عن الافتراق والسياسة والفن المعماري... الفنان العراقي- الأمريكي مايكل راكويتز

الأربعاء 30 سبتمبر 202004:51 م

يأتي هذا المقال ضمن تعاون مع مجلة Arts Asia Pacific التي تعنى بتغطية الفن المعاصر والأحداث الثقافية في سبع وستين بلداً ضمن آسيا والمحيط الهادي والشرق الأوسط، في النسخة المطبوعة، بعنوان "Michael Rakowitz at Jameel Arts Centre, Dubai" بقلم الكاتبة والناقدة الفنية ربا السويل نشرت في عددها 120 سبتمبر/أكتوبر من عام 2020. 


مايكل راكويتز، فنان وعالم آثار ومقدم إذاعي ومؤرخ عراقي- أمريكي، جُمعت مواهبه هذه ليتعرف إليها زوار معرض فني متجول يحمل اسمه. تم عرض هذا المعرض لأول مرة في صالة وايت تشابل بلندن، Whitechapel Gallery، ثم انتقل إلى متحف Castello di Rivoli Museo d’Arte Contemporanea في مدينة تورين قبل وصوله إلى ضفاف خليج دبي وعرضه في مركز جميل للفنون، Jameel Arts Centre، ليكون أول معرض فردي للفنان في منطقة الشرق الأوسط وآسيا.

المباني السكنية الجوالة

في جولته الأخيرة في دبي، شغل المعرض طابقين في المركز بثمانية تصميمات هي حصيلة العقدين الماضيين من أعمال راكويتز متعددة التخصصات. أثار تصميم قابل للنفخ، وهو يتحرك في هدوء مهيب، انتباه المشاهدين عند الدخول.

تحت مسمى (Dull Roar (2005، يتضخم الهيكل المطاطي (المصنوع من مادة الفينيل المرنة) القابل للانتفاخ بالهواء ثم يعود مجدداً إلى شكله المسطح الضئيل. في هذا النموذج الذي يمثل مشروع Pruitt-Igoe السكني في سانت لويس بولاية ميسوري، يحيي راكويتز ذكرى هدم مشروع الأبراج السكنية الذي حلم به المهندس المعماري مينورو ياماساكي وتم بناؤه وفقاً لجماليات العمران الأساسية، وهي الشمس والفضاء والمساحات الخضراء كحل للأزمة السكنية والفقر في المدينة. وقد بثت عملية الهدم على الشاشات الوطنية الأمريكية عام 1972.

في معرضه المتجول الذي حط رحاله أخيراً في إمارة دبي، يحيي الفنان العراقي- الأمريكي مايكل راكويتز ذكرى مشاريع معمارية هُدمت في سبعينيات القرن الماضي، بسبب السياسات العنصرية في الولايات المتحدة

بعد سنوات قليلة من إتمام العمل على مشروع Pruitt-Igoe’s في 1954–56، اتخذ الموقع منعطفاً قاتماً، ليصبح مسرحاً للجرائم ومكاناً للفقر والفصل العنصري. تم إعلان فشل المشروع وخرابه الداخلي في نهاية المطاف في التصريح الشهير لمنظّر ما بعد الحداثة، الناقد والمعماري تشارلز جينكس الذي اعتبره موتاً للعمارة الحديثة.

ولكن يمكن القول إنه لم يكن نتيجة لفشل التصميم بقدر ما كان نتيجة لإهمال الدولة ومظاهر انعدام المساواة في النظام، كما يرجع ذلك بشكل أساسي إلى حقيقة أن السكان كانوا في غالبهم من السود المتلقين للرعاية الاجتماعية. وبرغم أن اللبنات الأساسية للمهندس المعماري كانت صلبة، فإن أي منزل يبنى على أسس غير متينة قوامها السياسات العنصرية والحرمان الطبقي لا يمكن أن يصمد أمام رياح التجديد الحضري.

تضمن العرض أيضاً ظهوراً لراكويتز بدور الناشط الاجتماعي. انبثق من الطابق الثاني صوت مراسل إخباري غريب الهيئة من أمريكا الشمالية من مقطع تلفزيوني عرض على الشاشة وهو يعلن ثورة اجتماعية بدأها مشروع راكويتز بعنوان (ParaSITE (1998، الذي شهد ذروته في التسعينيات على شاشات التلفاز. قام المشروع على استخدام النفايات التي تم رميها مثل أكياس Ziploc البلاستيكية وأشرطة التغليف اللاصقة، وبواسطة هذه المواد عمد الفنان إلى تصميم ملاجئ محمولة قابلة للنقل مخصصة للمشردين في عدة مواقع على الساحل الشرقي.

بخاصيتها اللاصقة التي تشبه التصاق العلقة بالأجسام، تلتصق هذه الملاجئ بالأنابيب الخارجية للمباني، وتتضخم حين تملأ بالهواء الدافئ. وكجزء من مشروعه، نظم راكويتز اعتصامات دعا فيها إلى إجراء إصلاحات في آليات الإسكان.

تاريخ الانفصال والمجازر

بقصاصات من المجلات العربية والعالمية والألبومات الغنائية، يحاول الفنان العراقي الأمريكي مايكل راكويتز إيضاح التشابك بين الصراعات السياسية والاجتماعية في العالم، ملقياً الضوء على أحداث مفصلية من حقبة الستينيات مثل انفصال الجمهورية العربية المتحدة ووفاة عبد الناصر وحتى انفصال فرقة البيتلز الغنائية

في غرفة أخرى من المعرض، يخرج صوت راكويتز ليجتذب الزوار وهم يسمعون تسجيلاً لسلسلة إذاعية مؤلفة من عشرة أجزاء قدمها الفنان عبر راديو أمواج الذي يبث من مدينة رام الله الفلسطينية، تتخللها مقاطع صوتية من خطابات سياسية محورية لزعماء العالم إضافة إلى موسيقى صاخبة في الخلفية، بعنوان "الافتراق" (The Breakup (2010، تناول راكويتز في هذا العرض حدثين يعتبران من الانفصالات التاريخية الكبرى في فترة الستينيات وهما انفصال أعضاء فرقة البيتلز وانهيار الوحدة بين سوريا ومصر.

وخلف فيترينات العرض، عرضت قطع تذكارية غير متسقة، لكن ما جمعها هو ما تمثله من قصص الصراعات التاريخية المتداخلة والأحلام المجهضة. تضمنت هذه المعروضات غلاف ألبوم رولينج ستون للمغني جورج هاريسون، عدد مجلة تايم وعلى غلافه صورة الرئيس السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، إعلان إدانة الشخص المختل الذي اغتال جون لينون في النيويورك تايمز إضافة إلى حجر من رام الله وغلاف ألبوم رينجو ستار الذي صدر عام 1970 Beaucoups of Blues، مع قصاصة من صحيفة الجمهورية اللبنانية كتب عليها "العالم يبكي على عبد الناصر"، حداداً على وفاة الزعيم المصري التي حدثت في نفس العام.

تحوي الكثير من قطع راكويتز الفنية مقتطفات من أحداث تاريخية، تجسدت أحياناً عن طريق محاولته لإعادة ترميم القطع الأثرية المنهوبة والمدمرة في العراق وسوريا باستخدام عبوات الطعام الفارغة أو صحف من الشرق الأوسط أعاد تدويرها، وهذا ما نجده في مشروعه "لا يجب أن يكون العدو الخفي موجودًا"، 2007 The invisible enemy should not exist.

في نصب تذكاري بعنوان "اللحم لكم والعظم لنا"، يستخدم الفنان العراقي الأمريكي مايكل راكويتز قطعاً من الجبس والعظام إحياءً لذكرى فاجعة الأرمن عام 1915 

كما نرى إضاءة على أحداث تاريخية مؤلمة في مشروع "اللحم لكم، والعظم لنا"، 2015 The flesh is yours, the bones are ours، الذي أنجزه بواسطة الجبس والعظام والبطاقات لتمثل واجهات مباني مدينة إسطنبول بنقوشها المزخرفة على شرف الحرفيين الأرمن الذين صنعوها قبل أن يقعوا ضحية المجازر المؤلمة أيام الدولة العثمانية في عام 1915.



قد يصعب تذكر تاريخ كهذا بدون أن تخيم هالة من النوستالجيا إلى الماضي أو ظلال المأساة، لكن راكويتز، بشكل استثنائي، عرف كيف يشيد نصباً من الذكريات بطريقة فريدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard