"الانقسام الرقمي"... من يستخدم الإنترنت في العالم العربي؟

الأربعاء 30 سبتمبر 202004:52 م

يشيد البعض بشبكة الإنترنت باعتبارها "قوة دافعة على طريق المساواة، بسبب قدرتها على توسيع الفرص في شتى قطاعات المجتمع، والتعجيل بالصعود الاجتماعي، وإعطاء صوت ومنصة للفئات المهمشة". لكن ماذا إذا كان هناك عدم مساواة بل فجوة في استخدام الإنترنت والوصول إليها بين الفئات السكانية في العالم العربي؟

هذا على وجه التحديد ما ركزت عليه أحدث دورات استطلاع الباروميتر العربي -المنظمة البحثية التحليلية المستقلة- والذي أعلنت نتائجه في 29 أيلول/ سبتمبر.

خلص الاستطلاع إلى أنه "رغم عقود من تزايد انتشار الإنترنت، والهواتف الذكية على نطاق عريض، وتوسع ثقافة الإنترنت، لا تزال أوجه انعدام المساواة في العالم العربي واضحة وبارزة، ويُقدّر البعض أن اللامساواة قد زادت واشتدت". 

ويُعرّف الانقسام الرقمي على أنه "الفجوة بين فئات المجتمع في ما يتعلق بفرصها في الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها للإنترنت". ولم يعد استخدام الإنترنت رفاهيةً، إذ إنه مع تزايد اعتماد المجتمع على التكنولوجيا والإنترنت، فإن من يفتقرون إلى المعرفة الرقمية والقدرة على الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات "يواجهون تحديات أكبر، بل إقصاءً واضحاً"، خاصةً في الاندماج بالاقتصاد والمجتمع المعتمدين بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية.

ثروة الدول، والجنس، والسن، والتعليم، وحال السكن: عوامل تؤثر على استخدام الإنترنت في العالم العربي. الباروميتر العربي يكشف "انقساماً رقمياً كبيراً" بين الدول العربية وداخل الدولة الواحدة

زيادة الفجوة الرقمية

وتكشف بيانات الباروميتر العربي عن "اختلاف كبير" في معدلات استخدام الإنترنت بين الفئات السكانية المختلفة، مع تأثير ملحوظ لعوامل عدة مثل: النوع والدخل والتعليم والسن وحتى السكن (ريف، أو حضر، أو مخيم لاجئين).

على سبيل المثال، وُجِد أن أكثر الفئات معاناة في المجتمع، مثل النساء والمسنين والأقل تعليماً والأقل دخلاً، هم "أقل قابلية لاستخدام الإنترنت" مقارنة بالذكور والشباب والأفضل تعليماً والأعلى دخلاً.

كما تباينت كثيراً نسبة المواطنين غير المتعاملين مع الإنترنت بين بلد وبلد في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويقصد هنا بـ"غير المتعاملين مع الإنترنت" أولئك الذين لا يستخدمون الإنترنت مطلقاً، أما "المتعاملون مع الإنترنت" فهم من يستخدمون الإنترنت بأي شكل ولو مرة في الشهر.

تضاف هذه النتائج، الواردة من 12 دولة عربية، إلى الأدلة التي تُظهر أنه "رغم استطاعة الإنترنت تخفيف بعض المشكلات المجتمعية، فإن التفاوت في معدلات استخدام الإنترنت بحسب الفئات السكانية أو على امتداد التقسيمات الاجتماعية الاقتصادية، يمكن في حقيقة الأمر أن يفاقم من اللامساواة ويسهم في انقسام رقمي مقلق".

الثروة واستخدام الإنترنت

لكن الانقسام الرقمي لم يظهر بين الفئات السكانية داخل دول المنطقة فقط، وإنما أيضاً بين الدول، وبدا عنصر الوضع المالي للعائلة لاعباً رئيسياً في ذلك. في إحدى أغنى دول العالم، الكويت، ظهرت النسبة الأعلى لمن يستخدمون الإنترنت بأي وتيرة (97%)، تلاها لبنان (88%). وجاءت مصر واليمن في أسفل الترتيب (58% و53% على التوالي).

إجمالاً، يلاحظ انخفاض أعداد غير المتعاملين مع الإنترنت في المنطقة: 3% في الكويت، وأقل من مواطنين اثنين من كل عشرة في لبنان. لكن على النقيض تماماً، نجد أن نحو ربع المبحوثين في العراق (24%) و26% من الليبيين، و28% من السودانيين لا يتعاملون مع الإنترنت، وهو ما ينطبق على أكثر من ثلاثة من كل 10 أشخاص في المغرب (31%) و32% من الجزائريين وأكثر من أربعة من كل 10 في تونس (41%) و42% من المصريين.

بسبب "القيم الاجتماعية والأدوار الجندرية والتحيزات والتنميطات الخاصة بالنوع"... النساء أقل استخداماً للإنترنت في عالمنا العربي بمعدل 56% مقارنةً بالرجال، وتحديات عدة تعوق "الشمول الرقمي الكامل"

اللافت وجود 53% من المتعاملين مع الإنترنت في اليمن، إحدى أفقر دول العالم، مقابل 47% من غير المستخدمين لها.

عدة عوامل أخرى، إلى جانب الثروة، قد تكون سبباً وراء التباين في استخدام الإنترنت بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مثلاً، مع دخول الحرب الأهلية في اليمن عامها الخامس، يواجه اليمنيون قصوراً في الإنترنت ومشكلات الوصول إلى الشبكة بسبب تدهور البنية التحتية والرقابة والحجب بدوافع سياسية.

عوامل تحدد الانقسام الرقمي بين الأفراد

خلافاً للدول، ثمة متغيرات رئيسية عديدة -أبرزها: السن والنوع والتعليم والدخل- مرتبطة باستخدام الأفراد للإنترنت. من النتائج "غير المثيرة للدهشة أن الأكبر سناً في شتى الدول المشمولة بالاستطلاع كانوا أقل إقبالاً على استخدام الإنترنت. في المتوسط مثلاً، كان المصري المتدين البالغ من العمر 30 عاماً ولديه قسط أساسي من التعليم، مستخدماً للإنترنت بنسبة 52%، مقارنة بـ32 % إذا كان العمر 40 عاماً. أي أنه مع تساوي جميع المتغيرات الأخرى، يكون التقدم في العمر 10 أعوام مرادفاً للتراجع في استخدام الإنترنت بواقع 58%.

يمكن ربط ذلك نسبياً بتحفظ الأكبر سناً في التعامل مع تقنيات جديدة، وقلة ثقتهم بقدرتهم على استخدامها بنجاح، أو ربما لأن هذه التقنيات الجديدة غير مصممة بشكل يراعي حاجات المستخدمين الأكبر سناً.

في بلدان عديدة، كان هناك "انقسام حاد" بين البالغين الأصغر سناً (18-29 عاماً) والأكبر سناً (60+)، بلغ ذروته في مصر بمعدل استخدام للشباب يفوق بـ82% كبار السن (90% مقابل 9%).

الانقسام الرقمي على أساس الجنس أظهر "اختلالاً مشابهاً" إذ لوحظ تراجع في استخدام الإنترنت بواقع 56% إذا كان النوع امرأة، وذلك مع تثبيت المتغيرات الأخرى.

في المنطقة، تواجه النساء عقبات كبرى تعترض طريقهن إلى مشاركة كاملة في المجال الرقمي، بينها: القيم الاجتماعية والأدوار الجندرية والتحيزات والتنميطات الخاصة بالنوع، هذه كلها كثيراً ما تثبط عزيمة النساء أو تمنعهن من استخدام الإنترنت، واكتساب المعرفة الرقمية، والمشاركة في الاقتصاد والمجتمع الرقميين. ترسم هذه النتائج صورة مقلقة للوضع الراهن في سياق أداء المنطقة في ما يخص تضييق الفجوة بين الجنسين، الذي هو الأسوأ على مستوى العالم.

علاوةً على السن والنوع، لا يقل تأثير التحصيل التعليمي ومستوى الدخل على إحداث هذا الانقسام الرقمي. فكلما تراجعت مستويات التعليم والدخل، قلّت احتمالات استخدام المرء للإنترنت. إلى ذلك، تُظهر التقسيمات البسيطة للبيانات صلةً بين مكان سكن المستطلعة آراؤهم واستخدامهم للإنترنت.

في العالم العربي… "رغم استطاعة الإنترنت تخفيف بعض المشكلات المجتمعية، فإن التفاوت في معدلات استخدامها بين الفئات السكانية أو على امتداد التقسيمات الاجتماعية الاقتصادية، يمكن في حقيقة الأمر أن يفاقم من اللامساواة ويسهم في انقسام رقمي مقلق"

تحديات تحقيق "الشمول الرقمي الكامل"

جانب آخر مقلق كشفت عنه نتائج الباروميتر العربي هو أن "أوجه اللامساواة في استخدام الإنترنت أمر ضروري لكنه غير كافٍ لأجل الوصول إلى الشمول الرقمي الكامل".

عدا المعوقات التي تعترض وصول الفئات المهمشة إلى الإنترنت واستخدامها، تبين أيضاً أنه في كثير من الأحيان تكون هذه الفئات أكثر هشاشة مقارنة بالفئات الأخرى، حال استخدامها للإنترنت.

على سبيل المثال، الأكبر سناً هم الأكثر عرضة للاحتيال عبر الإنترنت، والنساء أكثر عرضة للأذى عبر الإنترنت (27 مرّة أكثر من الرجال)، وذلك في شتى أنحاء العالم.

وتشير دراسات إلى أن الأقل نصيباً من التعليم والدخل هم الأكثر إقبالاً على تصديق المعلومات المغلوطة المُقدمة عبر الإنترنت.

في هذا الصدد، نبه "الباروميتر" إلى أن المعرفة بالإعلام والوعي بالخصوصية ركن أساسي من أركان الاستخدام الصحي للإنترنت في ظل انتشار الأنباء الملفقة عبر مختلف الوسائط وحملات بث المعلومات المغلوطة والتشهير والتحرش الجنسي عبر الفضاء الافتراضي.

وحث على ضمان توفير فرص متساوية للفئات السكانية الهشة بغية الاستفادة من فوائد الإنترنت من دون تحمل عبء ظلمها حتى يمكن اعتبار أن جهود سد الفجوة الرقمية كُللت بالنجاح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard