"أحتفل بالتراث"... حوار خاص مع الروائي رشيد الضعيف عن روايته الجديدة

الجمعة 4 سبتمبر 202003:42 م

"لو أن في الدنيا من ينتظر رسالة مني لكتبت له ألفاً. هذا الذي يسمى لغة تضطرب فيّ ألسنته كالنار، لو ثمة من ينصت إليّ لما توقفت حتى ودّ أن أنصت إليه".

في مجموعة نثرية بعنوان "حين حل السيف على الصيف" (1979)، بدأ رشيد الضعيف بكتابة رسائله إلى هذا العالم، ليضرم "نار لغته" الجريئة على الصفحات. وبرغم أن الشاعر تمكن من تحقيق موقعه الخاص في المشهد الشعري، إلا أن فن السرد أعلن غلبته أخيراً، ليُدخِل رشيد إلى عالم الرواية من خلال "المستبد" (1983)، ويدخلنا معه في العوالم الداخلية "للشخصيات المأزومة" كما يصفها.

واصل الضعيف سرده لملامح البيئة اللبنانية وقراءته الخاصة للحرب من خلال "ليرنينغ إنغلش" (1998)، وخاض في غمار التراث في روايته "معبد ينجح في بغداد"(2005)، وناقش ثنائية الشرق والغرب الأكثر جرأة من خلال علاقة مثلية بين رجلين في روايته "عودة الألماني إلى رشده" (2005). وفي "ألواح" (2016) أثار الجدل بمقاربة سيرته الذاتية، وفتح باب الأسئلة اللامنتهية على ‘رشيد‘، بطل القصة وراوي الحكاية معترفاً أن هذا الكتاب هو من ألفه: "رشيد، غنّ... الغناء مفيدٌ للقمح، الغناء يفرِح حبة القمح فتسمن". ليتابع أقاصيصه من ذكريات شخوصه في "خطأ غير مقصود" (2019).

ولد رشيد الضعيف في لبنان عام 1945، درس الأدب العربي في الجامعة اللبنانية ببيروت، وحصل على درجة الدكتوراة في الأدب الحديث من جامعة السوربون في عام 1974. عمل مدرساً للغة العربية للأجانب في جامعة باريس الثالثة عام 1972، وأستاذًا للغة العربية بالجامعة اللبنانية ببيروت عام 1974. كما كان أستاذاً زائراً بجامعة تولوز الفرنسية عام 1999. وقد مُنح جائزة الإبداع من المنتدى الثقافي اللبناني في باريس.

في رصيده عشرون كتاباً باللغة العربية، ترجم معظمها إلى لغات أجنبية، بما فيها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والبولندية والسويدية والهولندية والإيطالية واليونانية واليابانية والفيتنامية.

وفي حوار خاص لرصيف22، يحدثنا اليوم عن روايته الأخيرة "الأميرة والخاتم" (2020) التي صدرت مؤخراً عن دار الساقي.

رشيد، استمتعت بقراءة روايتك الجديدة "الأميرة والخاتم"، وأرى أنّها علامة فارقة في مسيرتك الروائية، بل أذهب إلى القول بأنها تؤسس لنوع جديد في الأدب العربي الحديث لم أقرأ مثيلاً له. ما قصة هذه الرواية ولماذا أردتها مختلفة؟

هناك كمٌّ لا يستهان به من اللاعقلانية في سلوك الإنسان، وبخاصة في مجال الفنون. لكن سؤالك الآن نبّهني إلى الموضوع: لماذا أردت كتابة رواية مختلفة؟

جاءتني الرغبة في كتابة قصة أميرة لم يعجبها رجل في زمانها لتتزوجه، فنصحها الحكماء بالنوم خارج الزمان لتحافظ على شبابها، إلى أن يحضر في الوجود الرجل الذي تحلم به وتتمناه. سكنتني طويلاً هذه الخاطرة، إلى أن قررت معالجتها وبناءها رواية كاملة. هذه كانت الإنطلاقة، أما الأسباب، فأمر آخر، لأنها، أي الأسباب، إذا وُجِدَتْ، ليس من اليسير معرفتها ووضع اليد عليها. ومع ذلك فإنني سأجرؤ وأخاطر:

تسحرني الميثولوجيا. يسحرني حيث يمكن الانتصار على الزمان وعلى المكان وعلى قوانين الطبيعة. في العالم الميثولوجي نطير حين نضطر إلى ذلك أو حين نشاء. نعيش طويلاً ما شئنا إذا شئنا، نتحول إلى طير أو إلى سمكة. نربط أنفسنا إلى غيمة ونجتاز معها المسافات. نصارع المخلوقات الغريبة ونتلاعب بالعواصف. ثم إن الحياة متحولة والإنسان متحول، وهو كالدهر الذي قال عنه بديع الزمان الهمذاني في المقامة المضيرية، إنه "حبلى ليس يدرى ما يلد".

رشيد الضعيف عن روايته الجديدة: أردت كتابة "الخاتم والأميرة" لأن الميثولوجيا تسحرني، إنها انتصار الإنسان على الزمان وعلى المكان وعلى قوانين الطبيعة، إنها أن نتحول إلى طير أو سمكة، أو أن نعتلي غيمة في اجتيازنا للمسافات

رشيد، من الواقعية إلى الواقعية الساحرة إلى الأسطورة، هل نرى تحوّلاً جديداً في أسلوب رشيد الضعيف الروائي، أم أنّ هذه المحاولة تجربة عابرة في مسيرتك الروائية؟

من يدري؟ ربما يشكل هذا العمل تحولاً، وربما هو مجرد تجربة عابرة ليس إلا، ولكن حتى في حال كان تجربة عابرة فإنه عمل قد وُجد وبات له كيان. لم يعد هباء في عالم الغيب.لكن ما أستطيع قوله لك، هو أنني بصدد كتابة رواية جديدة، في هذا الجو بالذات، أعمل يومياً على بنائها الذي يلزمه بحث صبور في المصادر التي تمدني بعناصره.

اسمح لي هنا أن أضيف الملاحظة التالية: الرواية ليست قصة وحسب، بل هي لغة أيضاً، أقصد أنها أسلوب. والأسلوب، في ممارستي الكتابية، مكوِّن من مكونات القصة. إنه إحدى "شخصياتها". ففي روايتي "أهل الظل"، اعتمدت أسلوباً غنائياً هو في صلب العمل، وليس تحسيناً بلاغياً للقصة. لقد استعنت فيها بما أملك من طرق بلاغية غنائية لأصف العلاقة بين رجل وامرأة، لكنني في الوقت نفسه "فخّخت" هذه الطرق لأظهِّر ما تخفيه من علاقة أذى بين الحبيبين. الأفعى حيوان ظل، والعقرب حيوان ظل، والقبر ظل، وشخصان متحابان يسعيان للعيش في ظل سقف بيت، أي يسعيان إلى أن يتحولا إلى كائنات ظل وأذى!

بينما في روايتي "تقنيات البؤس"، حيث البؤس ليس معطى بديهياً بل يُكتسب بالجهد، اعتمدت أسلوباً لا أثر فيه للغنائية أو لأي من الطرق البلاغية المعروفة. وكذلك لم أستعمل فعلاً لا يُرى بالعين. لم أستعمل فعلاً من نوع "فكّر" أو "أحسّ" أو "تذكّر"، بل وصفت نمط وجود التفكير والإحساس والتذكّر، لأن هذه الأفعال في حياتنا هي سلوك.

أقول ذلك لأشير إلى أن اللغة في "الأميرة والخاتم" هي "شخصية" من شخصيات الرواية، وركن من أركانها. حاولت الاستعانة، ما استطعت، بقدرة اللغة العربيّة على الإيحاء الميثولوجي، وحاولت اعتماد أسلوب يوحي بالسنين والقِدَم، حتى يكتمل الجوّ الميثولوجي المطلوب.

نتلمّس استلهامك من التراث العربي بل وإعادة كتابته في عدد من رواياتك، لكن هذه المرة المحاولة أوضح وأعمق، وتمتد إلى مستويات متعددة من موضوع وثيمات ولغة وفضاء وشخصيات، هل رشيد الضعيف مع العودة إلى التراث لفهمه وتجاوزه، أم أنه مع العودة إليه لإعادة إحيائه، أين رشيد من التراث؟

رشيد الضعيف: اللغة في "الأميرة والخاتم" هي "شخصية" من شخصيات الرواية، وركن من أركانها. إنها قدرة اللغة العربيّة ما أعانني على الإيحاء الميثولوجي، والعودة إلى التراث تعني إحياء الذات

لماذا نتمتع بقراءة التراث العربي القديم؟ لماذا نتمتّع بقراءة الأصفهاني والمسعودي وابن قتيبة والجاحظ وابن فضلان ومفسري الأحلام وأمثالهم؟ لأن في كتاباتهم، كما أرى، بذور الخلود. فالأخبار التي دُوّنت منذ ألف سنة أو أكثر، والتي تناقلها الرواة مئات السنين قبل تدوينها، وربما آلاف السنين، لا بد أن تكون أسباب الخلود من مقوّماتها.

لا يهم إن رَوَت هذه الأخبار أحداثاً حقيقية أم أنها خيال محض، المهم أنها متّعت أجيالاً لا تحصى أعدادها، ومتّعت ملوكاً وأمراء، وسلّطت الضوء على هموم الإنسان العميقة، وعلى وعيه لنفسه وللكون.

أبحث كثيراً في التراث العربي القديم. كتب الأخبار والأسفار والتاريخ والنوادر واللغة وما إلى ذلك. تهمّني سِير الناس والمؤرخين والشعراء في ذلك الزمان. علاقة الأدباء العرب القدماء بالأدب مُغنية، وكذلك علاقتهم بالحقيقة والخيال، وأحبّ كثيراً الرابط الذي أقاموه ما بين الأدب وبين ما سمّوه الامتاع والمؤانسة. وقد تعلّمت منهم الكثير، وكثيراً ما استلهمت طرقهم واستراتيجية كتابتهم.

إن التراث، بهذا المعنى، مَنجمُ غِنى. أعود إليه لأكتسب طرقاً في بناء الخبر، وأساليب تجعل المعلومة تنبجس من فنية السياق. السرّ في خلود هذا التراث هو ذاته سرّ عافية الأدب، وسرّ عافية الفنون عامة، وسرّ بقائها واستمرارها مضيئة وكاشفة لدواخل أنفسنا ولأسرار العالم.

إنّ العودة إلى تراث بهذا الغنى إحياء للذات.

في الرواية عودة إلى الميثولوجيا العربية والسامية والقصيدة العربية وكتب تعبير الأحلام والسير والرحلات وكتب الأدب العربية وقصص الأنبياء والكتب الدينية (القرآن والتوراة والإنجيل) وكتب التصوف وغيرها، وهي أنواع كتابية متباينة ولكل منها أسئلتها وتطلعاتها وأغراضها ومستوياتها اللغوية، سؤالي عن الصنعة، كيف ولّفت بين هذه الأنواع الأدبية من حيث اللغة والغرض؟

دائماً ما أردد أن الرواية فن "وصولي"، لأنها تستعمل كل الأساليب للوصول إلى غايتها. الرواية تستعين بكل شيء لتكتمل. تستعين بالحقيقة إذا احتاجت إليها، وتزوّرها إذا ما رأت في ذلك خدمة لها، وتستعين بالخيال وتدّعي أنه الواقع، وتكذب وتصْدُق، وتوحي وتبين. وتستعمل المشاعر والأفكار وكل ما يأتي على البال. الرواية مطحنة تحوّل كل شيء إلى سياق من كلام.

والرواية تستعين بأنواع الفنون كافة. تأخذ من السينما والمسرح، وتستعين بالشعر، وتنهل من الرسم والنحت، وتمد يدها إلى الزجل. ما من فن إلا تقضم منه الرواية، بل ما من علم من العلوم الإنسانية والاجتماعية إلا وتستعين به. ثم إنّ الرواية تضع كل هذه المكوّنات في صحن واحد وتنضجه.

رشيد الضعيف عن روايته الجديدة: "الوصولية" من صفات كل فن، وبخاصة الرواية، لأنها تستعمل كل شيء للوصول إلى غايتها: المشاعر والأفكار وكل ما يأتي على البال. الرواية مطحنة تحوّل كل شيء إلى سياق من كلام

وهذا النهج كان شائعاً عند العرب القدماء، بل أجرؤ على القول إنه كان سائداً عندهم، لأن ما كان يهمهم أكثر، هو ما سمّاه صاحب كتاب الأغاني "اتساق الخبر"، وذلك من أجل الإمتاع أولاً، ومن أجل الحقيقة ثانياً. وعند التضارب بين الإمتاع والحقيقة كانت الغلبة للأولى. وفن الخبر، كما مارسه هؤلاء القدماء، فن "وصولي" بشكل خاص، إذ إنه يستخدم كل شيء ويحتال على كل شيء حتى يتم ويكتمل. يقول الأصفهاني في كتابه الأغاني:

"أخبرني بخبره في شغفه بليلى (الكلام على قيس بن الملوّح) جماعة من الرواة، ونسخت ما لم أسمعه من الروايات، وجمعت ذلك في سياقة خبره ما اتسق ولم يختلف، فإذا اختلف نسبت كل رواية إلى راويها".

وقال في مكان آخر:

"أخبرني بخبر قيس ولبنى امرأته، جماعة من مشايخنا، في قصص متصلة ومنقطعة، وأخبار منثورة ومنظومة، فألّفت ذلك أجمع ليتّسق حديثه، إلا ما جاء مفرداً وعسُر إخراجه عن جملة النظم فذكرته على حدة".

وهدف الأصفهاني كما يصرّح به هو نفسه، أن يتمّ الخبر ويكتمل:

 "وقد سمعت خبره من جهات عدة، إلا أنه لم يحضرني، وقت كتبت هذا الخبر، غيره، وهو إن لم يكن من أقواها على مذهب أهل الحديث إسناداً، فهو أتمها".

"الوصولية" أقول، من صفات كل فن، وبخاصة الرواية.

• في الغالب نعود إلى التراث للإجابة عن أسئلة آنية، ما هو سؤال رواية "الأميرة والخاتم"؟

 الميثولوجيا بعد ضروري في الإنسان، وهو عند الغالب من الناس ضروري جداً، وبخاصة عند هؤلاء الذين تشتد عليهم الروح العلمية والعقلانية، وتضيع عليهم المعالم بسببها. إن انتشار الروح العلمية المتزايد، يؤدي عند الكثيرين، كما أرى، إلى تزايد الممارسات والمعتقدات الميثولوجية. ونحن الآن مقيمون في هذا الزمن بالذات، حيث تتطور العلوم وتابعتها التكنولوجيا بسرعة هائلة، وتنتشر في مقابلها المعتقدات الميثولوجية، وتتعمق. كأن المبالغة في هذا شرط لوجود ذاك ونموه.

رشيد الضعيف: إهمال غنى التراث العربي خطأ فادح، وخسارة لنا نحن العرب، وخسارة للإنسانية. لذلك أردت هذا العمل احتفالاً بهذا الغنى، احتفالاً بالثقافة المبدعة، واللغة الحاضنة لمختلف أنواع التراث

إن الرواية، كثيراً ما تكون وسيلة للهجرة إلى عالم آخر، غير الذي نحن فيه، إلى عالم جميل أو غريب أو عجيب. وعصرنا هذا هو عصر الهجرة إلى "بلدان الحلم"، بسبب واقعنا الصعب. بهذا المعنى إن رواية "الأميرة والخاتم" هي صنيعة هذه الأوقات الصعبة بالذات. كما أن إهمال غنى التراث العربي خطأ فادح، وخسارة لنا نحن العرب، وخسارة للإنسانية. لذلك أردت هذا العمل احتفالاً بهذا الغنى. أردته احتفالاً بالثقافة المبدعة، واللغة الحاضنة لمختلف أنواع التراث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard