"أحس بالطمأنينة والسعادة"... حكايات بائعي الديلفري أثناء حظر التجوال في غزة

الأحد 6 سبتمبر 202005:08 م
وجدت مقولة "رب ضارة نافعة" طريقها نحو الشاب أحمد العوضي (27 عاماً)، من مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة، فمنذ صباح أحد عشر عاماً كان ينطلق على دراجته النارية بين أزقة الشوارع، وعناوين المطاعم والمنازل للعمل مع إحدى شركات التوصيل (ديلفري)، ولكنه لم يستطيع حينها الحصول على فرصة حقيقية يوفر بها قوت أطفاله، حتى جاءت أزمة فيروس كورونا بتداعياتها، وفرض الإغلاق وحظر التجول على كافة محافظات قطاع غزة، فكانت فرصة ثمينة ليوفر من خلالها رزق عائلته وأطفاله.

يقول العوضي، الحاصل على درجة البكالوريوس في العلاقات العامة والإعلان، لرصيف22: "جمعت ثمن الدراجة النارية عن طريق الدين، والتحقت في العمل عن طريق شركة يمامة ديلفري، وهي أول شركة مختصة في الخدمات اللوجستية والتوصيل، وكنت أعمل لمدة 14 ساعة، وخلال عملي تلك السنوات درست الجامعة، وعندما كان يأتي موعد المحاضرة كنت أذهب إليها، وأترك دراجتي النارية والتي تحمل صندوق يمامة ديلفري على الباب، حتى انتهيت من دراسة الجامعة. كنت أصرف على نفسي من كتب وتسجيل وأوراق الدراسة من ثمن عملي في الديلفري".

ويتابع العوضي بشغف: "بعد التخرج من الطبيعي في غزة ألا أجد فرصة عمل أو وظيفة، لذلك أكملت عملي في مهنة الديلفري، حتى أصبح لدي اسم معروف فيها وزبائن أعمل على طلباتهم يومياً، بسبب تعاملي معهم بأمانة وسرعة، ولدي أسلوب لبق في المعاملة وتقديم الخدمة للزبون على أكمل وجه، خصوصاً أن تفهم منه "ع الطاير" وصف المكان المطلوب منك أن تذهب إليه، ومعظم الزبائن لا تعجبهم كلمة "بعرفش المكان". حتى مر بي الزمن وتزوجت قبل 6 سنوات، وأنجبت ولداً وبنتاً".

إقبال على موظفي الديلفري

ويوضح العوضي التغيرات التي طرأت على مهنته بسبب تداعي انتشار جائحة كورونا، يقول: "خلال حظر التجول في غزة الذي فرضه فيروس كورونا، ومنع المواطنين من الخروج لشراء أغراضهم الأساسية والمعيشية، ولكثرة العدد الهائل من طلبات الزبائن أصبح مصدر رزقي مضاعفاً مقارنة بتلك الأيام الطبيعية".

ويضيف العوضي: "في ناس كتير ولا مرة تعاملت معي، ولكن خلال هذه الأزمة أصبحوا زبائني، وأشعر بالسعادة عندما أستطيع أن أوفر احتياجات شخص ما، وهو غير قادر على الخروج من المنزل، حتى لو طلب مني علبة سجاير أكون أنا سبب لتكييف دماغه".

"لكثرة العدد الهائل من طلبات الزبائن أصبح مصدر رزقي مضاعفاً مقارنة بتلك الأيام الطبيعية"

ويقول جميل اليازجي، مدير شركة حمامة للخدمات اللوجستية والتوصيل: "في أول أيام الحجر وفرض حظر التجول، كانت الطلبات من كافة أرجاء القطاع بكثرة، خاصة من الجنوب والمنطقة الوسطى، بعد ما تم الحصول على تصريح تجول من وزارة الصحة والداخلية، حيث نخاطر بأنفسنا من أجل أبناء مجتمعنا بأن يكون خالياً من الوباء".

ويتابع اليازجي حديثه لرصيف22: "أكثر الأشياء التي تطلب من موظفي الديلفري هي ضروريات العيش، مثل الدواء والخضار والخبز والدجاج والتموين، ونتعامل بمسؤولية كبيرة في ظل هذه الظروف الحساسة، حيث يخشى المواطن من خطر الإصابة بالفيروس، ونتعامل بمبدأ: خليك إحنا بنجيك".

وعن إجراءات السلامة والوقاية لموظفي الديلفري، يقول اليازجي: "سلامة الموظف لدينا تساوي سلامة الزبون، فهو يلتزم بارتداء الكفوف والكمامة بشكل دائم طوال الخدمة، ويتم تعقيم الطرد ويديه وكل ما يلمسه أولاً بأول، والمعقمات موجودة مع موظف الديلفري بشكل مستمر، فنحن نساعد على حصر الوباء وليس انتشاره".

الشرطة تسهّل مهام "الديلفري"

"وجدنا إقبالاً كبيراً من الجمهور الغزي خلال أزمة كورونا أكثر من الأيام الطبيعية"، يقول اليازجي: "شعرت بالطمأنينة عندما اتخذت قراراً بفتح الشركة، واستمريت بالعمل حتى أخدم أبناء مجتمعي، سواء الجمهور أو العاملين من موظفي الديلفري، الذين وجدو فرصة عمل جديدة لهم في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، حيث تم قبول طلب 12 شاباً للعمل في شركة التوصيل خلال أول أربع أيام من فرض حظر التجول، فكان أغلبهم ممن فقد عمله، ليصبح عدد موظفي الديلفري لدى الشركة، خلال فترة الطوارئ وأثناء حظر التجوال، 50 موظفاً، هدفهم توفير المنتج وتقديم الخدمة المطلوبة للمواطنين خلال وقت قليل".

محمد الغول (28 عاماً)، حاصل على شهادة سكرتارية دولية، واحد من الشباب الذين التحقوا بالعمل في شركة التوصيل خلال فترة حظر التجول في غزة. يقول لرصيف22: "كنت أعمل في السوق وأحصل على القوت اليومي، بعد فقدان الأمل في الحصول على أي وظيفة بعد التخرج من الجامعة، لكن عندما جاءت جائحة كورونا واكتشفت الإصابات داخل القطاع، لم يكن أمامي سوى أن أعمل سائق ديلفري حتى أستطيع أن أوفر رزق أبنائي وعائلتي، ودفع إيجار البيت الذي نقطن فيه غرب مدينة غزة".

"خسرت عملي في السوق بسبب كورونا، وأعمل ديلفري على دراجة استعرتها من صديق".

ويتابع: "استعرت دراجة نارية من أحد أصدقائي، واتفقت معه على الأجرة التي أحصل عليها من عمل الديلفري، أن يذهب جزء منها له والباقي لي".

تنتاب الغول مشاعر متناقضة حول مهنته، يقول: "شعور جميل يراودني حين أقوم بخدمة أبناء شعبي في ظل هذا الجائحة البشعة، لكن بنفس الوقت من سلبيات هذه المهنة أنه توجد فئة من الأشخاص يتعاملون مع عامل الديلفري كأنه يحمل الوباء، فيكون لديهم هوس من المرض، لا يطلبون حتى الديلفري خوفاً من أن يكون الفيروس موجود على الظروف التي تحمل الطلب، بالرغم من اتباعي لكافة الإجراءات الوقائية، من لبس الكمامة ورش المعقمات على الظروف والطرود".

"الشرطة الموجودة على الحواجز والمفترقات لديها أوامر بتسهيل مهمتهم وعدم إيقافهم"

المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية في غزة، العقيد أيمن البطنيجي، يقول لرصيف22: "هناك تسهيلات واضحة منذ بداية حظر التجول نتيجة انتشار وباء كورونا وعدم وصول الناس إلى طلباتهم واحتياجاتهم المعيشية، فكان من الضروري أن نسهل عملية الحركة لموظفي الديلفري في غزة، والذين يقومون بشراء المواد الأساسية للبيوت، بالرغم أن معظم الناس لديها ما تحتاج من مواد تموينية، لكن البعض الآخر يحتاج أشياء أخرى ضرورية ومهمة، فهذا الأمر سهّل عليهم عملية التنقل خارج بيوتهم".

وأشار البطنيجي إلى انتشار سائقي الديلفري بشكل واضح وكبير في شوارع القطاع، والشرطة الموجودة على الحواجز والمفترقات لديها أوامر بتسهيل مهمتهم وعدم إيقافهم، بشرط أن يكون السائق الذي يقود الدراجة النارية يحمل على البوكس (الحقيبة) اسم الشركة التي يعمل من خلالها أو اسم الديلفري، وملتزم بكافة إجراءات الوقائية من ارتداء الكمامة وقفازات اليد.

"الوسيلة الوحيدة للحصول على الحاجيات"

تختلف آراء الناس حول مهنة وخدمة الديلفري، فالبعض يتخوف منها، بينما يرى آخرون أنها الوسيلة المتاحة لتلبية احتياجاتهم.

يرى المواطن زياد أبو خوصة، والذي يعمل موظفاً في شركة إعلامية، أنه استفاد من تلك الخدمة، خاصة أنها أصبحت الوسيلة الوحيدة للحصول على الحاجيات اليومية للمنزل، في ظل حالة منع التجول المفروضة على غزة منذ أكثر من أسبوع.

ويقول زياد لرصيف22: "على الأقل إجراءات شركات الدليفري متابعة من الأجهزة الحكومية، خاصة بالالتزام بوسائل الأمان والتعقيم. وهذه الخدمة وفرت علينا عناء المخالطة التي قد تحدث في المراكز التجارية والمحال المختلفة. وبالعادة عند وصول الطرد المطلوب من الشركة نقوم بأخذ كل إجراءات السلامة والتعقيم للطرد قبل دخوله للمنزل، منعاً لانتشار الفيروس، على الرغم من التكلفة المالية التي لا يستطيع كل الأشخاص بغزة تحملها، بسبب الضائقة المالية والاقتصادية التي يعاني منها سكان القطاع".

"الدليفري يجيب كل إشي للبيت".

وتوافقه لمي رضوان الرأي، تقول: "استفدنا من خدمة الديلفري لأنها تمنع الاختلاط، بحيث أنه بتخلي الكل في بيته من دون زحمة واختلاط، ومن ناحية التعقيم إحنا نتعامل مع دليفيري بجيب كل إشي للبيت يكون لابس كمامة وكل الاحتياطات اللازمة".

بينما تعترض الشابة روان الكتري على خدمة الديلفري، وتقول لرصيف22: "الاستفادة من هذه الخدمة ممكن أن تكون خطيرة، بسبب قلق الناس من أي دخيل على منازلهم، فمن الممكن أن يحمل الفيروس لهم"، وتوافقها الرأي المواطنة رهف أبو نحلة.

تقول رهف: "ممكن أن يكون السائق حامل الفايروس دون أن يعلم، وينقله عبر الأكياس من بيت إلى بيت، الموضوع يحتاج إلى تنظيم أكثر من ذلك".

وتقترح رهف فتح "ماركت" كبيرة، يدخل فيها الناس مع أخذ كافة احتياطاتهم والتعقيم بشكل أكبر، تماماً مثلما سمعت بما تفعله الإمارات، تقول: "هذا الوباء ليس مقتصراً على غزة فقط، فبصمته بين دول العالم أجمع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard