يُفترض أن تكون صوت الضحايا... تحرش واعتداءات جنسية داخل منظمات وصحف مصرية

الأحد 9 أغسطس 202010:52 ص

موجة إفصاح مصريات عن انتهاكات جنسية تعرّضن لها، والتي انطلقت قبل فترة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت أوجاع النساء المكتومة بين أضلعهن على مدار السنوات الماضية، وجديدها أن بعض الاعتداءات جرت في منظمات حقوقية من المفترض أن تكون لا فقط أكثر أمناً بل من المفترض أن تكون صوت الضحايا.

اعتادت النساء على كتم الآلام خوفاً من الوصم المجتمعي واللوم وسماع التبريرات المجتمعية الجاهزة لتلقي اللوم على الضحايا عند الحديث عن التحرش والعنف الجنسي. ولكن مؤخراً قررت كثيرات كسر الصمت.

"كنت أراه متمتعاً بحياته بدون ندم"

لا زالت إسراء سراج التي تبلغ من العمر 25 عاماً، وتعمل باحثة في مجال البيانات، تتذكر جيداً ما حدث لها قبل خمس سنوات على يد باحث في مؤسسة حرية الفكر والتعبير يدعى محمد ناجي كان يبلغ من العمر 28 عاماً حينذاك.

تروي لرصيف22: "قبل خمس سنوات، تعرّضت لاعتداء جنسي من محمد ناجي، مدير الوحدة البحثية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير والذي كنت أعمل معه حينها".

وتضيف: "الأمر لم يتوقف عند هذه الواقعة فقط، فقد قام بتهديدي وتعنيفي حتى لا أقوم بالحديث عما حدث لأحد، حتى لا يفتضح أمره، وبسبب هذه القصة ولأني كنت أراه متمتعاً بحياته بدون ندم عمّا فعله معي، شعرت بأزمة نفسية لم تهدأ إلا بعدما شاركت في الحملة وكشفت اعتداءه عليّ".

محمد ناجي، رداً على ظهور اسمه في بعض قصص الفتيات، وفي منشور طويل على فيسبوك، اعترف بأنه تحرش وتعدى على فتيات وضايقهنّ وألحّ عليهنّ بعد الرفض، محاولاً تبرير هذه الاعتداءات بأنه تغيّر بعدما كان "ذكراً مصرياً أنانياً يفكّر في نفسه قبل أي أحد أو أي شيء".

لم يكن يعلم أن هذا المنشور سيُقابل بالرفض من قبل بعض الصديقات اللواتي اخترن قطع علاقاتهن به بسبب هذه الأفعال، وأخريات ممَّن علمن بما حدث لإسراء وغيرها من الفتيات، ما أجبر "الباحث الحقوقي" على غلق حسابه على فيسبوك، قبل أن تعلن مؤسسة حرية الفكر والتعبير بعدها بساعات قليلة فصله من العمل.

تعلّق إسراء على اعتذار ناجي بالقول: "لم يكن الاعتراف والاعتذار نابعاً من إحساسه بالخطأ أو الندم على ما فعله، لكنه كان نابعاً من خوف من الفضيحة بعدما أخبرته صديقة بأنني بالفعل بدأت بالتواصل مع بعض الناجيات اللواتي تأذين منه لجمع شهادتهن وللقيام بحملة ضده وضد أفعاله، وبمجرد أن بلغه الأمر حاول التواصل معي عن طريق صديقة مشتركة للاعتذار لكنّي رفضت، الأمر الذي دفعه إلى استباقي بخطوة وإعلان اعتذاره الذي لم أقبله".

وأضافت: "رفضت اعتذاره أيضاً لأن حادثة اعتدائه عليّ لم تكن صدفة ولا فكرة وليدة اللحظة، بل كانت حادثة مخططاً لها فقد استدرجني عن طريق كذبة، واتضح لي بعد ذلك أن سلوكه وطريقته هذه اعتمدها مع فتيات أخريات، وأنّي أنا لست حالة فريدة، هذا إلى جانب الترهيب الذي تعرّضت له منه بعد علمه بمشاركة ما حدث لي مع صديق مشترك بيننا، فقد اتصل بي وجاء أثناء تواجدي في أحد الأماكن العامة وهددني بعدم الحديث عن الأمر مرة أخرى، مستغلاً سلطته عليّ في مكان العمل حينها".



استغلال السلطة

كما شهدت منظمات مجتمع مدني اعتداءات وتحرشات جنسية واستغلال للسلطة، كان الحال في مؤسسات صحافية.

الصحافية الشابة فاطمة عاهد (22 عاماً) تعرّضت لحادثة تحرش جنسي رافقتها عروض بممارسة الجنس من مدير التحرير الذي عملت معه على مدار عام كامل في إحدى المؤسسات الصحافية الخاصة.

تروي الفتاة العشرينية لرصيف22: "أثناء عملي على مدار العام الماضي في مؤسسة صحافية معروفة، حاول مدير تحريري التقرّب منّي أكثر من مرة، لكني صارحته أكثر من مرة بأني لا أرغب في إقامة أي نوع من العلاقات، وطلبت منه أن يلتزم بمهام عمله فقط، لكنه لم يتوقف ووصل به الأمر إلى محاولته إمساك يدي بدون إذني أثناء عودتنا إلى المكتب، بعد مهمة عمل شاقة، ومن ثم توالت العروض الجنسية بحجة أنه يحبني ويريد التقرب مني".

وتضيف عاهد: "في آخر الأمر، وبعدما ضقت ذرعاً منه قررت أن أهدده بالفضيحة، وبالفعل لم يكرر عروضه لكنه بدأ في فرض حسومات من راتبي والتعنّت على مستوى العمل دون مبرر واضح، حتى قررت الرحيل من المؤسسة والبحث عن فرصة عمل أخرى".

"مبرره أنه لم يكن في وعيه التام"

ما تعرَّضت له فاطمة لم يختلف عمّا تعرضت له سلوى الأمير (اسم مستعار) داخل مؤسسة صحافية قومية (حكومية) تعمل فيها منذ سبع سنوات، وعانت خلالها من حوادث تحرش واستغلال للسلطة في العمل.

"بعدما ضقت ذرعاً منه قررت أن أهدده بالفضيحة، وبالفعل لم يكرر عروضه لكنه بدأ في فرض حسومات من راتبي والتعنّت على مستوى العمل دون مبرر واضح، حتى قررت الرحيل من المؤسسة والبحث عن فرصة عمل أخرى"

تروي الشابة البالغة من العمر 26 عاماً لرصيف22: "أول مرة تعرضت فيها للتحرش كانت عام 2016 من رئيس التحرير العجوز الذي كان يبلغ من العمر 62 عاماً. كان كثيراً ما يأتي إلى العمل وهو مخمور (سكران)، وفي إحدى المرات استدعاني إلى مكتبه للحديث في أمور العمل، وعندما ذهبت مدّ يده للسلام إلا أنّي فوجئت به يجذبني تجاهه في محاوله منه لتقبيلي دون رغبة مني. حاولت الدفاع عن نفسي حتى تمكنت من دفعه بعيداً فسقط على الأرض من قوة الدفعة، وبعدها بأيام قدّم لي اعتذراً وكان مبرره أنه لم يكن في وعيه التام".

المرة الثانية كانت بعدها بعامين تقريباً "من مدير التحرير الذي كان يبلغ من العمر 35 عاماً. عرض عليّ عرضاً جنسياً فنهرته بشدة وهددته بتقديم شكوى ضده فبدأت رحلة التعنت في العمل ورفض مواضيعي الصحافية بدون مبررات، واشتكيت كثيراً لرئيس التحرير لكن دون جدوى".

ما خفي أعظم

أغلب الحكايات التي ظهرت خلال الفترة الماضية كانت قديمة ومرّ على حدوثها سنوات، لكن السنوات لم تمحُ الذكرى ولم تساعد الناجيات على نسيان ما حدث بل ظلت الانتهاكات محفورة في قاع الذكريات حتى طفت على السطح وظهرت إلى العلن، بعدما تشجعت صاحبات الروايات. لكن ما خفي كان أعظم.

عن أسباب الصمت وقت وقوع الحادثة، تقول مسؤولة وحدة الدعم النفسي في مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون ميرا مرقس إن "هناك بعض الأحاسيس التي تشعر بها النساء أثناء الحادثة تجعلهنّ يصمتن، وربما يطول الصمت لسنوات، ومن بين تلك الأحاسيس الخزي كرد فعل تلقائي يجعل ضحية الإعتداء الجنسي تلوم نفسها على ما حدث وكأنها هي مَن جنت على نفسها، وهذا يجعلها تظل تدور في حلقة مفرغة من لوم النفس".

وتضيف مرقس لرصيف22: "إلى جانب ذلك، هنالك إحساس الإنكار والتقليل من الحدث، وأيضاً الشعور باليأس وقلة الحيلة، فالمجتمع المصري اعتاد على لوم الضحية، هذا بالإضافة إلى وجود قوانين غير رادعة وتفعيلها ضعيف وفيها كثير من الثغرات التي تسمح بإفلات الجناة من العقاب. ولكل ذلك تشعر النساء بأنهن غير قادرات على السعي وراء حقوقهن وملاحقة الجناة".

"والخوف يُعَدّ من أكبر المعوقات التي تقابل النساء في التعامل مع الإيذاء الجنسي"، تتابع، فـ"لا يمكن حصر حجم وأنواع المخاوف التي تراودهن ابتداءً من الخوف على سمعتهن نظراً إلى النزعة المجتمعية في لوم الضحية مروراً بالخوف من التهديدات والابتزازات التي يقوم بها الشخص المعتدي إلى الخوف من فقدان وظائفهن".

لماذا الحديث بعد سنوات؟

ترى مرقس أن هناك أسباباً عدة تجعل السيدات يتحدثن عما تعرضن له بعد سنوات من الواقعة من ضمنها "الرغبة بالتعافي، وتغيّر موازين القوة، فالحملات النسوية التي تظهر كل فترة مثل حملة ‘أنا أيضاً’ وغيرها تمدّ النساء بالكثير من الشجاعة والقوة للحكي، وأخيراً فإن الدعم المجتمعي مثل توجّه الدولة مؤخراً عبر المجلس القومي للمرأة للاهتمام بقضايا الاعتداءات الجنسية وعبر تحرك النائب العام في عدة قضايا للقبض على المتهمين يشجع الناجيات على الحديث والإحساس بوجود أمل في أن يحصلن على حقوقهن عبر القانون".

"أول مرة تعرضت فيها للتحرش كانت عام 2016 من رئيس التحرير العجوز الذي كان يبلغ من العمر 62 عاماً. كان كثيراً ما يأتي إلى العمل وهو مخمور (سكران)، وفي إحدى المرات استدعاني إلى مكتبه للحديث في أمور العمل، و..."

وكان مجلس الوزراء المصري قد صادق على مشروع قانون يقضي بحماية سمعة المجني عليهم في جرائم هتك العرض والتحرش، عبر عدم الكشف عن هويتهم. وجاء في نص المشروع "أن يكون لقاضي التحقيق لظرف يُقدّره، عدم إثبات بيانات المجني عليه... وينشأ في الحالة المشار إليها ملف فرعي يضمن سرية بيانات المجني عليه كاملة، يعرض على المحكمة والمتهم والدفاع كلما طُلب ذلك".

تشيد مايا مرسي، رئيسة المجلس القومي للمرأة، بالقانون، لافتة إلى أنه سيعطي دفعة للضحايا للإبلاغ دون خوف أو تردد، وتدعو جميع الفتيات المجني عليهن إلى تقديم بلاغات رسمية ضد المتهمين حتى ينالوا عقابهم، مشيرة إلى أن المجلس سيدعم الفتيات على المستويين النفسي والقانوني.

تهديد بالتشهير

هناك مخاوف أخرى ذكرتها بعض الفتيات اللواتي حكين تجاربهن على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضمنت حكاياتن أسماء المتهمين وجهات العمل، فقد تعرّضن للتهديد بقضايا تشهير، ما دفع بعضهن إلى حذف شهاداتنّ.

وتعليقاً على الأمر، تقول المحامية عزيزة الطويل إن الحكايات المنسوبة إلى أشخاص بعينهم من الممكن أن تضر بأصحابها، لأن ذلك يُعَدّ تشهيراً وفقاً للقانون المصري ومن السهل أن تُرفع دعوى قضائية بسبب هذه النوعية من التدوينات.

وتابعت: "يأتي هذا وفقاً لقانون تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 إذ نصت المادة 26 منه على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن مئة ألف جنيه ولا تتجاوز ثلاثمئة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل مَن تعمّد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه".

وتؤكد المحامية أنه بالرغم من أن الحكي ضرورة لفضح المتهمين، لكن الأمر يُعَدّ خطراً، وتشير إلى أن المتهم الحقيقي سيخشى من تقديم بلاغ بتهمة التشهير خوفاً من إثبات فعله. وهذا ما حدث، فبالرغم من تعدد الحكايات لم يقدَّم أي بلاغ بتهمة التشهير.

جزء من المجتمع

ترى القيادية البارزة في مؤسسة المرأة الجديدة منى عزت أن الحوادث والاعتداءات الجنسية التي ظهرت في مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الصحافية طبيعية "فهي جزء من بيئة العمل في مصر التي لا تخلو من الانتهاكات ضد النساء، والعاملون في تلك المؤسسات ليس بالضرورة أن يكونوا مؤمنين بالقيم والمبادئ التي يدافعون عنها، فالكثيرون منهم يتخذون الأمر مجرد ‘لقمة عيش’ ولا يعملون على أساس مبادئ أو قيم، بالإضافة إلى أن الرجال في تلك المؤسسات هم من قلب المجتمع المصري الذكوري الذي ينتهك السيدات وينظر إليهنّ نظرة دونية واستغلالية".

وتضيف: "ما حدث كان عبارة عن رفع الغطاء والتجرؤ في الحكي وتجنّب الخوف من التعرّي أمام النظام المعادي لهم".

ووصفت عزت لجان التحقيق الإداري التي شكلتها بعض مؤسسات المجتمع المدني لإجراء تحقيقات في اتهامات تحرش واعتداءات جنسية بالإيجابية ورأت فيها فرصة جيدة لتبنّي تلك المؤسسات لمدوّنة سلوك يقوم الموظف بالتوقيع عليها مع استلام العمل، ما سيساهم بشكل كبير في التخلص من الانتهاكات بحق السيدات داخل مؤسسات العمل.

ورفضت عزّت دعوات البعض إلى الاكتفاء بالتحقيقات الإدارية وعدم التوجه نحو المسار القانوني ووصفتها بـ"التهريج والعبث والازدواجية"، وقالت: "طالبنا بتطبيق القانون على المتهم أحمد بسام زكي الذي اغتصب وتحرش بعدد من الفتيات وعندما ظهر الأمر بيننا نقول لن نذهب إلى مؤسسات الدولة لأنها تعادينا! هذا هراء فالتحرش والاعتداءات الجنسية جريمة والمجرم مكانه السجن، لكن في الأول والأخير صاحبات القرار هنّ الناجيات فقط ولا بد من دعمهن في كل الأحول".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard