رسالة من جيل اليوم… من جيلنا نحن إليكم وإليكن

الجمعة 2 أكتوبر 202002:53 م

"أنتم جيل مشلول، جيل التكنولوجيا، جيل عاطل…"

كل هذه المسميات نسمعها نحن

 لكن من نحن؟

نحن جيل الألفية الثانية، هذا الجيل الذي غالباً ما تراه والجهاز الذكي في حوزته أينما كان وكيفما كان، هذا الجهاز يرافقه في المدرسة، في الملعب، في غرفة النوم، في الحمام، وحتى وهو نائم.

حسناً... لنعدْ قليلاً في الزمن، الآن أنت ترى مجموعة من المراهقين والمراهقات يسيرون على الرصيف، تمشي عكس اتجاههم، تقترب منهم أكثر، تسمع قليلاً ثرثراتهم وضحكاتهم، تنظر إليهم، تصفيفات شعر مختلفة، موضة مختلفة لا تشبه ما هو دارج الآن في زمانك، الأجهزة ليست بحوزتهم، تصدم وتفتش بعينيك في أيديهم وجيوب ألبستهم، لكنك لا تريد لفت انتباههم، لذا تُفاجأ بصمت! إنّك تفتش لكنك لا ترى الأجهزة الذكية، أترى كتاباً؟ لا يمكن! تأكد من جديد، نعم إنه كتاب لغابرييل غارسيا ماركيز، وآخر لجبران خليل جبران، وكتاب آخر وآخر...
حسناً.. لقد تأكدت أنك وصلت، أظن أن هذا جيل أمي وأبي.
نحن جيل الألفية الثانية، هذا الجيل الذي غالباً ما تراه والجهاز الذكي في حوزته أينما كان وكيفما كان، هذا الجهاز يرافقه في المدرسة، في الملعب، في غرفة النوم، في الحمام، وحتى وهو نائم
لنعد إلى زمننا الحالي، لا بد أنك رأيت مشهد المراهقين هذا يوماً ما، إنهم لا يقرؤون، نعم للأسف، هذه هي الحقيقة. تمهل قليلاً ولا تتسرع في الحكم عليّ، إنّني لا أعمم على جميع أبناء جيلي، لا يمكنني القول إنّه باستطاعتهم القراءة، لماذا؟ فالأسباب كثيرة: مثلاً لو أخذنا موضوع الفراغ، نجد أن الشباب ليس لديهم متسع من الوقت، وهذا منطقي فهم يقضون أكثر من ثماني ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الإنترنت، وطبعاً يجب أن يأكلوا ويناموا ويدرسوا ويهتموا بنظافتهم ويلبّوا بعض المهمات لأهلهم...، فكيف تقولون إن لديهم الوقت؟ إنّ ما ذكرته هو جزء من انشغالاتهم اليومية، ومنهم من يعمل أو يسهر على مريض أو لديه أعباء أخرى لا أعرفها، ألا تكفي هذه الأسباب؟ إنهم حقاً ليس لديهم الوقت لحكّ فروة رأسهم!

لما لا نفكر بأنهم ربما لا يملكون المال لشراء كتاب، هذا سبب وجيه ومنطقي، صديقكم بيدكم فاستخدموه، لا تعرفون كيفية تحميل الكتب ومطالعتها؟ تذكروا إذاً أنّ من يريد شيئاً سوف يصل له، خاصةً نحن، نصل الى ما لا يمكن لأحد الوصول إليه عبر الإنترنت. يجب أن نقول أيضاً أنّ البعض لا يدفعون المال للكتب، بل للألعاب الإلكترونية التي تفعل شيئاً واحداً في حياتنا، وهو تشويه أدمغتنا وشغل تفكيرنا، التفكير بمستقبلنا، بمستقبل أولادنا، بالإنسانية، بالناس المقهورة والمظلومة، بكيفية مساعدتنا لهم، بأقرب الناس إلينا، حتى بأنفسنا!

ويجب عدم نسيان إرهاق العين التي يسببها التركيز على أشياء صغيرة لفترة من الزمن، أظن أن هناك مزية في الأجهزة هي تكبير حجم الكلمات، أليس ما أقوله صحيحاً؟ وأكرر أنكم تقضون ساعات وساعات أكثر من اللّازم على فيديوهات ومحادثات لن تنفعكم بشيء ولن تنفع غيركم أيضاً، لكنكم تستمتعون، نعم أيّها العالم، إنّها الحقيقة، نحن الجيل الذي يستمتع بهذه الطريقة -بدون تعميم-.
عندما تقولون لجيلي: اِقرأ، فهذا ليس طلباً أو اقتراحاً، إنكم قد وضعتم هذا الشخص في تحدٍ كبيرٍ وفي طريقٍ مليءٍ بالحفر، إنّه في أصعب امتحانات الحياة، فقد امتحنتم إرادته، بالإشعارات على مدار اليوم والساعة والثانية، امتحنتم إرادته بآلاف الفيديوهات من كلّ الأنواع والأصناف، فمنها المضحك، منها الإباحي، منها ما يتعلق بالسخرية من الأشخاص، والكثير الكثير...، وبمجرد فتح الفيديو، فقد وقع في الحفرة، فسيأتي بعده عشرات الفيديوهات عن الموضوع نفسه وموضوعات أخرى من الممكن أن تجذبه أكثر، هذا غير محادثات الأصدقاء التي تأتي بأي لحظة والتي ستفقدك تركيزك بسرعة هائلة، ولن أنسى أن هناك أيضاً مصاعب أخرى كثيرة، إنّه لطريقٌ مليءٌ بالحفر، ألا توافقونني؟! 
إذاً نحن لسنا أحراراً، حتى ونحن نصوّر الفيديوهات ثمّ ننشرها، وعندما نتصفح بعض التطبيقات، نحن لسنا أحراراً. لكنّنا أحرار في هذا العالم الافتراضي، لكنه افتراضي وغير حقيقي، نحن مسجونون داخل عالمنا الافتراضي لأننا أحرار
يقول ديكارت: "أجدني معرّضاً لما لا نهاية له من العثرات فلن أُفاجأ حين أقع" بتصرّف .
كما نرى أنّ معظم الشباب لا يقرؤن لأن الأجهزة الذكية بيدهم، لكن لا يمكنكم أن تحكموا على إرادتنا هكذا، فبحسب ديكارت أيضاً "لا يمكن امتحان الإرادة إذا لم يكن الشخص حراً، فمن الحرية تمنح الإرادة وتُمتَحن ".
إذاً نحن لسنا أحراراً، حتى ونحن نصوّر الفيديوهات ثمّ ننشرها، وعندما نتصفح بعض التطبيقات، نحن لسنا أحراراً. لكنّنا أحرار في هذا العالم الافتراضي، لكنه افتراضي وغير حقيقي، نحن مسجونون داخل عالمنا الافتراضي لأننا أحرار، في الوقت نفسه فإن من يجعلنا أحراراً في عالمنا، هو سجّاننا في الواقع، لا تقولوا لنا اقرؤوا، بهذه البساطة، حرّرونا ثم امتحنونا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard