دفاتر الورّاق... هل هي اعترافات شخص أم تاريخ بلد؟

الجمعة 25 سبتمبر 202010:57 ص

يقول الشاعر بول فاليري: "ما الأسد إلّا مجموعة خراف مهضومة". فهل ينطبق هذا على حيثيات الوجود البشري؟

لنا أن ننسج على منوال الشاعر الفرنسي فاليري بالقول: ما الخراف إلّا أعشاب مهضومة، وكذلك الإنسان ابن مجتمعه، إيجاباً أو سلباً، ولكن متى يصبح الكائن البشري نتاجاً لإرادته الخاصة؟

يرى رينيه جيرار في كتابه "الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية" بأنّ رغباتنا لا تكون حرّة أبداً، فدوماً هناك من يوحي لنا بها. ويتابع جيرار بأن آخر كـ"أماديس دو غول"، الفارس العظيم في روايات الفروسية، كان السبب في تكوين شخصية دون كيشوت. وبناء على ذلك ستصبح الثورة، شاء الاستبداد أم أبى، نتاجاً له، وبالضرورة سيكون الحاضر وحياً من التاريخ، تقدماً أو نكوصاً.

في رواية جلال برجس الجديدة "دفاتر الورّاق" الصادرة حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، نجد محمود الشموسي رازحاً تحت وطأة الفقر والجفاف في عام 1948، ينتظر ولادة ابنه جاد الله، وخبراً عن ابنيه في الحرب الدائرة في فلسطين. محمود الشموسي ليس له من كنيته نصيب، فالشموس لغة هو المتمرِّد، أكان إنساناً أم حصاناً. فكيف يقدم لنا برجس هذا التناقض من خلال التاريخ الشخصي لمحمود؟

في الرواية الجديدة للكاتب الأردني جلال برجس، "دفاتر الوراق"، يبني الكاتب شخوصه من رحم الهزائم والمأساة التي سيطرت على الواقع العربي عند هزيمة يونيو

تاريخ من القهر والهزائم

الشموسي تم ترويضه من قبل الإقطاع والفقر والمرض والدين حتى أصبح خانعاً، لكن رغم ذلك، فالرغبات والأمنيات الدفينة في نفسه ظلّت تتقد، لذلك لن نستعجب عندما أطلق النار على ابنه جاد الله العائد من الاتحاد السوفيتي، بعد أن خيّب حلمه بدراسة الطب ودرس الفلسفة، وقبل ذلك انتسب للحزب الشيوعي وأحب امرأة روسية لكنّها ماتت.

وفي هزيمة 1967 صرخ بأن الروس تخلّوا عن العرب، فسجنته المخابرات الروسية. وعندما عاد إلى الأردن، زوّجه أبوه، لكن لم يطل به الوقت حتّى تم سجنه من جديد بحجّة انتمائه للحزب الشيوعي. ترك مادبا بعد خروجه من السجن، ومن ثمّ هاجر وعائلته إلى العاصمة عمان، وهناك افتتح كشكاً لبيع الكتب.

يستقي "إبراهيم"، الشخصية المحورية في رواية جلال برجس، تكوينه النفسي من روايات قرأها وقرر محاكاة شخوصها، فهو مصطفى سعيد، في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، وسعيد مهران في اللص والكلاب، وأحدب نوتردام لهوغو

ضمن هذه المعطيات، أنجب جاد الله ولده إبراهيم: أب مصاب برهاب وسواسي قهري من الكلام وإبداء الرأي، فرض صمتاً طال عائلته. لربما نفهم هذا الوسواس نتيجة السجن الذي قاساه مرتين، لكنّ الأمر أكثر غوراً، فلم يتم إطلاق سراحه من سجنه الثاني إلا بعد أن قايض حريته بخيانة حلمه، فانكفأ مكرراً سيرة حياة أبيه محمود الشموسي، الذي كان رازحاً تحت سطوة الإقطاع، الفقر، رحمة السماء وما تسكبه من أمطار.

كان لإبراهيم أخ تمرّد على أبيه، فهو لا يرغب بأن يعيش في جلبابه، فركب مع السوريين قوارب الموت/ النجاة، ويمم شطر أوروبا ليعيش غربة مضاعفة تشبه جلباب أبيه.

الجيل الثالث

يعتبر إبراهيم ممثلاً للجيل الثالث في هذه العائلة/ البلد، وارثاً جيناتها، خيباتها، آمالها، واقعها الصعب، وأخيراً ورث كشك أبيه لبيع الكتب المستعملة، ولولا أن قامت الدولة بهدم كشكه لأقفلت دائرة العائلة. لكنّ هذه الحادثة فجّرت مكنونات إبراهيم، فالصوت الذي كان يسمعه في صغره، أصبح واضحاً وجليّاً، حتى أن بطنه تضخّمت إيذاناً بالحمل والولادة.

حاول إبراهيم أن يقصي الصوت، إلا أن انتحار والده، وقبل ذلك موت والدته بالسرطان وهجرة أخيه، سمحت للصوت أن يستفرد به. أصبح إبراهيم وحيداً، وتحت إلحاح الصوت لم يجد نجاة إلا في الانتحار. يسافر إلى العقبة ربما لكي يحقق حلماً برؤية البحر، ومن ثم سيسلمه جسده، إلا أن لقاء مع أنثى ودفتر مذكراتها حالا دون انتحاره، فعاد إلى العاصمة ليصبح أسير الصوت أو ذاته الثائرة.

يملك إبراهيم جينات استبطان كبيرة، ورثها من جده الشموسي ووالده جاد الله، لكنها جينات سلبية، ظلّت في حيّز الرغبة المنكفئة على ذاتها. مع إبراهيم ظهرت كموهبة في التقليد والمحاكاة، ولأنّه قارئ كبير للكتب، كان من السهل عليه أن يصبح مصطفى سعيد، في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، وسعيد مهران في اللص والكلاب، وأحدب نوتردام لهوغو، والدكتور زيفاكو لبسترناك.

هذه الشخصيات استخدمها إبراهيم ليصبح لصاً وقاتلاً، لصاً ليطعم مجموعة من الأيتام الذين رماهم الميتم بعد نضوجهم إلى الشارع، وقاتلاً لينتقم لليلى، إحدى اليتيمات التي اغتصبتها المشرفة عليها في الميتم، وليساعد طبيبه النفسي في التخلّص من إرث دفعه لدراسة الطب النفسي. أما الآخرون، فلقد كانت لهم جرائمهم التي وقعوا بموجبها تحت عدالة إبراهيم، بل عدالة أحدب نوترادم أو سعيد مهران.

إبراهيم هو د. جيكل ومستر هايد

استطاع ستفينسون أن يرينا التناقض المرير في الشخصية البشرية عبر روايته "د. جيكل ومستر هايد"، وهذا ما فعله جلال برجس عبر بطل روايته إبراهيم. عندما ماتت جارته العجوز أنيسة حزناً على ابنها الذي ابتلعته قروض المصارف، اكتفى إبراهيم بالتضامن السلبي، لكن أحدب نوتردام أو سعيد مهران اللذين يسكنان في داخله هما من ينتقم.

لم تكن الشخصيات التي يتقمّصها إبراهيم مجانية فقط لأنّه قرأها في الروايات، بل كانت لها أسباب خاصة تنبع من جوهر الصوت الذي يملي عليه أفعاله. هكذا عندما يقرّر سرقة بيت والدة طبيبه النفسي يوسف السماك، تفاجئه ليلى اليتيمة التي أنقذها سابقاً، والتي تعمل كخادمة في ذلك البيت، وتنزع القناع عن وجهه من دون مقاومة منه.

إن استسلامه يأتي من طبيعية الشخصية التي تلبّسها: لقد تقمّص شخصية أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، ولأنّ تلك الشخصية مكروهة من إبراهيم لأنها تعيش حياتين متناقضتين، تشهد ليلى ضده أمام ضابط الشرطة، على الرغم من معرفتها بالدور الذي لعبه إبراهيم في حياتها وحياة رفاقها من الميتم في البيت المهجور. هذه الشهادة لم تكن ضد إبراهيم الذي كان بمثابة الوالد لليلى، بل ضد أبيها وأمها الحقيقيين، ومنظومة الأسرة التي حولتها لابنة حرام، تغتصبها المشرفة عليها في دار الأيتام، وفي الخارج تكون هدفاً للمتحرشين.

لم يبد إبراهيم إية ردة فعل تجاه ليلى، على الرغم من معرفته بأنّ نهايته وشيكة وهي تنزع قناعه، وكأنّه هو الآخر يريد أن ينتقم من الصوت في داخله الذي حوّله إلى لص وقاتل، فمهما كانت الغايات نبيلة لن تشفع للوسائل الدنيئة التي تقود إليها، فهو يرفض في سويداء قلبه المجتمع الذي يحكمه أحمد عبد الجواد/ سي السيد.

الخطوط المتوازية والمتقاطعة معاً

الأنثى التي أنقذت إبراهيم من الانتحار وأغرم بها، تصبح صحفية وكاتبة مسلسلات، وفقاً لنصيحة طبيبها النفسي، كي تتجاوز تاريخها الشخصي وتاريخ عائلتها. رويداً يدخل إبراهيم ووالده في تركيبة مسلسلها مع اللص القاتل المقنع الذي أصبح شخصية مشهورة على السوشيال ميديا، ترى فيه الجماهير منقذاً لها، كما الجوكر في فيلم تود فيليبس.

تختلط المعايير السردية في رواية جلال برجس "دفاتر الوراق" بين الواقع والتخييل حين يسلم إبراهيم لحبيبته ناردا دفاتر تتضمن أحلامه وكوابيسه التي نكتشف أنها ليست إلا الرواية التي نقرؤها

كان إبراهيم عندما يرى الإعجاب الكبير بشخص اللص المقنع، يصرخ: "هذا ليس أنا!"، لكنّ الصوت الداخلي يجيبه بأنّه هو. ليست المشكلة برفض إبراهيم لشخصه الآخر، بل في القبول الجماهيري لشخصية اللص المقنع كمنقذ من استبداد وقمع وفساد السلطات. هل أصبح الخيار مقتصراً على شرّين: فساد السلطة أو السرقة والقتل؟ لذلك تختار الشعوب السرقة والقتل كأهون الشرّين، انتقاماً من شرّ أكبر هو استبداد وفساد السلطة.

إن تحوّل جاد الله إلى جلاد بعدما كان ضحية، وتبدّل إبراهيم من مستلب إلى سارق وقاتل، هو النتيجة الطبيعية التي تكلم عنها رينيه جيرار، بأن السلطة التي تغوي عبيدها بما لديها تقف حائلاً بينهم وبين ما أغوتهم، لذلك كان لابد من تقمّص الأدوار، وأن يبحث المتسلَّط عليه عن آخر يتسلط عليه، أكان زوجة أم ابناً أم شخصية روائية.

لقد اختلطت المعايير، بين واقع، تخييل، حقيقة ووهم، حتى إننا نجد إبراهيم المريض بالفصام والوسواس القهري في مشفى الأمراض النفسية، يسلّم ناردا، الأنثى التي أحب، دفاتر تتضمّن أحلامه وكوابيسه التي ليست إلا الرواية التي نقرؤها أو الواقع الذي نعيشه، فهل ارتكب إبراهيم تلك الجرائم، أم أنّ الآخرين هم من فعلوا ذلك، ومن ثم تبنّى إبراهيم تلك الجرائم كحامل آثام كبير، لربما تسمح تضحيته بأمل ما؟

دفاتر الورّاق

يخبرنا رولان بارت بأنّ الكتابة هي كتابة على كتابة، وإذ يعمد الروائي الأردني جلال برجس على استبطان الورّاق في روايته، كان لابدّ أن تظهر الروايات التي قرأها وشخوصها في ثنايا روايته، لكن هذا الظهور كان بشكل جدلي دفع أشرعة الإبداع قدماً. لقد حضر غوانتر غراس بطبل الصفيح، ونجيب محفوظ، وباسترناك، والطيب صالح وآخرون. هكذا أصبحت رواية برجس محاورة سقراطية قادها إبراهيم مع الشخوص التي تقمّصها من الروايات الأخرى.

إن الإنسان كائن اجتماعي ولا بدّ أن رغباته وآماله وهزائمه وثوراته وليدة مجتمعه، لكن الحقيقة الروائية التي تكلّم عنها جيرار هي التي تقوده للخروج من وهم الرومنسية إلى حقيقة الواقع عبر القول: بأن الأسد ما هو إلا أعشاب مهضومة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard