من الولايات المتحدة... الفن السوري زمن الحرب

السبت 26 سبتمبر 202010:51 ص

"في بعض الأحيان أنسى تناول الطعام، أنسى الذهاب إلى الحمام"، يقول طوني خوام، "عندما أرسم، أعيش كلياً مع لوحاتي، هكذا تمر ثماني ساعات بلا توقف، ودون أن أدرك مرورها".

يتحدث طوني خوام، الفنان التشكيلي السوري الأمريكي من مواليد حلب، والمقيم حالياً في ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة، عن شغفه بالفن: "أنا أرسم حباً بالفن، وأيضاً من أجل قضية". بدأ طوني بعرض الأعمال الفنية السورية المعاصرة ورعايتها بهدف التركيز على القضايا الاجتماعية والثقافية، مثل القلق الاجتماعي والهجرة والثقافة الأمريكية من خلال معرض جماعي للفنانين على الإنترنت برعاية منظمات غير ربحية.

يقدم معرض "الفن السوري في زمن الحرب: من الحرب إلى الأمل"، سلسلة من المعارض الفنية لفنانين تشكيليين سوريين واصلوا عملهم الإبداعي على الرغم من الحرب الدائرة في بلادهم، بتنظيم من مؤسسة طوني خوام للفنون التشكيلية في ولاية فلوريدا، وبالتعاون مع مؤسسات غير ربحية.

بدأ التحضير لهذا المشروع الفني منذ 2018 حين زار خوام سوريا برفقة ميل ليمان، مدير مؤسسة كومون هيومانيتي، وتواصلوا مع عدد من أبرز الفنانين التشكيليين السوريين، واستطاعوا أن يعيدوا معهم إلى الولايات المتحدة مجموعة من أعمالهم الفنية لتنظيم معارض جماعية لها في صالات عرض أميركية بدعم وتمويل ومشاركة بعض أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة.‏ ‏وقد استقطبت المعارض حضوراً واسعاً ضم مؤسسات تجارية أميركية ودولية وهيئات ثقافية ومنظمات خيرية إلى جانب طيف واسع من المواطنين الأميركيين ومن الجاليات العربية في المهجر.‏ ‏

تنظم مؤسسة الفنان التشكيلي السوري-الأمريكي طوني خوام في ولاية فلوريدا سلسلة معارض "الفن السوري في زمن الحرب: من الحرب إلى الأمل"، يعرض فيها أعمالاً لفنانين تشكيليين سوريين تحدوا الحرب السورية الدائرة من خلال إبداعهم

يقدم المعرض 45 عملاً فنياً معاصراً لـ 12 فناناً وفنانة سوريين وسوريين أمريكيين، وقد افتتح الحدث في الأول من سبتمبر ويستمر حتى 23 أكتوبر في إحدى أهم الصالات الأمريكية في ميامي Art Serve.

وللحديث عن المعرض ومبادرة الفنان طوني خوام، استضاف ميل ليمان، طوني مساء يوم السبت 19 سبتمبر في مقابلة افتراضية عبر تطبيق زوم، قام رصيف22 بتغطيتها.

قصة وصول الفن السوري إلى أمريكا

عمل ميل ليمان في القضايا الإنسانية الدولية لعدة عقود، أمضى منها عقدين في العمل ضمن المجلس الوطني للكنائس. تعددت رحلاته في الشرق الأوسط ونشر عدداً من المقالات حول تجربته في الأماكن التي زارها.

هو مدير منظمة "كومون هيومانيتي"، ومقرها مدينة نيويورك، والتي تسعى إلى بناء التفاهم والاحترام والصداقة مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. اعتبرت المنظمة منذ تأسيسها في عام 2009، أن الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط يكمن في الاعتراف بإنسانية الناس المنتمين إلى جميع أطراف الصراع، وبالتالي، تعتقد أنه "بدلاً من إرسال المزيد من الأسلحة إلى الشرق الأوسط، يجب علينا العمل من منطلق التعاطف والإغاثة الإنسانية".

ترأست المنظمة ثلاثة وفود طبية ذهبت إلى دمشق بدأت منذ 2000، حيث تبادل أطباء أمريكا الشمالية خبراتهم الطبية مع زملائهم السوريين. إلا أن الحرب في سوريا حالت دون عودتهم. وبالرغم من ذلك واصلوا بعثاتهم الطبية في أماكن أخرى من الشرق الأوسط. وخلال إحدى زياراتها إلى دمشق، أجرت المنظمة اتصالات من خلال مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مع مجموعة من الفنانين العراقيين اللاجئين الذين فروا إلى دمشق. بدأوا في شراء لوحاتهم وإحضارها إلى نيويورك، وعرضها وبيعها.

وصل الفن السوري إلى أمريكا عن طريق مبادرات إنسانية إغاثية رعتها منظمة "كومون هيومانيتي" بإدارة ميل ليمان، بدأت باقتناء لوحات الفنانين السوريين المعاصرين وعرضها في معرض متنقل في الولايات المتحدة

وبالمال الذي حصلوا عليه عادوا إلى دمشق ليقوموا بجولة أخرى بهدف اقتناء المزيد من اللوحات. وقد اجتذبت المعارض التي أقاموها مئات الزوار الذين أعربوا عن تقديرهم لفرصة التعرف على جمال العناصر الإنسانية في الشرق الأوسط والثقافة العربية. وبسبب ردود الفعل الإيجابية التي لقيتها هذه الأعمال، وسّعت المنظمة انتشارها من خلال جلب معرض متنقل يضم أعمال الفنانين السوريين المعاصرين إلى جامعة إيسترن مينونايت Eastern Mennonite University في عام 2019.

طوني خوام هو من بين الفنانين الذين عمل ليمان معهم عن قرب، ومن خلال عمله الفني، يهدف إلى "زيادة الوعي آملاً بتغيير التصور عن سوريا من الدمار والمشاهد المزعجة وامؤلمة إلى أحياء مليئة بالأمل والحياة". عندما عبّر طوني عن إعجابه بالعمل الذي قام به ليمان مع الفنانين العراقيين والفن العراقي، "قال لي حان الوقت لتقديم الفن السوري، واستغرق الأمر مني أجزاءاً من الثانية لأقول نعم"، يقول ليمان.

من اللافت أن المنظمة تعرض، بالإضافة إلى اللوحات الاحترافية، العشرات من بطاقات عيد الميلاد ورأس السنة التي رسمها طلاب الفنون في جامعتي حلب ودمشق وأرسلت إلى الأمريكيين الذين شاركوا في فعالية تبادل بطاقات عيد الميلاد ورأس السنة التي نظمتها المنظمة.



الفن السوري في زمن الحرب

تعكس اللوحات الموجودة في المعرض، بعنوان "الفن السوري في زمن الحرب: من الحرب إلى الأمل"، عملاً هو غاية في الإتقان من المشهد الفني المعاصر في سوريا اليوم. والمعرض هو جزء من عمل منظمة "كومون هيومانيتي لتحقيق السلام" للمساهمة في بناء التفاهم والاحترام والصداقة مع العالم العربي والإسلامي.

على الرغم من الحرب السورية، واصل الفنانون السوريون إبداعهم الفني وأنتجوا عدداً من الأعمال الفريدة. الفنانون المشاركون هم: نزار صابور، باسم دحدوح، إدوارد شهدا، طوني خوام، منهل عيسى، عمران يونس، ريم طراف، إلياس أيوب،رامي صابور، نعمات بدوي، وبشير بدوي.

ومع أن أياً من الأعمال لا يمكن اعتباره ذا طبيعة سياسية، إلا أن تأثير سنوات من الحرب ينعكس في الأسلوب والمحتوى والتطور الفني والزخم العاطفي في عدد من اللوحات. أحد الأمثلة على ذلك، لوحة الفنانة ريم طراف التي تظهر قطعاً من الملابس الداخلية الملطخة بالدماء تُركت لتجف على حبل الغسيل، مما يدل على أن الهجمات التفجيرية والقصف كان يحصل في أماكن مأهولة، حيث توجد حياة.

مع أن أياً من الأعمال في معرض "الفن السوري في زمن الحرب" لا يتسم بطبيعة سياسية، إلا أن تأثير سنوات من الحرب السورية ينعكس في الأسلوب والمحتوى والتطور الفني والزخم العاطفي عند الفنانين السوريين

وظفت الرموز الدينية في بعض اللوحات الأخرى، مثل لوحة الفنان نزار صابور "معلولا. 13"، و "إكليل الشوك السوري" للفنان بشير بدوي. يقول طوني: "لا أحد من هؤلاء الفنانين متدين بشكل فعلي، لكنهم يستخدمون الرموز الدينية فنياً، فآلام المسيح، مثلاً، تمثل آلام الشعب السوري ومعاناته.

نزار صابور "معلولا. 13" 31.5*23.5 (2015)

ويظهر جبل قاسيون في إحدى لوحات الفنان منهل عيسى، وهو أحد أجمل وأشهر معالم دمشق. كما تبرز في اللوحة مدينة دمشق أمام الجبل.

منهل عيسى، "جبل قاسيون"، 58*36 إكريليك، 2020

يوضح طوني أن العديد من أعماله الفنية، تصور الأحياء السورية التي دمرتها الحرب بألوان مشرقة لإظهار أنه على الرغم من اليأس الحالي، هناك أمل، و"فجر يوم جديد".

طوني خوام، "الخط الأول"، إكريليك 48*72، 2019

مبادرة طوني خوام

يقول طوني عن مبادرته: "عملي الحالي يتعلق بالمجتمع، وكيف يمكن للفن أن يربط جميع المجتمعات من مختلف الثقافات والخلفيات لخلق حوار بينها". طوني، الذي يقول إنه أصبح قيماً على المعرض من خلال التواصل مع أصدقائه القدامى من سوريا، وخاصة الذين عرفهم من مدينة حلب، لم يقم فقط بترتيب معرض لهؤلاء الفنانين، بل أقام أيضًا فعاليات أخرى في شهر سبتمبر الجاري تتضمن محاضرات عبر تطبيق زوم لتقديم لمحات عن الثقافة السورية- اللبنانية للأمريكيين ومساهمتهم في أمريكا منذ عام 1880: "أردت أن يفهم الأمريكيون الثقافة السورية بشكل أوضح، لذلك قدمت محاضرات عن الجالية السورية وإسهاماتها في المجتمع الأمريكي".

يحاول الفنان السوري الأمريكي طوني خوام، عبر برنامج مبادرته الشامل للفن والموسيقا والمطبخ في سوريا، خلق حوار حضاري بين المجتمع الأمريكي والثقافة السورية والتعريف بإسهامات السوريين واللبنانيين في أمريكا منذ عام 1880

كما تضمنت مبادرة طوني عرض أفلام وثائقية مثل "العرب الأمريكيون" ، وتقديم الموسيقى السورية من خلال محاضرات افتراضية عبر زوم حملت عنوان "ألحان شرق-أوسطية" تعرّف بفن الموشحات والقدود الحلبية والأندلسية. كما تضمن برنامجه تعريفاً بالمطبخين السوري واللبناني، سلط الضوء من خلاله على "أن الطعام يجمع كل أفراد العائلة السورية، ليس فقط أثناء تناوله، ولكن أيضاً أثناء عملية تحضير الطعام".

يضيف طوني: "كان هدم الأحياء والشوارع في حلب أشبه بمعرفتي بمرض أصاب أحد أفراد عائلتي، فهذه الأماكن هي جزء من العائلة بالنسبة لي"، والتعريف بتقاليد المدينة يعني مقاومة تدميرها واستحضار الأمل بتعافيها من آثار الحرب. يختتم طوني بقوله: "لا يريد الناس سماع أخبار سياسية أو لغة الكراهية والتحريض، فالإنسانية هي ما يربطنا جميعاً. فقط من خلال التعاون وبناء الوعي الإنساني، نساهم في صنع السلام".

صور اللوحات من معرض "الفن السوري في زمن الحرب: من الحرب إلى الأمل" مقدمة من الفنان السوري الأمريكي طوني خوام

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard