"قومي ارقصي حتى تتزوجي"… لماذا لا تقدر أمهات في تونس نجاح بناتهن؟

الأربعاء 16 سبتمبر 202003:54 م

عندما تصل الفتاة في تونس إلى سن الثلاثين دون أن تتزوج، فإنها تجد نفسها محاصرة بمصطلحات "رجعية"، لتكون "العانس" في نظر الجميع مهما بلغت من مراتب العلم، المعرفة والمكانة الاجتماعية، ولتتعرض في أغلب الأحيان للتنمّر والسخرية بعبارات مثل: هل يمكن أن تلدي في الأربعين طفلاً سليماً؟ وغيرها من العبارات.

وتلعب بعض الأمهات الدور الأبرز في الضغط على بناتهن، يصل أحياناً إلى "الابتزاز العاطفي"، بالإضافة إلى النصائح، وتختزل كلمات مثل "الراحة" و"الاستقرار" في الزواج وتكوين الأسرة.

"البسي الكعب العالي"

"لا تُخفي أمي إحساسها بالقلق والخوف من أن يفوتني الزواج، فهي تذكرني في كل فرصة بأنه حان الوقت كي أتزوج وأنجب أطفالاً، مثل صديقاتي وبنات عمي"، تقول خولة لرصيف22.

تضيف خولة، 35عاماً، مدرسة لغة عربية من محافظة سليانة: "حاولت أمي تزويجي بطريقة تقليدية، وبعد أن فقدت الأمل أعطت المشعل لخالتي الكبرى، لتوبخني في كل مرة نلتقي فيها وتنهكني بأسئلتها القاسية وغير المعقولة".

"حطي عقلك براسك، متى تتزوجين؟ يجب أن تتزوجي في أقرب وقت وتنجبين أطفالاً. العمر لا ينتظر، ستبلغين سن الأربعين قريباً، وستقل حظوظك في الإنجاب"، تتابع خولة وهي تستحضر الأسئلة التي تحاصرها بشكل شبه يومي.

"قومي ارقصي، كانت آخر محاولات أمي لتشجيعي على لفت أنظار الموجودين في حفل الزفاف، فهي ربما تعتقد أنني قد أخطف قلب رجل ما عندما أرقص على أنغام الموسيقى الشعبية. أشفق على أمي"  

تؤثر كلمات والدة خولة على طريقة تفكيرها، وتتساءل بينها وبين نفسها مبتسمة: "لماذا يعتقد كثيرون أنني أرفض الزواج وأضع شروطاً صعبة أمام الرجال؟ في الحقيقة، أنا لم أجد بعد الشخص المناسب لأرتبط به".

تتنهد خولة: "في النهاية إن كتب الله لي الزواج فسأتزوج، فأنا طبعاً أريد تكوين أسرة جميلة".

تتذكر خولة جيداً ما حدث معها قبل أيام، عندما أرادت الخروج مع أمها إلى السوق، تقول ضاحكة: "أتذكر كيف أمرتني أمي يومها بأن أتخلى عن لبس الحذاء الرياضي، وأرتدي الكعب العالي. نعم قالت لي البسي حذاء ذا كعب عال، فهو يجعلك تبدين أنيقة وطويلة".

"تريد أمي أن ترى ابنتها الوحيدة بالفستان الأبيض، لم تستسلم ومازالت تسعى لتزويجي حتى أنها اشترت لي كل الجهاز والملابس التي تحتاجهم العروس، ومازالت تنتظر الفارس الذي سيخطفني على حصانه"، تقول خولة ضاحكة.

تصمت خولة للحظة ثم تواصل حديثها: "أتعجب كثيراً، لماذا لا يقدّر المحيطون بي النجاحات التي حققتها في دراستي، وفي عملي لاحقاً. إنهم يشفقون عليّ لأنني لم أتزوج رغم بلوغي سن الخامسة والثلاثين، ويعاملونني على أنني امرأة مسكينة لم تجد بعد ما يسمونه فارس الأحلام، لكنني فخورة بما حققته رغم الضغوط المجتمعية التي أعيشها".

"قومي ارقصي"

بدأت خديجة، 30 عاماً، هي الأخرى معاناتها مع الأسئلة منذ أن أنهت جامعتها، تقول لرصيف22: "يعتقد كثيرون أن الفتاة يجب أن تتزوج بعد أن تتحصل على شهادتها الجامعية. إنهم يرونها دورة طبيعية للحياة ولابد أن تمر بها كل نساء الكون".

تضيف خديجة، وهي محاسبة في شركة قطاع خاص، تسكن في تونس العاصمة: "أنا الآن أبلغ من العمر 30 عاماً ولم أتزوج بعد، ولكني أتعامل مع الأمر بشكل طبيعي، في حين يعاملني أقاربي على أنني فتاة مسكينة ومثيرة للشفقة... أرى ذلك في أعينهم، خصوصاً عندما نجتمع في حفلات الزفاف العائلية".

تتابع خديجة، وهي تداعب خصلات شعرها الذهبي: "حضرت مؤخراً حفل زفاف ابنة عمي التي تصغرني بـثماني سنوات، ونلت نصيبي من الأسئلة واللوم والضغط، سألني العشرات إن كنت سأتزوج قريباً، ولامني آخرون على بقائي عزباء".

لأم خديجة النصيب الأكبر من الضغط النفسي هي الأخرى، مقارنة ببقية أعضاء الأسرة أو الزملاء، تقول ضاحكة: "قومي ارقصي، كانت آخر محاولات أمي لتشجيعي على لفت أنظار الموجودين في حفل الزفاف، فهي ربما تعتقد أنني قد أخطف قلب رجل ما عندما أرقص على أنغام الموسيقى الشعبية. أشفق على أمي فهي تريد أن ترى طفلتها بالفستان الأبيض"، تروي خديجة.

"بدأت أفكر جدياً في الزواج بشكل تقليدي علّني أتخلص من المضايقات".

تقارن خديجة بين صورتين لنفسها، ما تشعر به كفتاة ناجحة لا تحتاج لوجود رجل في حياتها لتثبت شيئاً للآخرين، وبين صورة والدتها عنها، تقول: "نعم تحاول والدتي جاهدة إيجاد عريس مناسب لي، فأنا بالنسبة لها بنت مسكينة على وشك أن يفوتها قطار الزواج، حتى أني بدأت أفكر جدياً في الزواج بشكل تقليدي علّني أتخلص من المضايقات والضغط".

تستدرك خديجة  قائلة: "كم أشعر بالغضب عندما تسألني أمي في كل مرة: فمش حويجة، "متى تتزوجين"، في الحقيقة ليست أمي وحدها من تسألني هذا السؤال، فنساء الحي وأقاربي وصديقاتي المتزوجات كلهن يسـألنني نفس السؤال، أحاول في كل مرة أن أجيبهم إجابة دبلوماسية بنبرة صوت هادئة، لكن قلبي يحترق من الداخل".

"أكره هذا النوع من الأسئلة، فأنا أسمعها منذ سنوات وفي كل مرة أجيب نفس الإجابة: لديّ طموحات أخرى قبل الزواج... لكن إجابتي لا تقنعهم، وأسمع دائماً دعوات مثل: ربي ينوب عليك بولد حلال "رزقك الله ابن الحلال".

"الناس لا ترحم يا ابنتي"

على عكس خولة وخديجة، قررت صابرين (اسم مستعار) الانصياع لاختيار والدتها، وقبلت أن تتزوج بطريقة تقليدية، فاحتفلت بخطوبتها قبل أشهر، وتستعدّ للزواج رسمياً بحلول سنة 2021.

تقول صابرين، 37 عاماً، عاطلة عن العمل: "كم هو صعب أن ترى بنات العيلة وهنّ يدخلن "القفص الذهبي" واحدة تلو الأخرى، بينما يحاصرني الناس بنظرات الشفقة أينما ذهبت".

تواصل صابرين حديثها: "انقطعتُ عن الدراسة مبكراً، وبقيت حبيسة المنزل، أمضيت الفترة الذهبية من عمري بين الغسيل والطبخ، والآن لم يعد لديّ الوقت الكافي لأعيش قصة حب، والزواج التقليدي هو الحل الوحيد كي أستقر ولا أحرم من الأمومة".

"يقولون لي إنني سأواجه مشاكل في الخصوبة إن لم أتزوج في أسرع وقت ممكن، وأنا أريد أن أصبح أمّاً وأن أرى أبنائي يكبرون ويلعبون أمامي"، تضيف صابرين.

تتابع وهي تنظر إلى والدتها التي تجلس إلى جانبها: "الزواج دون حب أرحم من كلام الناس الجارح ومن أسئلتهم التي لا تنتهي، تقول أمي إن الحب يأتي بعد الزواج، سأجرب".

أما أمها، الخالة جميلة (اسم مستعار) فتقول لرصيف22: "أحمد الله كثيراً أنني سأحضر زفاف ابنتي قبل وفاتي، لقد تأخرتْ كثيراً في الزواج وسمعتْ كلاماً جارحاً من الجيران والأقارب بسبب ذلك".

تتابع: "هناك مثل يقول اخطب لبنتك ولا تخطب لولدك، وأنا يا ابنتي لا أخفيك أنني سعيت جاهدة لتزويج ابنتي قبل وفاتي، كي أطمئن أنني تركتها في بيت زوجها".

"حطي عقلك براسك، متى تتزوجين؟ يجب أن تتزوجي في أقرب وقت وتنجبين أطفالاً. العمر لا ينتظر، ستبلغين سن الأربعين قريباً، وستقل حظوظك في الإنجاب"

تمسح الخالة جميلة العرق الذي يتصبب من جبينها، وتستأنف حديثها: "في زماننا لم يكن هناك حب، كنا نتزوج رجالاً لا نعرفهم ولا يعرفوننا، ومع ذلك تدوم الزيجات لسنوات طويلة".

تفسّر السيدة السبعينية نظرتها للارتباط والزواج، عاكسة نظرة كثير من الأمهات في تونس: "الحب يأتي بعد الزواج، أن تتزوج الفتاة بطريقة تقليدية خير لها ألف مرة من اللقب الذي يطلق على غير المتزوجة، المجتمع لا يرحم يا ابنتي وأنا أريد أن أرى أحفادي قبل أن أغادر هذه الدنيا".

المجتمع هو السبب

تعلق الناشطة النسوية، ونائب رئيس الناخبات التونسيات، تركية الشابي، محملة المجتمع المسؤولية أكثر من الأمهات، قائلة: "إن المجتمع لا يقدر النجاحات التي تحققها المرأة، سواء في مسيرتها الدراسية أو المهنية".

تتابع في حديثها لرصيف22: "رغم النجاحات التي حققتها المرأة التونسية في جميع المجالات، فإن المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه يرى دائماً أن مكانها الطبيعي هو إنجاب الأطفال، الطبخ والسهر على راحة زوجها".

وتكمل الشابي، مستلهمة تجربتها في العمل السياسي: "في تونس مثلاً، يتحدث رجال السياسة أمام الجميع عن دور المرأة كفاعل رئيسي في الحياة السياسية والاجتماعية، لكن على أرض الواقع نجد أن نسبة مشاركة المرأة في الحكومة التونسية ونسبة تواجدها في البرلمان ضعيفة جداً".

أمهات لا يأبهن بالنجاح

عن الضغوطات التي تمارسها الكثير من الأمهات في تونس، لدفع بناتهن إلى الزواج والإنجاب، يقول المختص في علم الاجتماع، سامي نصر، لرصيف22: "إن الأم تعيد إنتاج ما عاشته في صغرها، وتحاول تطبيقه على ابنتها، حيث أن الأم عاشت طفولتها في بيئة تعطي أهمية للذكر أكثر من الأنثى".

يتابع نصر: "هناك نسبة كبيرة من الأمهات اللواتي يفضلن أن تدخل بناتهن إلى "القفص الذهبي" مباشرة بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية، عوض أن يجدن عملاً يحفظ لهن كرامتهن، فالأمهات يعتبرن أن إيجاد زوج للفتاة أفضل بكثير من إيجاد عمل لها".

"الفتاة التي تصل لسن الزواج ولا تتزوج تواجه الكثير من التنمر".

ويشرح نصر وجهة نظره أكثر: "الفتاة التي تصل إلى سن الزواج وتبقى عزباء تواجه الكثير من التنمّر، والضغوطات المجتمعية، والعائلية، وتجد نفسها محاصرة بكمّ هائل من الأسئلة الروتينية المملة التي تسبب عادة الألم النفسي للفتاة".

"الفتاة التي لا تتزوج، سواء كانت لا ترغب أو لم تعثر على الشريك المناسب، تواجه إلى جانب الأسئلة عدة عبارات مهينة مثل: "بايرة" أو "عانس"، ويحاولون عادة إلصاق كل التهم السلبية بها، وتحميلها مسؤولية عدم الزواج".

ويرجع نصر ذلك إلى المجتمع، قائلاً: "المجتمعات العربية مازالت تميز بين الجنسين، وترى أن المرأة مهما حققت من نجاحات وتميز فإن مكانها الطبيعي بجانب زوج يحميها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard