أسطورة الابن الأصغر في السياسة اللبنانية

الجمعة 25 سبتمبر 202009:30 ص

عام 1984 توفي بيار الجميّل، بعد عامين من وفاة ابنه الأصغر بشير. وعام 1987، توفي كميل شمعون، وبعده بثلاثة أعوام توفي ابنه الأصغر داني. بشير وداني كانا قائدين عسكريين في زمن الحرب الأهلية. وكانا كلاهما "الابن الأصغر" الذي تفوّق في شعبيته على عرف "البكورية".

لطالما كانت شعبية بشير أكبر من شعبية أخيه أمين، وكان داني قائداً بنظر المحازبين أكثر من شقيقه دوري. إلى ذلك، فإن سعد رفيق الحريري ما زال الممثل الرسمي لآل الحريري في الدولة اللبنانية-الطائفية، رغم عودة شقيقة الأكبر بهاء.

حتى أن جواد حسن نصر الله، ابن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، صار حاضراً هو الآخر في وعي جماهير حزب الله، أكثر من هادي، النجل الأكبر لأمين عام الحزب، رغم أن الأخير يحظى بمكانة خاصة لدى الأنصار والمحازبين، لأنه يمثل الصورة التي يحبها هؤلاء عن الحزب.

بشكل عام، في لبنان، وحيث لم ينتهِ زمن الوراثة السياسية، ينتصر الأخ الأصغر دائماً.

كاريزما البندقية

بالتأكيد، سمعت عن "صراع العروش"، أو الصراع على وراثة العرش بالتحديد، في الأنظمة الملكية، وفي جميع الأنظمة التوريثية عموماً. هذا يحدث في "الدولة الديمقراطية" لبنان بأشكال مختلفة.

في بحث الابن الأصغر عن "الانتصار" السياسي، أي وراثة أبيه، النقطة الهامة ربما في الحالة اللبنانية، قد تكون في الدور الذي تلعبه الجغرافيا في تمثيل مجموعات معيّنة وفقاً لحدود توجد في لحظة زمنية محددة.

بشير الجميّل، صار قائداً عسكرياً في لحظة العسكرة، متجاوزاً وراثة شقيقه البكر للسياسة من أبيه. بشير لم يكن وريثاً كاملاً: تجاوز معقل الحزب/ العائلة، وصار قائداً (برجوازياً) ينام بالثياب العسكرية، بين مقاتلين من طبقات اجتماعية واقتصادية مختلفة، ولا سيما الفقراء القادمين من مناطق الأطراف، أكانت ذات غالبية مسيحية، أو تحتضن أقليات مسيحية تعيش بين أغلبيات مسلمة.

أما أمين الذي صار رئيساً للجمهورية بعد اغتيال شقيقه الأصغر، الرئيس المنتخب الذي لم يدخل القصر الرئاسي، فبقي رئيساً في القصر، بثياب القصر، وكان محاطاً دائماً بمستشارين، يضعون ربطات العنق، وبالتالي، أحبّه الأشخاص الذين يحبّون هذه الفئة.

خلال الحرب الأهلية، كان صوت القتال مرتفعاً، وكانت كاريزما البندقية أعلى من كاريزما ربطة العنق.

بعد خروج السوريين من لبنان وعودة الأحزاب المسيحية إلى ممارسة العمل السياسي الذي أُقصيت عنه طوال 15 سنة، وفي لحظة "اسكاتولوجية"، ظهر أبناء "الجيل الثالث" من آل الجميّل.

في البداية، لمع اسم الابن الأكبر، بيار أمين الجميل. كان خطيباً، يحمل اسم جده، مؤسس حزب الكتائب، ولكنه كما يقول محازبون، كان أقرب في شخصيته إلى عمّه بشير. لم يختلف كثيراً في توجهاته عن توجهات أبيه السياسية، ولكنه كان قوياً في حضوره، إلى درجة ذكّرت مجتمع الكتائب اللبنانية، أو مجتمع اليمين اللبناني، بصورة ما انفكت تبحث عنها، صورة عمّه بشير.

كان شقيقه الأصغر سامي، الرئيس الحالي لحزب الكتائب، خارج حسابات الحزب الرسمية، حتى أنه أسس تجمعاً باسم "لبناننا"، ضمّ مجموعة من الطلاب، وكان تنظيماً يخاطب "الطبقة الوسطى"، ليس بسبب طبيعته المتمردة على الطابع التقليدي للكتائب، بل غالباً لأن أدواته التعبيرية لم تكن بالعنف المباشر الذي يحيل بالذاكرة إلى بشير.

بعد اغتيال بيار أمين الجميّل، في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، عاد سامي إلى حضن "العائلة"، وإلى "الحزب". ولاحقاً صار رئيساً للحزب.

ورث سامي عن شقيقه بيار صراعاً مع وريث آخر، هو الابن الأصغر لبشير الجميّل، نديم. الأخير، وبمعزل عن أخطائه الكثيرة في اللغة العربية، وهجرته إلى الخليج من أجل العمل في زمن السياسة، على نقيض من سلوك والده أثناء الحرب، بقي وريثاً لبشير، وندّاً لسامي في "الكتائب".

صار نديم، بمعنى من المعاني، شقيقاً أصغر لسامي، بعدما كان والده بشير، شقيقاً لأمين. أما بيار الجد، وبيار الحفيد، فيمثلان نقطتي ارتكاز في النظام العائلي. الأول هو المؤسس، والثاني هو حلقة الوصل بين جيلين.

الخروج من العائلة

العلاقات التي نتحدث عنها ليست علاقات من ضمن النظام الإقطاعي الموروث كنظام حكم مديد، بل هي علاقات قوة، تستمد حيويتها من النظام السياسي الحالي.

دوري شمعون الذي كان ناشطاً في حزب والده، حزب الوطنيين الأحرار، لم يكن مرشحاً ليلعب أي دور "سياسي" أو عسكري، في ظل وجود شقيقه الأصغر، صاحب الشخصية القوية، داني.

وهذه مفارقة، أن يكون الشبه بين أمين (الجميّل) ودوري (شمعون)، لجهة الظهور بمظهر المهاب والحكيم والأقل اندفاعاً، يشبه الشبه بين شقيقيهما الصغيرين تباعاً، بشير (الجميّل) وداني (شمعون).

بالتأكيد، سمعت عن "صراع العروش"، أو الصراع على وراثة العرش بالتحديد، في الأنظمة الملكية، وفي جميع الأنظمة التوريثية عموماً. هذا يحدث في "الدولة الديمقراطية" لبنان بأشكال مختلفة

من جهة أخرى، في نظام بطريركي، ليس غريباً إقصاء ابنة بشير، يمنى، لحساب الابن الأصغر نديم. وليس غريباً حدوث الأمر نفسه مع ابنة داني، ترايسي، إذ تغيب عن المشهد السياسي، بعكس ابن عمها كميل دوري شمعون الذي ترشّح للانتخابات النيابية الأخيرة، ونال أكثر من ألف صوت بقليل.

ثقافة الابن الأصغر

في الشكل، وبدون تحليل كثيف، قد يسهل القول إن الثقافة اللبنانية هي ثقافة الابن الأصغر. وإذا كانت الثقافة هي ما يقوله "إعلان مكسيكو" الشهير من أنها مجموع العلاقات المادية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً عن آخر، أو فئة اجتماعية عن أخرى، فإن ذلك سيعني قطعاً أن المجتمع السياسي اللبناني، هو مجتمع أبوي بامتياز، لقيامه على التوريث، وإقصاء المرأة.

لكن اللافت دائماً هو أن شرط "الأبوية" المتمثل بالبكورية، كأداة أحقية لوراثة السلطة تعود جذورها الأنتروبولوجية إلى التوراة، لم يكتمل، في عائلات يمكن أن تمثل الهرمية العائلية الصارمة بعينها.

البكورية ليست تفصيلاً، بل هي أحد أبرز شروط الوراثة عادة. أما ميل الجماهير إلى الشقيق الأصغر، فقد يكون اعتراضاً على الأب نفسه. اعتراض لنسف فكرة الهرمية العائلية من أساسها.

في نظر كثيرين من معاصري بيار الجميّل الجدّ، كان الأخير "مسالماً" أكثر مما يرغبون. وكان كميل شمعون دبلوماسياً، في زمن أفول الدبلوماسية. هذه آراء عامة تحتاج إلى التأكيد، وعرضها لا يعني الموافقة أو الاعتراض عليها.

في الأساس، لم يهطل التمثيل "العائلي" على الجماعات بالباراشوت، خاصةً في لبنان. في الجانب النظري، الانتخابات تجري على أساس فرداني (غير حزبي عملياً)، بعد إرث اقطاعي طويل، وتسمح بحدوث تجاذبات ضمن العائلة الواحدة، التي تمثل مجموعة عائلات أخرى.

أمين وبشير، كشقيقين، يحملان لقب "شيخ" المتوارث من الماضي الإقطاعي الحديث، ويحملان كذلك لقب رئيس الجمهورية. يمثلان صراعاً عائلياً في داخل كل عائلة تؤمن بفكرة العائلة نفسها.

وقد يجد الباحثون في العديد من العائلات التقليدية المارونية اللبنانية، ابناً أكبر ينظر إلى بشير كمثل أعلى، رغم انقضاء الزمن، في مقابل وجود آخرين، أقل حضوراً، يعتقدون أن أمين أكثر حكمة، وميله للقوة في السياسة على حساب القوة العسكرية يمثل وسيلة أكثر نجاعة. ينسحب هذا على جيل الأبناء أيضاً.

النظام الأبوي، عموماً، ليس مجرد نظام تنافسي، بل هو قائم بطبيعته على القمع، وهو بالتالي نظام عدائي. حضوره في السياسة، مثل حضوره في المجتمع، محكوم بعاملين أساسيين: القلق والسُلطة. ولذلك، سنجد العامليْن حاضرين دائماً في صراعات الأشقاء.

وإنْ كانت السُلطة عصيّة على تعريف محدد، إلا أنها في الحالة الهرمية تشترط انتفاء القلق، أي انتفاء دور الشقيق الذي يمثل هذا القلق، وانكفائه إلى خارج حدود العائلة السياسية.

وراثة الصورة، لا الأب

حسب معظم الدارسين التقليديين للنظام الأبوي، وهم أشخاص لم تهمهم تمثيلات "الأبوية" في الأنظمة السياسية المنبثقة من العائلة في دول حديثة، تؤدي الهرمية عموماً إلى أنواع مختلفة من ردات الفعل.

البكورية ليست تفصيلاً، بل هي أحد أبرز شروط الوراثة عادة. أما ميل الجماهير إلى الشقيق الأصغر، فقد يكون اعتراضاً على الأب نفسه. اعتراض لنسف فكرة الهرمية العائلية من أساسها

ربما يكون الابن صورة ناجزة عن أبيه، الذي يعلوه في الهرمية، مثل حالة هادي، الابن الأكبر لأمين عام حزب الله، أو يكون صورة متمردة على صورته، وإنْ كانت تتخذ في السياسة نهجاً مشابهاً، مثل حالة جواد، الابن الأصغر لنصر الله.

بمعنى من المعاني، كانت صورة هادي استجابة تامة لصورة أبيه، أو للثقافة التي قدمها نصر الله عن نفسه. وإنْ كان المجتمع الحاضن لهذه الثقافة يستخدم مفردات من نوع "التضحية" و"الفداء"، فإن الصورة الفعلية تدور حول هذه المصطلحات، وهي صورة المقاتل والمهدوي، على حساب صورة الحداثي، والملتحق بعالم ما بعد الواقع الاستهلاكي، كما يمثلها جواد، الذي يعرفه جمهور الحزب على "تويتر"، بينما عرفوا شقيقه مقاتلاً وشهيداً.

لا يعني ذلك بالضرورة أن جواد ليس مقاتلاً، أو أنه ليس مؤمناً بما آمن به شقيقه، ولكنهما في النهاية ليسا شخصاً واحداً. انتصار صورة واحد منهما على صورة شقيقه، أو "معادلتها"، مشروط باعتبارات زمنية.

وإنْ كان أمين عام حزب الله، في حدود عائلته، قد قدّم نموذجاً لثقافته الحربية، التي تعتدّ بالشجاعة والشهادة، فإن الرئيس الراحل رفيق الحريري، في رحاب النظام الأبوي العائلي نفسه، قدّم هو الآخر ابنين، كانا انعكاساً لرؤيته للحياة كميدان للأعمال والاستثمار.

الخلاف الطارئ على الساحة اللبنانية، بين ابن رفيق الحريري الأكبر، بهاء الدين، الذي تأخر في الإعلان عن الاعتراض على وراثة شقيقه لدور الأب السياسي، لا يعطّل تشاركه مع سعد في وراثة التصورات الاقتصادية النيوليبرالية عن والديهما.

لكن سعد، الأصغر، بنى شعبية لنفسه، ورغم اهتزازها، ما زالت حاضرة في وعي جمهوره حتى الآن، لأنه كان حاضراً عندما نظر ذلك الجمهور حوله، وبحث عن "الوريث".

الوريث، إذاً، ليس شخصاً يكفي أن يكون حاضراً، بل يجب، على ما تعلّمه التجربة الأبوية اللبنانية الصارمة التي تنتج آلية الهيمنة، ألا يكتفي بالحضور في لحظة معيّنة، وأن يكون شخصاً مرئياً، من زاوية الجمهور، وليس دائماً من زاوية الأب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard