ذكريات من ثورة تشرين العراقية… وما زلت لا أملك شبراً في هذه البلاد

الخميس 1 أكتوبر 202012:31 م

تشرين في القلب العراقي، ثورة. 

هل يستطيع الإنسان تذكر يوماً كاملاً بتفاصيله؟ قلبي يفعل. 

رأسي كان يفتش عن حيلة أقدمها لوالدتي، وأنا اتناول الغداء السريع، عدت باكراً من العمل، لأحمل وبحماس مجدداً مئات الأمنيات المخزنة في غرفتي، وبعضاً من الدموع في جيب عيني، هذه الدموع التي ستنطلق بحفاوة عند قراءتنا للنشيد الوطني قرب نصب الحرية ونحن نصرخ: نريد وطناً.

 أخبرت أمّي أن مديرتي ترغب في عودتي إلى المجلة لتقرير طارئ، ترجتني أن لا أمضي نحو ساحة التحرير لذعرها الشديد من الأخبار وما تتداوله القنوات وهي تستعرض اليوم الأول للثورة العراقية. 

ارتديت الأصفر، لوني المفضل، مثل الشمس سيشرق الوطن، هل تشرق الأوطان؟ اسأل نفسي وقدماي تقتربان من أصوات الحشود التي يملأ صوتها حتى الآن، أذنيّ وروحي، وقفت مع مجاميع من النسوة، لم نستطع الصمود قليلاً حتى بدأ الرصاص الحي والقنابل المسيلة للحياة بالتوجه نحونا، نجري وتطاردنا الرصاصات مثل ضباع سائبة، نختبئ في منزل ونهرب لآخر، هكذا فيما وابل الرصاص يمطر الأحياء المجاورة لساحة التحرير ويسقط عدد من الشهداء في اليوم الأول من تشرين الحرية. نجوت، وعدتُ والديّ ألا أعود، وعدت مرة أخرى مع أختي للتظاهر، بكذبة جديدة، وحيلة أخرى.

بعد تشرين، تغيّر التقويم كلياً واحتوانا الأمل فيما نضم العراق، كل العراق لحضن كبير، وبدأنا فعلاً جاهزية توديع الموت، والقلق النفسي، ولكن مع الأسف، خسرنا، وأضعنا الكثير من متظاهرينا الحالمين مثلنا بوطن حر.

- آه ماما لا أسمعك جيداً، أنا في صالة السينما، نشاهد فيلم الجوكر.

والحقيقة أني كنت اختبئ في سيارة أحدهم، هرباً من الصوت الخارجي.

ما قبل تشرين 2019، ليس كما بعده، هذا الشهر الذي جاء كمعجزة أغدقت الشجاعة علينا، ومنحت أفواهنا الصامتة والخائفة صوتاً مدوياً استطاع الوصول إلى الضفة الأخرى من العالم.

 لقد منحتني هذه الثورة كل شيء، وأخذت كل شيء في آن واحد، أفكر، أتذكر والقشعريرة تهب في جسدي... مواقف لن تمحى، كنت أنتظر أصدقائي لدخول ساحة التحرير، وجودنا معاً يهبنا الطمأنينة، نتخيل قتلهم لنا بشكل جماعي، ونسخر بسردنا قصصاً مختلفة لاختطافنا.

 لم تكن أحاديثنا هذه من فراغ، كما أننا لم نكن نمزح حين نتحدث عن الموت بضحكات سوداء عالية. لقد تساقط الأصدقاء تباعاً في ساحات التظاهر، ونقلت أرواحهم عربات التكتك التي جاء أصحابها محملين بهموم الفقر على عربة ستصبح فيما بعد، إسعاف التحرير. نهرب من القنابل المسيلة للدموع، نهتف، نغني، نصفق ونبكي ونحن نحتضن العلم ونتمنى أن لا تصبح مهمته الوحيدة، غطاء التوابيت، نصرخ، نأكل، نلعب، ونرقص، لقد صنعنا الوطن الذي أردناه في ساحة التحرير، لقد وهبتنا تلك البقعة الصغيرة ولو لفترة مؤقتة وقليلة، وطناً رسمناه على جدران النفق. كان وطناً رائعاً وملوّناً.

ماذا عليّ أن أنسى من هذه الثورة؟ هل عليّ أن أنسى شيئاً منها؟ وهي التي استولت على الذاكرة القادمة لأيامنا، من يستطيع دخول ساحة التحرير دون أن يلقي التحية العسكرية على المطعم التركي، الذي اتخذه المتظاهرون درعاً حصينة لأخوتهم الموجودين في المناطق المجاورة حتى أطلقوا عليه اسم "جبل أُحد"... أو لحظة، كيف سأنسى عربات التكتك وهي تنقل الجرحى، وجسر الشهداء؟ جسر الشهداء الذي كان حداً فاصلاً بيننا وبين الباطل، وهل يعقل أن أنسى نصب التحرير ونحن نجتمع تحته كل يوم لالتقاط الصور التذكارية.

 المتطوعون والمتطوعات، المسعفات والمسعفون، خيم المرابطين، صانعو الطعام، موزعو المواد الغذائية... تطوعنا سراً لتسلم التبرعات وشراء ما ينقص المرابطون هناك، سارة التي تنظف ثيابهم بشكل مستمر مع جارتها بغسالة مهترئة، ماذا عليّ أن أنسى حقاً؟ لا أريد أن أنسى شيئاً، فكل ما حدث أمامي آنذاك أضاف لأيامي سنوات عديدة.

 حسناً، لا أعلم لما أبكي فيما أتذكر وأدوّن كل هذا، إنه ارتباط صارخ يشبه حبل سري ممتد بيننا وبين الوطن. 

 أنا لا أملك سوى تفاصيل صغيرة تؤويني، ولا أحلم  سوى بوطن أتمكن من العيش فيه بكرامة، وطن أستطيع أن أعيش فيه شبابي حتى لو شارفت الخمسين

حينما داهمتنا الحرب، كان عمري 11 سنة فقط، استشهد عمي في الأيام الأولى لقضمات الحرب، ثم توالت الخسارات، ذبحوا أقاربنا، قتلوا صديقتنا أمامنا، عبرت بطريقي على جثث صادفت نهارات الدراسة، هُجر جيراننا، استشهد ابن خالي، وابن خالتي في حرب داعش، وخسرت بعض الأصدقاء وهم يحاولون عبور البحر…

اعتذر، لست الوحيدة التي عانت، ولن أكون، ورغم هذا، نحن نحتفل بأقل فرصة للحياة، ونبتهج بكل دقيقة سطحية تتمكن من زيارتنا سريعاً. وبعد تشرين، تغيّر التقويم كلياً واحتوانا الأمل فيما نضم العراق، كل العراق لحضن كبير، وبدأنا فعلاً جاهزية توديع الموت، والقلق النفسي، ولكن مع الأسف، خسرنا، وأضعنا الكثير من متظاهرينا الحالمين مثلنا بوطن حر.

أنا لا أملك شبراً في هذه البلاد، لا أملك سوى تفاصيل صغيرة تؤويني، ولا أحلم  سوى بوطن أتمكن من العيش فيه بكرامة، وطن أستطيع أن أعيش فيه شبابي حتى لو شارفت الخمسين، وعلى ما يبدو أني استطعت العيش بوطن التحرير كما تخيّلت يوماً، ولو بصورة مؤقتة لكنها قابلة للتمدد والعودة بثبات، قريباً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard