صور السيلفي... اخترعتها نفرتيتي ورسم حاضرها كوفيد19

الجمعة 12 يونيو 202012:09 م



إذا كانت صورة السيلفي هي انعكاس للطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وكيف نقدمها للجمهور، فإنها لا بد تشكل مزيجاً مثيراً للاهتمام من الهيئة الداخلية والخارجية. وقد تم مؤخراً تسهيل انتشارها ليس فقط من خلال التكنولوجيا والأجهزة المتصلة بالشبكة مثل الكاميرات الأمامية وعصا السيلفي، ولكن أيضاً، كما تشير بعض الأبحاث، من خلال عقد اجتماعي ضمني جعل التقاط الصور الذاتية ومشاركتها أمراً مرغوباً ومقبولاً. ربما من المفيد الانطلاق من السياق التاريخي لمفهوم "السيلفي" لنعرف، من خلال هذا المقال، كيف تأسس هذا الفن المتأصل في التاريخ البشري وما دلالاته في عمق النفس الإنسانية، وكيف تطور إلى أن وصل إلى شكله الحالي اليوم.

سيلفي السلطة

ربما نفرتيتي هي أول من اخترع "السيلفي"، حيث تُذكر بالتمثال النصفي لوجهها المصور والمنحوت على قطعة من الحجر الجيري في واحدة من أروع القطع الفنية التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

من المرجح أن نفرتيتي هي أول من اخترع "السيلفي"، حيث تُذكر بالتمثال النصفي لوجهها المصور والمنحوت على قطعة من الحجر الجيري في واحدة من أروع القطع الفنية التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ولها العديد من التماثيل (الصور) غير المكتملة معروضة في المتحف البريطاني. وكأنها تجارب للوصول إلى الرسم الذاتي الأمثل، تشبه محاولتنا المتكررة للحصول على أفضل صورة بروفايل. صحيح أنها لم "تصور" نفسها بعصا السلفي لكن حتماً كان هناك عصا النفوذ تستخدمها لجعل النحاتين يصورونها بالشكل الذي كانت تطمح إليه.

قد أسس تمثال نفرتيتي لمدرسة عريقة من (التصوير الذاتي السلطوي) لحكام العالم القديم. حيث قاموا بصك صورهم على العملات ونقشها على جدران المعابد ونصب التماثيل في الساحات العامة. هذا الاكتساح البصري للسلطة وبسط النفوذ كان له شروط نمطية مدروسة: وجه غاية في الدقة والتوازن بين عناصره، يتسم بالرصانة دون المبالغة في إظهار التعالي، فيه حزم لكنه رؤوف برعاياه، تجسيداً لصورة الحاكم الأمثل.

 إذا كانت صورنا انعكاساً للطريقة التي نرى بها العالم، فإن صور السيلفي هي انعكاسات للطريقة التي نرى بها أنفسنا لكنها تتعدى مفهوم التأمل الذاتي إلى عدها شكلاً من أشكال الفن كونها مخصصة لجمهورٍ أوسع. لذلك استرعى تصوير الذات اهتمام علماء الانثروبولوجيا ففي دراسة منشورة في المجلة العلمية الفنية ليوناردو (Leonardo Journal) حول ماهية الصورة الذاتية انطلاقاً من ثلاث نظريات اجتماعية نفسية: (الوعي بالذات، تقديم الذات، البناء الاجتماعي للذات). حيث يرى علم الاجتماع أن الصورة الذاتية سيكون لها معان مختلفة في فترات مختلفة بسبب المفاهيم المتغيرة للذات والعلاقات المعقدة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأفكار حول المظهر وأهمية الصور.

تفترض نظرية (العرض الذاتي) أن الصور الذاتية تتم قراءتها من حيث دوافع العرض الذاتي لذلك تستعرض دوافع ومسوغات (الصورة الذاتية) من خلال أمثلة بارزة لأيقونات السيلفي في هذا الفن القديم/الحديث؛ انطلاقاً من السياق التاريخي لمفهوم "السيلفي" اليوم إلى البورتريه الذاتي الفني، حيث ظهر في الغرب كجنس فني مهم في القرن السادس عشر. وقد تميز به الرسامين ألبريشت دورر ورامبرانت حين استخدما التصوير الذاتي لتكريس أنفسهم كفنانين والكشف عن الأعماق الداخلية لشخصيتهم.

يرى علم الاجتماع أن للصورة الذاتية معان مختلفة بحسب الفترات المختلفة بسبب المفاهيم المتغيرة للذات والعلاقات المعقدة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأفكار حول المظهر وأهمية الصور

سيلفي الأيقونة

في عام 1500، رسم فنان النهضة الألمانية ألبريشت دورر نفسه بطريقة تستحضر صورة السيد المسيح، عيونه الصارمة تحدق في مُشاهد اللوحة دون أي زخرفة، مصوراً نفسه كمبدع متواضع. كانت هذه الصورة الذاتية لا تشبه أي شيء آخر في ذلك الوقت. وقد تقمص بعده الكثير من الفنانين شخصيات أيقونية في رسم أو تصوير ذواتهم مثل انتشار سيلفي فريدا كالو بين السيدات من خلال رسم حواجب داكنة متصلة ونظرة حادة ولباس ذو ألوان مبهجة. قد يشعرهن ذلك بالقوة وكأنهن لم يتقمصن ليس فقط شكلها وإنما شخصيتها. فهل تَلبس شخصية الأخر المشهور نوع من الغزو على ذات الأخر أو بحث عن الذات الحقيقية؟ سؤال يقودنا للمثال التالي عن النظرة الواقعية للصورة الذاتية.

حيث صوّر رامبرانت Rembrandt (1606-1669) نفسه أكثر من أي فنان آخر قبله. تظهره صوره الذاتية في مختلف الأعمار والأدوار، سواء أمام المرسم أو مثل نبي. قد مكنته صوره الذاتية من دراسة كيفية إعادة تجسيد آثار الشيخوخة.  ومثل جميع أعماله، كانت هذه اللوحات الذاتية مخصصة للبيع حيث كانت شائعة جدًا بين المشترين. فهل كانوا يطمحون لشراء ذوات جديدة أجمل من صورهم الذاتية التي يرونها مشوهة؟

يظهر انتشار سيلفي فريدا كالو بين السيدات من خلال رسم حواجب داكنة متصلة ونظرة حادة ولباس ذو ألوان مبهجة، والقوة التي أشعرهن بها أنهن لم يتقمصن شكلها فقط وإنما شخصيتها أيضاً

السيلفي المشوه

تبدو الروح المعذبة للفنان البريطاني فرانسيس بيكون (1909-1992) مشوهة بشكل مؤلم ومفجع أحياناً حيث بالكاد يمكن تتبع أي ملامح بشرية في لوحاته- إنها وجوه وحشية ومَسخة إلى حد بعيد. قام بيكون بعمل أول بورتريه ذاتي في عام 1956، مستوحى من الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ، أعرق فنان في تصوير الذات المشوهة ليس فقط شكلاً من خلال رسم نفسه بعد قطع أذنه لكن أيضاً روحه المعذبة.  تصور مرعب للذات الدفينة. كم منا سيضع صورة سيلفي وأذنه مقطوعة كصورة للبروفايل. كم من (الإعجابات) سنحصد، هل يمكن تسويق الذات عبر السيلفي المشوه؟

لجأ الفنان السوري فصيح كيسو إلى استخدام صوره الذاتية في تجسيد الحياة اليومية في سوريا بشكل ساخر بدءاً من تأمين جرة الغاز إلى بائع غزل البنات

أنتج آندي وارهول (1928-1987) العديد من الصور الشخصية الشهيرة كعلامة تجارية. ولم يهدف فنان البوب إلى تقديم تمثيل واقعي لنفسه، بل جسّد أدوار لخداع المشاهد. كانت الصور الذاتية جزءاً من علامة Warhol التجارية. وهو شائع جداً بين فئة كبيرة من الفنانين إذا لم نستطيع بيع لوحاتنا فلما لا نبيع صورنا، نظرة ساخرة لفن التصوير الذاتي. أودى إلى نوع جديد من السيلفي في فنون الحداثة وهو الصورة الذاتية التهكمية. فقد لمع نجم الفنان الألماني Kippenberger  مارتن كيبنبرغر (1953-1997) بشدة في الثمانينيات بسبب صوره الذاتية الاستفزازية، حيث قدم نفسه بطرق متنوعة، من مراهق مهزوم إلى كتلة من اللحم، خافياً  وجهه عارضاً محدودية الرسم. وقد لجأ الفنان السوري الدكتور فصيح كيسو إلى استخدام صوره الذاتية في تجسيد الحياة اليومية في سوريا بشكل ساخر بدءاً من تأمين جرة الغاز إلى بائع غزل البنات.



السيلفي السياسي

قبل حقبة السلفي، استعملتْ صور النشطاء السياسيين أو رموز تدلل عليهم مثل (حنظلة) للفنان الفلسطيني ناجي العلي لإيصال رسائل قوية. من لا يعرف صورة تشي غيفارا، فقد عُدت من أشهر صور القرن العشرين، وأكثر صورة تم نسخها على الاطلاق على القمصان أو الجدران أو في البيوت. ثم استعمل السيلفي في منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن الآراء السياسية، مثل شريحة العَلم تحت الصورة الذاتية للتعبير عن الهوية الوطنية كما العلم المصري تحت الصور الذاتية مئات الألاف من مستخدمي الفيس بوك في ثورة 25 يناير، أو عبارات محددة مثل (Je suis Charlie) هو شعار ابتكره المخرج الفرنسي يواكيم رونسين وتبناه أنصار حرية التعبير وحرية الصحافة بعد إطلاق النار في 2015 والذي قتل فيه 12 شخصًا في مكاتب الصحيفة الأسبوعية الساخرة شارلي إبدو.   

كما أصبح الصيني  Ai Weiwei رمزاً لصورة السيلفي بسبب حضوره النشط على وسائل التواصل الاجتماعي ،.حيث يوثق الانفصالي الصيني  الذي يعيش حالياً في برلين، لحظات حاسمة من حياته بهاتفه الذكي، باعثاً رسائل سياسية قوية مع هذه الصور الذاتية،  مثل صورته لحظة اعتقاله ليبدو كشخصية أيقونية وسط صورته مع جواز سفره عندما أعادته الحكومة الصينية.

السيلفي النسوي

صورت المصورة اليمنية بشرى المتوكل نفسها باللباس التقليدي للرجال في الخليج العربي في رمزية لتصبح على صورته لأنها ترى أن اللباس التقليدي الذكوري يشبه إلى حد بعيد اللباس الأنثوي. في محاولة منها لمقاومة الصورة النمطية للمرأة، والتلاعب بالأدوار النمطية للرجل والمرأة

يكشف معرض (من التجسيد إلى التجريد) أربع بورتريهات ذاتية للفنانة العراقية هناء الملالح، والتي تنم عن شخصية غاية بالجدية والتفكير العميق من خلال نظرتها المتأملة للحرب والمعاناة في بلدها " البورتريه الذاتي يتضمن طبقات وطبقات من الافكار والمفاهيم." وتقول الملالح.

وقد لجأت الكثير من الفنانات إلى استعمل صورهن الذاتية للتعبير عن الهموم النسوية المشتركة والتدقيق بماهية الهوية الأنثوية في مجتمعاتهن وبالأخص في البيئات الشديدة التعصب. حيث صورت المصورة اليمنية بشرى المتوكل نفسها مرتدية اللباس التقليدي للرجال في الخليج العربي في رمزية لتصبح على صورته أو كما أوضحت في مشروعها الأخير (مسلسل الحجاب)، أنها ترى أن اللباس التقليدي الذكوري يشبه إلى حد بعيد اللباس الأنثوي، فهو عبارة عن جلابية طويلة وغطاء للرأس يسمى عمامة. وتريد أن تقاوم الصورة النمطية للمرأة المحجبة بأنها مضطهدة ومتخلفة.  بالتلاعب بالأدوار النمطية للرجل والمرأة تفتح صور بشرى المتوكل أفاق لقراءات مختلفة.  

جميعنا يبحث عن هوية لذاتنا الضائعة ليس فقط النساء، لكن بما أنه تم استخدام صورة المرأة بكثافة كأيقونة للجمال والتسليع أيضاً، قد تستخدم النساء التصوير الذاتي أكثر، بوعي أو دونه للتعبير عن الذات.

سيلفي الهوية

لعل أحد أهم عناصر الصورة الذاتية هو البحث عن الهوية. قد جسد ذلك الهاجس الكاتب والبروفسور أكرم الديك في (صورة بيانية- ذاتية): " كإنسان بطبيعتي، ألماني الجنسية، أردني الولادة، فلسطيني النسب، أكتب بالإنكليزية، لدي مشاكل في الاجابة عن سؤال (إنت من وين؟) فالذات أوسع من اللغة والجغرافيا."  لكن لا تقصر تساؤلات، أكرم الديك، حول الهوية على التعبير الكتابي بل أيضاً على صورة تلك الهوية حيث ألتقط صورة لجسده العاري الحافل بالوشوم في نهر الأردن على شكل يجسد السيد المسيح مصلوباً، قد تكمن رمزية تلك الوشوم في إعادة بعث لهوية متشككة، ووشوم متغلغلة تحت وجدانه باحثة هي أيضاً عن هوية.

قد تطرق كتاب "السياحة الدينية والروحية" إلى نوع جديد من (السيلفي الهوية الدينية) مسمى "سيلفي الحج" الذي أثار في العالم العربي موجة تساؤلات حول هذه الظاهرة من قبل شيوخ وحجاج أخرين بأطلاق ظاهرة مضادة اسموها "لا لسيلفي الحج" من خلال مقالة منشورة في Arab News ، حيث أدان أحد علماء الاسلام هذه الصور الذاتية في أماكن العبادة وبالأخص الحج قائلاً "كأن الغرض الوحيد من هذه الرحلة هو التقاط الصور لا العبادة!"

 أدان أحد علماء الاسلام "سيلفي الحج" قائلاً "كأن الغرض الوحيد من هذه الرحلة هو التقاط الصور لا العبادة!"

الحقبة العظمى للسيلفي (سيلفي كوفيد 19)

قد تكون السيلفيات التي التقطت خلال هذه الجائحة من أكثف الصورة الذاتية على مر تاريخ السلفي. سيلفيات تستغيث، أخرى غير مبالية، سلفيات مذعورة، ساخرة. لكن احتل حتماً سلفي الكمامة الصدارة بكافة المقاييس. إخضاع سبع مليار نسمة لارتداء كمامة وجعل 2 مليار مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي يصورون أنفسهم وهم يرتدونها: الرضع، الكلاب، الألعاب، النساء والرجال، حتى أثاث البيت أو أدوات المطبخ، لم ينجو أحد من خناق صورته الذاتية مع الكمامة. فقد لحقتهم في الأحلام حيث صرح العديد من الناس أنهم رأوا أنفسهم وهم مرتدون الكمامة في الحلم.

كيف استطاعت تلك القطعة القماشية اختراق اللاوعي الانساني بكل دلالاتها الضمنية حيث تجعلك أبكم، غير قادر على التنفس بحرية، لكنها للمصادفة العجيبة لا يستطع ذلك الفيروس المجهري اختراقها؟

احتل سلفي الكمامة الصدارة، فقد أخضع سبع مليار نسمة لارتداء كمامة وجعل 2 مليار مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي يصورون أنفسهم وهم يرتدونها.

ظاهرة فريدة في عالم السيلفي وقد تكون مجرد بروفة لتقبل الصورة النمطية المستقبلية للإنسان. صورة الانسان المكتوم النَفَس ظاهراً وباطناً، المطيع والذي يتبع التعليمات بدقة متناهية، لا يستطيع أن يتكلم أو يتنفس إلا في منزله. لم يستطع كل حكام العالم على مر العصور اخضاع الناس مثل ما فعل سيلفي كوفيد 19، لكنهم بكل تأكيد قد استطاعوا الابقاء على أسرار فن تصوير الذات حكراً على شخوص السلطة حتى اكتسحته العامة فقط منذ أكثر من عقد من الزمن مع دخول العالم الرقمي.

سيلفي العموم

في عالم اليوم قد تحول المفهوم الديكارتي الشهير (أفكر، لذلك أنا موجود) إلى (أصور نفسي، وبالتالي أنا موجود). قد كتب ألان بيبر، منظم معرض "تحديث الأنا. مستقبل الهوية الرقمية" في منتدى NRW في دوسلدورف: " يبيّن هذا المعرض كيف تغير السؤال الحاسم عن الوجود الإنساني لـ "من نحن" تحت تأثير الوسائط الرقمية ". قد احتلت مسألة الهوية الشخصية حيزاً واسعاً وأساسياً من حياة الإنسان قد تجسدت على الدوام في شتى أشكال التعبير الاجتماعي والسياسي والثقافي. 

شخصياً، لم أكن استثناءً على هذه القاعدة فقد كان أحد أهم أسباب بحثي عن ماهية تصوير الذات، هو رحلتي الشخصية في سعيّ لفهم ذاتي. كمُصورة ربما أكون قد نجوت من سيلفي كوفيد19، فلم أصور نفسي مع الكمامة، لكن حتماً لم أنجو من السيلفي التجريبي فقد حاولت توثيق ذاتي خلال الخمس سنوات الماضية من خلال التقاط صور شبه يومية لنفسي. وقد اخترت الصور بالأبيض والأسواد، فهي تظهر الجانب الدرامي للصور وتكثف المشاعر والأحاسيس الموجودة في البورتريه لكن يتم طمسها حين تكون الألوان ظاهرة. كما أنها تبرز العيون والانفعالات. بالنسبة لي بدوت غريبة عن ذاتي وحتى غريبة عن ذواتي المتباينة المُشكلة خلف الظلال الرمادية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard