هل عاد المنبر الحسيني إلى خطابه الناقد للسُلطة العراقية؟

الأربعاء 23 سبتمبر 202010:15 ص

"فاسدون للنُخاع. فساد منذ 17 عاماً أما شبعتم؟ لا توجد مدرسة واحدة من وسط العراق إلى جنوبه لائقة وصالحة للاستعمال البشري، وكذلك المستشفيات".

هذا الهجوم على السياسيين العراقيين جاء في خطبة للشيخ زمان الحسناوي، أحد الخطباء المعروفين في العراق، انتقد فيها الحكومات العراقية التي جاءت منذ عام 2003.



هذه ليست حالة معزولة. ارتفعت نبرة خطابات المنابر الحسينية خلال الأشهر الماضية في وجه الحكومة العراقية. خطباء معروفون وغير معروفين يظهرون موجّهين النقد للحكومة بشكل مباشر، على عكس ما كان يجري في السنوات السابقة عندما كان النقد مخففاً أو يقتصر على حالات، وليس ظاهرة.

ينتقد الشيخ فاضل المالكي، وهو أيضاً أحد أبرز خطباء المنبر الحسيني، السلطة بقوة، ويقول: "تصيح هيهات منّا الذلة وأنت تابع وذليل وذيل لهؤلاء. مَن قتل المتظاهرين؟ مَن أتى بداعش؟ إلى متى يبقى الوعي غائباً ولا نُفرّق بين الحق والباطل؟ الحُسين يُدمى قلبه لما يجري للناس على يد مَن يدّعي محبته".



هذا الخطاب بدأ يرتفع بعد الخطبة الشهيرة للمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، والتي قال فيها إن "الفساد وصل مراحل لا تُطاق".

بشكل أساسي، يتصدّر ظاهرة انتقاد الحكومة الخطباء المقلّدون للمرجع السيستاني، ولكن هناك أيضاً خطباء يُقلّدون مراجع أخرى، إلا أن نقدهم للسُلطة غير ممنهج ويقتصر على حالات، وهناك آخرون يدعمون الحكومة مهما فعلت فالمهم برأيهم أن "تبقى شيعية".

في خطبه ألقاها عام 2013، ظهر الشيخ صلاح الطفيلي وهو يدعو إلى ضرورة الانتخاب "نصرة للمذهب". الأهم وفقاً لقوله، أن "تقول الحكومة أشهد أن عليّاً ولي الله حتى وإنْ قالوا ولم يفعلوا".

وأضاف الطفيلي: "نعم الوضع العام متردٍّ، عسى ولعل مَن سرق مرة ومرتين أن يشبع ويرسل لنا لقمة مما سرقه".

لكن بعد سبع سنوات، تغيّر خطاب الطفيلي، وصار يتحدث بقوة عن السُلطة حتى وإنْ "كانت شيعية".



حسينية المنبر الحسيني

يقول مدير شبكة النبأ المعلوماتية الشيخ مرتضى معاش لرصيف22 إن "المنبر الحسيني في جوهره قائم على قضية الامام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء، حيث الصراع بين الإصلاح والفساد، والعدل والظلم، والحرية والاستبداد".

ويضيف: "لا يستطيع أي خطيب يصعد المنبر الحسيني أن يتجاوز هذه المعادلة مهما حاول، لذلك كانت الأنظمة المستبدة تطارد الخطباء باستمرار وتسجنهم وتمنعهم وتقتلهم. وقد شاهدنا ذلك كثيراً في العراق قبل 2003".

قد تواجه الأحزاب الشيعية العراقية موجة غضب كبيرة من المنابر الحسينية خلال الأيام المقبلة التي ستتزامن فيها ذكرى أربعينية الإمام الحُسين مع الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات أكتوبر، ما يُشكل ضغطاً كبيراً عليها

ويشير معاش إلى أن "الكثير من الخطباء وقفوا بشكل مباشر أو غير مباشر مع احتجاجات تشرين ودافعوا عن حق الشباب في احتجاجهم على الفساد والقمع والتزوير والتبعية، وهو مطلب يريده كل الشعب: عراق جديد يُفترض أن يكون ديمقراطياً نزيهاً مستقلاً على نهج الإمام الحسين (عليه السلام) الإصلاحي".

في أحد الفيديوهات الكثيرة، يقول هذا الخطيب الحُسيني: "أنا أضع المتظاهرين على رأسي، هؤلاء لا يريدون ملكاً ولا أي شيء، هؤلاء يريدون بغداد جميلة، هؤلاء خرجوا من أجلي أنا رجل الدين ومن أجل مرجعيتي".



يلعب المنبر الحُسيني دوراً كبيراً في تحريك الشارع في العراق وتوجيهه، خاصة في مناطق الوسط والجنوب حيث يتواجد الشيعة. المنبر بالنسبة إلى الشيعة يجب ألا يُلوَّث وألا يكون لغير نصرة المجتمع، لكن بعض المنابر سُيّست خلال السنوات الماضية.

بعض رجال الدين كانوا يروّجون بشكل مباشر أو غير مباشر لأحزاب سياسية، وفي مرّات عديدة لعب بعض الخطباء أدواراً سلبية في الترويج لخطاب الكراهية، لكن هؤلاء لم يكونوا من مقلدي المرجع علي السيستاني.

يُمكن أن يوصف الخطباء الذين يتبعون السيستاني بأنهم الأكثر اتزاناً وعقلانية في الخطاب، وفي الفترة الأخيرة إذا لم يكن خطابهم مع الشارع فإنه على الأقل لا يكون ضده أو لا يكون سلبياً.

خطاب رافض للفساد

السيد مضر الحلو، وهو رجل دين عراقي يُقيم في لندن ومعروف بخطابه ضد الفساد، يقول لرصيف22: "لا أعتقد أن هناك تغيّر في الخطاب بل هذا هو خطاب المنبر الحسيني، كانت هناك أصوات شاذة تدعم السياسيين نعم، لكن خطاب المنبر العام هو رافض للفساد والفاسدين".

لم يعد المنبر الحسيني أفيوناً يُساعد الأحزاب العراقية على تحقيق نفوذها أكثر في مؤسسات الدولة، ولم يعد موجهاً لصالحها للمشاركة في الانتخابات فحسب، بل تحوّل إلى منبّه لها من غضب شعبي كبير قد تواجهه في أية لحظة ويُعلن نهايتها

ويضيف: "الخطاب المنبري صدى لرأي المرجعية. هناك خطباء لديهم خطب مفصّلة في نقد السلطة والحكومات منذ سنوات. يُمكن لهذا الخطاب أن يؤثر على قناعات بعض الناخبين، لكن التأثير الأساسي هو الأداء السيئ والهزيل للطبقة السياسية، لكن هذا أيضاً ليس ضمانة تغيير كبير. الناخب العراقي تتغير قناعته عندما يصل إلى ورقة الانتخاب".

ويتوقع الحلو، وهو نفسه صاحب خطب تنتقد المنظومة الحاكمة، أن يتعرض الخطباء الذين ينتقدون السلطة وفسادها إلى التشهير والتسقيط وحتى التصفية الجسدية، فهؤلاء وفقاً لقوله: "يُشكلون خطراً على الفاسدين".

قد تواجه الأحزاب الشيعية تحديداً موجة غضب كبيرة من المنابر الحسينية خلال الأيام المقبلة التي ستتزامن فيها ذكرى أربعينية الإمام الحُسين مع الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات أكتوبر، ما يُشكل ضغطاً كبيراً على هذه الأحزاب التي اطمأنت على وضعها خلال السنوات الماضية.

يتفاعل الإسلاميون وغير الإسلاميين مع الخطابات التي تبرز مؤخراً من المنبر الحسيني، ويتم تناقلها بشكل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مرات عديدة أعيد تشغيلها في بعض ساحات الاحتجاجات.

ارتفاع صوت المنبر الحُسيني عالياً ضد السُلطة يعني أنها ومَن معها سيواجهون غضباً مستمراً لا يتوقف، وهو ما يُشير إلى أن الفرصة ستكون سانحة لتغيير صغير أو كبير، أو على الأقل بدء تحقق "الإصلاحات".

نستطيع القول إن المنبر الحسيني لم يعد أفيوناً يُساعد الأحزاب على تحقيق نفوذها أكثر في مؤسسات الدولة العراقية، ولم يعد موجهاً لصالحها للمشاركة في الانتخابات فحسب، بل تحوّل إلى منبّه لها من غضب شعبي كبير قد تواجهه في أية لحظة ويُعلن نهايتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard