"الخيال هو كل ما نملك"... هل يكسر السكس فون "تقاليد" العلاقات الجنسية؟

السبت 26 سبتمبر 202006:19 م

"ثورة جنسية يقودها جيل زد" هكذا وصف مقال في موقع صحيفة "الغارديان" البريطانية ظاهرة السكس فون، التي انتشرت وازدهرت بين الأجيال الأصغر سناً، ولكنها قد تكرس لعصر جديد، بعد ركود جنسي أصاب العالم الغربي خلال العقود الماضية، تكون فيه التكنولوجيا وسيطاً في ممارسة الحميمية، بأخلاقيات، ونشاطات جنسية تختلف عن الأجيال السابقة.

أشار المقال الذي كتبته سيارا جافني في بدايات جائحة كورونا إلى أنّ جيل زد، وهو المولود بين منتصف التسعينيات وبدء الألفية الجديدة، هو الأكثر مطالبة بحقوقه بشكل عام، وحقوقه الجسدية بشكل خاص.

بدأت ثورة جنسية في الغرب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت وقودها التقاليد الأخلاقية المحافظة، بينما تندلع ثورة جنسية أخرى اليوم، بحسب جافني، تشعلها الجدران التي حبستنا بسبب انغماسنا في الهواتف الذكية.

ولكن ماذا عن السكس فون في بلادنا، التي لم تشهد ثورة جنسية، وإن تأثرت بها، في الخمسينيات، بسبب العادات والتقاليد التي تمارس دورها في تشكيل مشاعرنا حيال أجسامنا؟ ماذا فعل هذا "الفراغ الافتراضي" في علاقاتنا العاطفية والجنسية هنا في مصر؟

"الخيال يحتاج مني أن أغلق عيوني، وهذا يتعارض مع مشاهدة البورنو، أما المكالمات الهاتفية فأنا بطل القصة أنا من أصنع التأوهات وكذلك تخرج لأجلي"

يفكّر أحمد علي (اسم مستعار)، 30 عاماً، يسكن في القاهرة، وينحدر من جنوب الجيزة، ويعمل في وكالة صحافية أجنبية، في برامج التجسس التابعة لهاكرز أو لحكومات عندما يخطر على باله "السكس فون"، خاصة بعد تسريبات تقوم بها مواقع موالية للنظام تشتمل على فضائح جنسية، فهو يشعر بانعدام الخصوصية فيه.

ويحكي أحمد عن علاقة سابقة أقامها مع فتاة من دولة عربية أخرى، عبر تطبيق "سكايب"، إذ فوجئ بأنها تعرَّفت إلى اثنين من أصدقائه، وعرضت عليه أن ترسل إليه صوراً لهما، وهما يتفاعلان معها جنسيا، مما جعله يحجم عن الاستمرار في استخدام تلك التطبيقات لإشباع رغباته.

"جيلي يفضل الخيال"

أما إياد مصري، 21 عاماً، وهو طالب بكلية التجارة، فبدأ إشباع طاقته الجنسية بمشاهدة الأفلام الإباحية، التي يصفها بـ"الممتعة"، ولكنه يعشق الخيال، لذا يفضل إشباع رغبته عبر المكالمات الهاتفية، أو السكس فون، يقول: "الخيال يحتاج إلى أن أغلق عينيّ، وهذا يتعارض مع مشاهدة البورنو، أما المكالمات الهاتفية فأنا بطل القصة الذي يطلق التأوهات، وبتلقى تأوهات".

يضيف إياد أنه "من جيل مختلف، نحن ندرك جيداً الفرق بين المشاعر والحاجات الجسدية، لذلك لم أجد مشكلة في الحصول على طرف آخر يشاركني في تلك المتعة، ولكن هناك العديد من العوامل لاختيار شريكتي، إذ لا بد أن يكون هناك انجذاب لصوتها، وتناغم في المشاعر، والرغبات المفضلة".

يمارس إياد السكس فون مع "صديقته المقربة"، ويقول لرصيف22 إن ما يجمعه بها "علاقة خاصة"، منذ أكثر من عام، وهي تصغره بعامين، ومرتبطة بشخص آخر تحبه، ويرى إياد أن علاقتهما "الجنسية الإلكترونية" ساعدت صديقته في أن تكون أفضل مع حبيبها، لأنها تكن له "مشاعر حقيقية غير مرتبطة بتشويش رغبات الجسد"، مما ساعدها في إحساسها به، وعدم إمكان خضوعها للتلاعب، بسبب حاجاتها الجسدية.

إعجاب فحيرة فرفض

خرجت ولاء، 33 عاماً، من "تجربة عاطفية أفقدتها الكثير من ثقتها بنفسها"، فباتت تفكر أنها لا تستحق الدخول في علاقة أخرى مع رجل، حتى بداية تعاملها مع شخص آخر عبر تطبيقات "الماسينجر"، بحسب حديثها لرصيف22.

تمتدح ولاء وسامة صديقها، وهو يعمل في مجالها نفسه. وهما بدآ التواصل عبر موقع التواصل التجتماعي فيسبوك، وخلال 48 ساعة كان يعلم عنها تفاصيل تخصّ حياتها، وأفرحها أن رجلاً مثله يضعها في قوائم اهتماماته.

تضيف ولاء: "بعد أربعة أيام من الأحاديث الطويلة، وتلميحات بالإعجاب قرر أن يتحدث معي عن مفاتني عبر الماسينجر، وأنه يتمني أن يكون معي في مكان خاص، وبعيد حتى يتمكن من التعبير عن مدى جمالي وجاذبيتي".

بالمقارنة مع علاقتها السابقة "الواقعية"، والتي لم يكن فيها ممارسة جنسية، شعرت ولاء بالرضا أكثر من إيحاءاته الجنسية، ومستمتعة بطريقة وصفه لها، تقول: "إنها المرة الأولي التي يشعرني أحدهم بأنني علي هذا القدر العالي من الجمال والأنوثة، وأثناء حديثنا في الليل لليوم الخامس، بدأ يتعمق أكثر، ويصبح أكثر جرأة، حتى راح يبرز تخيلاته من دون حجاب".

"كل هذا خيال".

بدأت ولاء تعترض على جرأته، وكان رده "كل هذا خيال، والخيال هو ما نملك حالياً، وقال إنه يود أن يشعر بي جانبه في تلك اللحظة".

طلب منها صديقها أن تردد بعض الكلمات التي تثيره، وفعلت، تقول عن شعورها: "جاءت اللحظة الحاسمة التي بدأت أنفاسه تصعد وتهبط بسرعتها القصوى، وهو يردد كلمة أحبك أحبك، وبعد لحظة من الهدوء، استأذن مني ليستحم وينام لأن لديه عملاً في الصباح الباكر ولم ينس جملة: لقد كنت رائعة اليوم".

ترى ولاء أن للسكس فون تأثيراً نفسياً إيجابياً عليها، فعندما استيقظت في صباح اليوم التالي أحست بالسعادة، والطاقة، والثقة، وتوالت الليالي على هذه الشاكلة بينهما، تقول: "ظلت الأيام تتكرر بهذا المنوال، توتر وحزن وخوف في الصباح والمساء، ومكالمة تسعدني وترهقني في الليل من دون وعود أو شروط أو التزامات، حتى قررت مواجهته، فما كان منه إلا أنه حاول أن يتجاهل شكواي، ويبدأ من جديد رحلته اليومية، ولكن مع إصراري على التحدث في الأمور بوضوح، وإلى أين سيصل بنا هذا، أنهى المكالمة من دون كلمة، وفي الصباح، اختفى من حساباتي الإلكترونية من دون مبرر واحد".

وتحذر خبيرة الاتصال والكاتبة ليزلي شور في مقال لها من تعزيز العلاقات عبر الإنترنت، وشددت على أنه ليس فقط "يضر بعلاقاتنا خارج الانترنت، بل يجعلنا أقل قدرة على التواصل".

وكتبت شور: "أولئك الذين لديهم خبرة محدودة في قراءة الناس لا يتمتعون بالمستوى نفسه من الذكاء الاجتماعي، الذي تمتلكه الأجيال السابقة".

وتتوقع شور أنه إذا كان هذا الوضع الطبيعي جديد فإن بناء علاقات قوية، وعميقة، سيستغرق وقتاً أطول، وسيكون الحفاظ عليها أكثر صعوبة.

"يستمتع ويشعرني بالذنب"

على عكس ولاء، تعرفت ريم، فتاة مصرية في الفرقة الرابعة من كلية الآداب، على خطيبها بشكل مباشر في العام الأول من دخول الكلية.

ريم مثل الكثيرات في مصر، تربت على يد والدين محافظين، وتبنت بعض أفكارهم الدينية والأخلاقية، لذا شددت على ضرورة وجود علاقة رسمية، وبعد ثلاثة أشهر من خطبتها، بدأ الخطيب يلمح إلى رغبته في ممارسة السكس فون.

تقول ريم لرصيف22: "انهرت تماماً، ورفضت، وكدت أنهي الخطبة، ولكنه كان يتحدث معي بأسلوب مقنع، جعلني أضطرب، كان يقول لي إن هذا مجرد إحساس دون لمس، وبالتالي فهو ليس حراماً، كما أن رفضي له سيكون مدخلاً للشيطان الذي قد يجعله يقوم بذلك مع فتاة أخرى، لأنه شاب ولديه رغبات تقتله كما قال".

وأضافت: "تحول الرفض التام إلى رفض جزئي، ومنه إلى الموافقة التي ستكون المرة الأولى والأخيرة، ولكن إذا كانت هناك مرة أخرى فمن المحال أن تكون الأخيرة".

برغم اقتراب استعدادات الزواج، يؤرق ريم تساؤل خطيبها بشأن ليلة أخرى في ممارسة السكس فون، تقول: "ما زال الأمر يؤرقني، خاصة أنني أشعر بأنه يعتبر رفضي له إهانة لرجولته رغم أن موافقتي جعلته يشعرني من وقت لآخر أنني مذنبة".

"كان يقول لي بكلمات واثقة أن هذا مجرد إحساس دون لمس، وبالتالي فهو ليس حراماً، كما أن رفضي له سيكون مدخل للشيطان الذي قد يجعله يقوم بذلك مع فتاة أخرى"

تقول هبة سامي، استشارية في العلاقات الإنسانية والتغير السلوكي، إن العادات والتقاليد والدين وتربية الشخص تنعكس على تعامله مع الجنس، مشيرة إلى أن العديد من الشباب والفتيات، يتعاملون مع حاجاتهم بشيء من "الإنكار، والكبت، وهناك من يميل إلى الانفتاح بمشاعره ورغباته قبل الزواج في إطار متفق عليه".

جنس بلا تلامس

تحذّر سامي من كثرة التجريب في العلاقات العاطفية والجنسية عبر تطبيقات المراسلة، التي تؤدي إلى شيء من سوء التفاهم، وافتقاد الفهم الحقيقي للحاجات، وتضعف العلاقات، وتملؤها بالذكريات السلبية.

وتثمّن سامي في حديث لرصيف22 العلاقات الطويلة الأمد، التي ترتكز على اختبار مباشر بين الطرفين، وليس عبر وسيط "لأنها تحترم كل المراحل إلى أن يحدث تفاهم عميق بين الشريكين".

وتوافقها على ذلك محللة العلاقات شور، حيث كتبت عما تراه نمطاً صحياً للعلاقات: "في البداية نذهب إلى الشخص الآخر لأننا نريد التعرف عليه. نستمع إلى ما يعجبه، وما يكرهه، وتاريخه، وديناميات الأسرة والأحلام والمخاوف، نقضي ساعات في الحديث واكتشاف أحدنا للآخر. وسط كل ذلك لا تنسوا أنه من المهم إبقاء هواتفكم المحمولة بعيداً عن عيونكم لضمان التركيز التام".

أما كاتبة مقال "الغارديان"، جافني، فتختلف معهما تماماً، خاصة في ما يتعلق بالأجيال الأصغر عمراً، فهي ترى أن تطبّع جيل زد مع الهواتف الذكية، والعالم الرقمي، وجائحة كورونا التي جعلتنا سجناء الجدران، يفرض علينا أن نعيد طرح العديد من الأسئلة عن السكس فون، مثل: هل الاستمناء المتبادل الافتراضي بين شخصين غير حقيقي؟ لماذا تعتبر الحياة الجنسية عبر شاشة الفيديو منعزلة؟

"إننا نرى الإنسانية تصل إلى ذورة رقتها حين تتواصل باهتمام عبر الفراغ الافتراضي لـ"تمارس" الجنس بدون تلامس"، هكذا توجز جافني رأيها في التغيرات الكبرى التي جلبتها التكنولوجيا وجائحة كورونا وانعكاساتهما في شكل الممارسة الجنسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard