهم، وحذّرهم من المشاركة في الفتنة، وأمرهم باتباع الجماعة، وكان أقوى فقهاء العراق في الدعوة إلى ذلك"، بحسب ما يذكر الدكتور حسين عطوان في كتابه "الفقهاء والخلفاء في العصر الأموي".

أهم معالم نظرية الحسن البصري

بنى الحسن البصري نظريته الداعية إلى شرعنة حكم المتغلب من خلال اللجوء إلى مجموعة أسس نظرية، من أهمها مسألة التقدير الكامل للصحابة، والتغافل عن الخلافات السياسية التي وقعت بينهم بالجملة، وعدم الخوض في تفاصيل ما جرى بينهم من حروب وصراعات دامية.

على سبيل المثال، يذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت. 597هـ)، في كتابه "آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه"، قول البصري في الصحابة "قدس الله أرواحهم، شهدوا وغبنا، وعلموا وجهلنا، فما أجمعوا عليه اتبعنا، وما اختلفوا فيه وقفنا".

وفي السياق نفسه، تواترت الأقوال المنسوبة للبصري، والتي يظهر منها دعوته للتغيير السياسي من خلال الإقلاع عن الذنوب، وترك المعاصي والآثام، والبعد عن السيف والثورة، والصبر على قضاء الله والرضا به حتى يُبدّله.

مرقد الحسن البصري والامام محمد بن سيرين في البصرة

رغم انتقاده المتكرر للكثير من الخلفاء والولاة المعاصرين له، عمل على شرعنة حكمهم، وحرّم الثورة عليهم... الحسن البصري

ومن ذلك ما نقله عنه ابن منظور (ت. 711هـ)، في كتابه مختصر تاريخ دمشق: "أيها الناس، إنّه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع"، وما نقله عنه ابن تيمية (ت. 728هـ)، في كتابه منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية: "إن الحجاج عذاب الله فلا تدافعوا عذاب الله بأيديكم...".

كذلك، نقل عنه جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ)، في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور، قوله "لو أن الناس إذا ابتلوا من سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه والله ما جاؤوا بيوم خير قط".

الأهمية الكبرى للسلطة ورجالها عند الحسن البصري تمثلت في المقام الأول في ضبطهم لأمور الدولة الداخلية والخارجية، وفي حمايتهم للدين وإشرافهم على تنفيذ الشريعة. وظهر هذا بشكل واضح عندما سُئل ذات مرة عن ولاة الأمور، فقال: "ما عسى أن أقول فيهم، وهو يلون من أمورنا خمساً، الجمعة، والجماعة، والفيء، والثغور، والحدود؟ والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لَمَا يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، والله! إن طاعتهم لغبطة، وإن فرقتهم لكفر"، حسبما يذكر ابن سعد (ت. 230هـ)، في كتابه الطبقات الكبرى.

التطبيق العملي

التطبيق العملي للأسس النظرية التي نادى بها الحسن البصري تحقق في واقعتين شهيرتين: الواقعة الأولى، عندما ثار عبد الرحمن بن الأشعث الكندي على الحجاج بن يوسف الثقفي عام 83هـ؛ والواقعة الثانية عندما ثار يزيد بن المهلب بن أبي صُفرة سنة 102هـ على الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك، وبدأ في جمع الأتباع الثائرين على الأمويين في البصرة.

أثناء ثورة عبد الرحمن بن الأشعث، انضم الكثير من الفقهاء العراقيين إلى الثورة، وكان منهم على سبيل المثال التابعي الكبير سعيد بن جبير، وبدا أن هناك اتجاهاً دينياً فقهياً قوياً لتأييد الخروج على بني أمية.

وقف الحسن البصري على رأس الفريق المعارض للثورة. وتذكر الكثير من الروايات التاريخية أنه دعا البصريين للسكون وعدم الخروج للقتال، ولما جاءه أحد الرجال يستفتيه في أمر الخروج للثورة مع ابن الأشعث، قال له: "اتّق الله يا ابن أخي، ولا تفعل، فإن ذلك محرم عليك، وغير جائز لك... واعلم أن جور الملوك نقمة من نقم الله ونقم الله لا تلاقى بالسيوف وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب"، بحسب ما ذكر ابن الجوزي في المصدر السابق ذكره.

كان الحسن البصري واحداً من بين أهم الفقهاء الذين ظهروا في طبقة التابعين، وآراؤه حول السلطة والثورة جعلته واحداً من أهم المنظرين المؤسسين لنظرية الحاكم المتغلب، وهي النظرية التي تبنّاها العقل السياسي السنّي عبر تاريخه

الدور نفسه لعبه الحسن البصري زمن ثورة يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. يذكر ابن كثير (ت. 774هـ)، في كتابه البداية والنهاية، أن الحسن البصري في تلك الأيام كان "يحرّض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشد النهي، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب ذلك من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطب الناس، ويعظهم في ذلك، ويأمرهم بالكف".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يشغل الحسن البصري مكانته الكبرى في العقل السنّي، إذ وقفت أفكاره المؤيدة للسلطة، والتي سيجري تطويرها في ما بعد على أيدي العديد من الفقهاء والمنظّرين، في سبيل القضاء على أي حراك ثوري.

ومن هنا، جرى ترسيمه كأحد الأباء المؤسسين للمنهج السني، من خلال مجموعة من الروايات التي تعتريها سهام الشك، ومنها ما ذكره الذهبي في سيره من أن عمر بن الخطاب دعا له، فقال "اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس"، وما روي أن أم المؤمنين، أم سلمة، كانت ترضعه وأن "ثديها در عليه ورضعها غير مرة"، وهي رواية تغلب عليها الصفة الأسطورية لأن الأخبار تتفق على أن الحسن وُلد بعد وفاة الرسول، فكيف تمكنت أم سلمة من إرضاعه إذن؟

ارتباك في تقييمه عند الشيعة والخوارج

إذا كان الحسن البصري قد حظي بمقام مهم ومعتبر في النسق السنّي، بسبب توافق أفكاره ومعتقداته مع أفكار السلطة وأهدافها، فقد نُظر إليه بشكل سلبي، على الأغلب، عند أحزاب المعارضة الكبرى، الشيعة والخوارج، وذلك بسبب رأيه الرافض للثورة وشرعنته لحكم المتغلب.

على سبيل المثال، يوجد تناقض واضح في وجهة النظر الشيعية حول الحسن البصري، إذ يذكر فريد الدين العطار (ت. 637هـ)، في كتابه تذكرة الأولياء: "كان الحسن إنما يوالي علياً أمير المؤمنين، ومنه أخذ العلم، وكان مرجعه في طريقة العرفان"، وهو الأمر نفسه الذي أكد عليه الشريف المرتضى (ت. 436هـ)، في الأمالي، مشيراً إلى البعد السياسي في المسألة بقوله "كان أكثر ما يقوله عن علي من غير أن يصرح باسمه الشريف تقية، أو يكني عنه بأبي زينب".

تتعارض مع هذا التوجه الكثير من الروايات التي تذكر أن الحسن البصري كان ممَّن يخذّل الناس عن الانضمام لصف علي بن أبي طالب في معركتي الجمل وصفين، وأن الخليفة الرابع قال فيه ذات يوم "أما وأن لكل قوم سامرياً وهذا سامري هذه الأمة، أما إنه لا يقول (لا مساس) ولكنه يقول لا قتال"، بحسب ما ورد في بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي (ت. 1111هـ).

وفي الاتجاه نقسه، ذكر أبو منصور الطبرسي في كتابه الاحتجاج، أن الحسن لام علي بن أبي طالب على كثرة الدماء التي أراقها في ساحات المعارك، فرد عليه علي واصفاً إياه بأنه أخو إبليس.

أما في ما يخص الخوارج والمحكمة، فإن آراء الحسن البصري تشابهت كثيراً مع بعض آرائهم، ولا سيما في ما يخص حكم مرتكب الكبيرة، وبأنه ليس مؤمناً خالص الإيمان، كما تواترت أخبار علاقة الحسن المتينة بالتابعي الكبير جابر بن زيد، وهو مؤسس الإباضية بحسب ما ورد في أدبياتهم القديمة، حتى قيل إن جابر بن زيد في مرضه الأخير قال لأصحابه وأهله: "إني لأشتهي رؤية الحسن البصري قبل أن أموت"، فاستدعوا الحسن ومكث مع جابر حتى وفاته، بحسب ما يذكر ابن الجوزي في كتابه السابق الذكر.

رغم ذلك، اعترض الكثير من الخوارج على البصري في مسألة رفضه للثورة، ونقل أحمد بن يحيى البلاذري (ت. 279هـ)، في كتابه "أنساب الأشراف"، أخبار العديد من المناظرات التي انعقدت في البصرة بين الحسن من جهة وزعيم الخوارج أبو بلال مرداس بن أدية التميمي من جهة أخرى، وكان محور تلك المناظرات هو الاختلاف حول مسألة الخروج على الحاكم الظالم. وفي الوقت الذي رفض فيه الحسن الخروج بشكل قاطع، قال مرداس وأتباعه من الخوارج والمحكمة بوجوب الثورة على الحاكم الظالم، متى توافرت السبل إلى ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard