"مش قادرة استحم براحتي"... عن نساء يعشن بلا خصوصية

الخميس 1 أكتوبر 202004:07 م

"لا أستطيع أن أتكلم في التليفون مع صديقاتي بحرية في البيت، رغم أني متدينة وأرتدي النقاب إلا أن أهلي يرون أني أخذت حريتي أكثر من اللازم"، "لا أستطيع أن اغتسل في الحمام وأمشي عارية في بيتي، فحماتي تمتلك قسراً مفتاح شقتي، وتدخل بلا استئذان"، "أهلي يرفضون أن أطور نفسي في دورات تدريبية لأنها بعيدة عن مدينتنا"... هكذا تحدثت نساء لرصيف22، عن حالة انعدام كامل لأبسط قدر من المساحة الشخصية، والحرية في اتخاذ قرارات، حتى أن بعض النساء بتن يفكرن بتلك القيود، وكأنها قيود طبيعية خُلقت بها المرأة، وعليها التكيّف معها.

تعاني رحاب مصطفى، مفتشة في الجهاز المركزي للإحصاء، (29 سنة)، من محافظة الأقصر، من رفض أسرتها للعديد من قراراتها الخاصة بالدراسة، فدائماً ما يرفضون مشاركتها في أي دورات تدريبية، خاصة بعد أن تركت عملها، مما يجعلها تشارك في تلك الدورات عن بعد، دون علم أسرتها، وذلك على الرغم من تبنيها لأفكار دينية محافظة.

"ألتحق بدورات تدريبية عن بعد دون علم أسرتي".

وتتابع رحاب: "لم تتوقف القيود عند الدراسة، بل امتدت إلى التعليق على طريقة الملبس، فأبدت أسرتها اعتراضًا شديدًا لارتدائها النقاب، مؤكدة أنها رغم ما تسمعه منهم مستمرة في ارتدائه".

وتبدي رحاب استغرابها من قيود أسرتها، فرغم ثقتهم بها، وتأكدهم من عدم تعديها لأي "خط أحمر"، يتحكمون في مساحتها الشخصية، مشيرةً إلى أنها لا تستطيع التحدث مع صديقاتها في الهاتف أمام والديها، فهي تفضل دائمًا مقابلتهم خارج المنزل.

وتضيف رحاب لرصيف22: "أمي أكثر من يفرض تلك القيود، فهي تفكر دائمًا في أمر زواجي، أما أبي فقد بدأ منذ فترة قصيرة بتقليد أمي، لأنه شعر أنني أخذت حريتي أكثر من اللازم".

معاناة من نوح آخر

فيما ترى مروة، طبيبة صيدلانية (30 سنة) من محافظة الأقصر، أن المساحات الشخصية تقاس على حسب التربية أو البيئة التي نشأت فيها الفتيات، فالعائلات المحافظة والملتزمة تضع قيوداً للمساحات الشخصية، وبمرور الوقت تعتادها الفتيات،.

وترى مروة أن القيود والتحكمات تزيد مع زواج الفتيات في بيت عائلة الزوج، وليس في بيت مستقل، خاصة في ارتداء الملابس.

دخلت إيمان مراد (30 سنة) حاصلة على ليسانس آداب، وتقيم في شبرا الخيمة إلى مرحلة الأمومة، حينذاك شعرت بقيود عديدة عليها، خاصة بعد إنجاب طفلها الثاني، وبات التوفيق بين عملها ومتطلبات الأمومة صعباً، ولكنها اختبرت معاناة من نوع آخر.

"لا أستطيع أن أتكلم في التليفون مع صديقاتي بحرية، أهلي يرون أني أخذت حريتي أكثر من اللازم"، "لا أستطيع أن اغتسل في الحمام وأمشي عارية في بيتي، فحماتي تمتلك مفتاح شقتي، وتدخل بلا استئذان"، "أهلي يرفضون أن أطور نفسي في دورات تدريبية"

تقول إيمان إنها رغم أنها تعيش بمفردها فإن حماتها تمتلك مفتاحاً لشقتها، فتتفاجأ بها في المنزل دون تحديد موعد سابق، مما يضعها في مواقف محرجة، فذات مرة عندما تركت باب الحمام مفتوحاً أثناء اغتسالها، سمعت صوت بكاء ابنها الصغير، وعندما خرجت، فوجئت بحماتها في الشقة.

العديد من التفاصيل الأخرى، والتحكمات داخل النطاق العائلي، تعيشها إيمان كأسلوب حياة، تقول لرصيف22: "ذات مرة أتى لزيارتنا أقارب زوجي، وكنت أرتدي حجابًا و"ترينج" مما أغضب والدة حماتي، وجعلها تنهال علي بالكلام القاسي، الذي أشعرني كأنني فتاة عديمة الأخلاق".

وتختلف معها نورهان حمادة (28 سنة)، تعمل منظمة مؤتمرات، من محافظة الأقصر، وهي ترى أن المساحة الشخصية تختلف من الريف للحضر، ومن أسرة لأسرة، موضحة أن أسرتها توفر لها مساحة شخصية كبيرة جدًا بخصوص السفر والانتقالات وأماكن الخروج، واللبس، والدراسة، فهي الآن تستكمل دراسة الماجستير.

"إرضاء المرأة للناس صعب"

تشدّد بسمة أيمن، مسؤولة علاقات عامة برئاسة مجلس الوزراء المصري، وتعيش بمحافظة المنوفية، على أن المساحات الشخصية تصدعت من كثرة التدخلات، والتساؤلات خاصة بعد التخرج، فتتلقى المرأة العديد من الأسئلة، منها: "هتشتغل امتى؟ ولو حد بيشتغل، يقولوا له شغلك يستاهل المرمطة دي؟".

وتضيف بسمة لرصيف22 أن التدخلات تستمر بعد الزواج عن طريق المراقبة، كملاحظة البطن لمعرفة هل هناك حمل أم لا أو ملاحظة الحالة النفسية، لمعرفة إذا كان الزوجان سعيدين أم لا.

وتتابع: "الفتاة تعاني من التدخلات والتعدي على مساحتها الشخصية بصورة أكبر من الرجال، الذين بدورهم يعانون من بعض التدخلات، ومع الوقت نتعلم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك. فهم يرون أن أي شخص به نقصاً ويحتاج إلى الشفقة".

وترفض مي أسامة، كاتبة في إحدى المؤسسات السعودية الإعلامية (29 سنة) ومقيمة في حي شبرا في القاهرة، أي تعدٍّ على مساحتها الشخصية من أي فرد سواء من عائلتها أو من عائلة زوجها. ترفض الزيارات المفاجئة، نظرًا لانشغالها بالعمل وبطفلها أحيانًا، وبتنظيف شقتها أحيانًا أخرى.

وتقول مي لرصيف22 إنها برغم حرصها، واستماتتها في الدفاع عن خصوصيتها تعاني من بعض التدخلات، كاستنكار البعض لارتدائها بنطلوناً وبلوزة أثناء توجهها للسوبر ماركت بدلًا من العباءة النسائية.

وأكثر ما يثير سخط مي التعدي على طريقة تربيتها لابنها، فعندما ترفض إعطاءه نوعاً معيناً من الطعام، تجد من يضرب بكلامها عرض الحائط، ويعطي للطفل ما منع منه دون علمها، وتزيد معاناتها عند الإلحاح عليها لإنجاب طفل ثان.

"غير متصالح مع تمكين المرأة"

لا تزال الكثير من الأسر في مصر تضيق الخناق على حرية المرأة لدفعها إلى الزواج لتنال حريتها، تقول زينب مصطفى، مترجمة بالهيئة العامة للاستعلامات (29 سنة) إن مساحتها الشخصية كانت "مخنوقة" جدًا قبل الزواج، فكانت أسرتها تتدخل في كل شيء في حياتها، إذ منعت العديد من الأمور، مؤكدة أن بعد الزواج اختلف الوضع كثيرًا، ولكن في حدود مساحة معينة، راضية عنها حتى الآن.

وتوضح زينب أن أكثر الأشخاص الذين يتدخلون في حياتها هم: والدتها، وخالتها، وحماتها، وخالة زوجها، وتتمثل طرق التدخل في نصحها في ارتداء ملابس معينة، أو رفضهم لخروجها في بعض الأوقات، بجانب إصرارهم على إنجابها لطفل ثان.

"هناك مشكلة في تمكين النساء بصورة عامة، فالمجتمع غير متصالح مع فكرة تمكين المرأة، لذلك من الممكن أن نقابل نماذج مقاومة لتمكين المرأة سواء كانوا رجالاً أو نساء"

وعن المساحات الشخصية المتوفرة للمرأة في مجتمعنا، تعلق نيفين عبيد مؤسسة "المرأة الجديدة" أن النساء أثبتن وجودهن في المجالات العلمية في الفترة الأخيرة بصورة ملحوظة، مدللة على ذلك بفتيات نلن المرتبة الأولى بالثانوية العامة في الأقسام الرياضية والعلمية، مشيرة إلى أن هناك بعضهن قد لا يتمكنّ من ارتياد الجامعة المناسبة لهن، لرفض أسرهن الاغتراب والسكن في محافظة أخرى.

وتوضح عبيد أنه لحل تلك الأزمة يجب زيادة الجامعات الإقليمية التي تخدم عدداً من التخصصات المختلفة لإتاحة فرص تعليم الفتيات في محافظتهن، بجانب ضرورة توفير مناخ عام آمن لحركة الفتيات، خاصة في مجال التعليم حتى تستطيع الأسرة الوثوق بالمناخ الآمن لبناتهن.

ويرى دكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي وأمراض المخ والأعصاب، في حديث لرصيف22 أن المجتمع الذكوري لديه حب السلطة على المرأة، وتعتمد المساحة الشخصية للفتيات على المستوى الثقافي والتعليمي للأسرة، و"حسن تصرف الفتاة، فالمساحة الشخصية تزيد كلما حسنت أخلاقها وتصرفاتها، وتقل في حالات الخطأ، بالنسبة للمعاير المقبولة اجتماعياً".

وتختلف معه عبيد، التي ترى أن المجتمع غير متصالح مع فكرة تمكين المرأة، لذلك من الممكن أن نقابل نماذج مقاومة للتمكين سواء كانوا رجالاً أو نساء، فأحيانًا توجد نساء تحمي التراث الذكوري أكثر من الرجال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard