تلويح بـ"فك الارتباط"... كيف يُقرأ اجتماع الفصائل الفلسطينية "النادر" بين رام الله وبيروت؟

السبت 5 سبتمبر 202011:54 ص

بينما يواصل قطار التطبيع العربي مع إسرائيل السير، بدأت القيادة الفلسطينية في البحث عن وسائل تساعدها على إظهار موقف أكثر وضوحاً، فكان الاجتماع الأول من نوعه منذ نحو عشر سنوات للفصائل الفلسطينية بين رام الله وبيروت، بموازاة استدعاء القيادة لسفيرها من أبو ظبي، ومن ثم التلويح بفكرة "فك الارتباط" مع الدول العربية.

وكانت جامعة الدول العربية قد تجاهلت طلباً فلسطينياً لمناقشة اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، حيث رفضت البحرين طلباً فلسطينياً بعقد اجتماع طارئ للجامعة على مستوى الوزراء، كما رفضت مشروع قرار فلسطيني يعتبر أن الإعلان الإماراتي - الإسرائيلي - الأمريكي لا ينتقص من الإجماع العربي بشأن القضية الفلسطينية.

وبرّرت المنامة رفضها للمشروع الفلسطيني بحجة اقتراب موعد الاجتماع العادي للجامعة العربية المقرر في التاسع من أيلول/سبتمبر الحالي، معتبرة أن من الممكن مناقشة الموضوع حينها.

أثار رد الفعل العربي خيبة أمل ظهرت في "الاجتماع النادر" الذي عُقد في مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله وفي العاصمة اللبنانية بيروت عبر تقنية "الفيديو كونفرنس". وشاركت فيه حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، إضافة إلى اثني عشر فصيلاً من منظمة التحرير الفلسطينية.

اجتماع الفصائل

بحسب مسؤولين فلسطينيين، شارك مندوبو ثمانية فصائل في الاجتماع المنعقد في مقر الرئاسة برام الله بحضور أعضاء اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية لحركة فتح، وفي مقدمتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وضمت قائمة المشاركين في اجتماع رام الله كل من حركة فتح وحزب الشعب وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي وحزب فدا والجبهة العربية الفلسطينية وجبهة التحرير العربية وحركة المبادرة.

وشارك مندوبو ستة فصائل عبر تقنية "الفيديو كونفرنس" من مقر السفارة الفلسطينية في لبنان، وهم الذين لم يتمكنوا من دخول الضفة الغربية المحتلة.

وفي مقدمة المشاركين في الاجتماع من بيروت كل من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية وأمين عام حركة الجهاد زياد النخالة ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية أبو أحمد فؤاد ونائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية فهد سليمان والأمين العام لمنظمة الصاعقة معين حامد الأمين العام ونائب الأمين العام لمنظمة القيادة العامة طلال ناجي.

واتفق ممثلو الفصائل الفلسطينية خلال الاجتماع الذي ترأسه عباس، على ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتحقيق الوحدة الوطنية، وضرورة تفعيل المقاومة بكافة أشكالها، ومواجهة خطط إسرائيل لضم مناطق من الضفة الغربية ومجابهة مشاريع التطبيع.

كما اتفقت الفصائل الفلسطينية على وضع آلية لتنفيذ البيان الختامي تتضمن "تشكيل لجنة تقدم رؤية استراتيجية خلال 5 أسابيع لتحقيق إنهاء الانقسام"، فضلاً عن "تشكيل لجنة وطنية لقيادة المقاومة الشعبية الشاملة".

قراءة في الاجتماع

قال الباحث في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" والأكاديمي الفلسطيني أحمد حسين إن اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية موجه بشكل رئيسي إلى الداخل الفلسطيني لترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء مشروع وطني فلسطيني جامع، بمنظور جديد لطبيعة التحولات في النظام الدولي.

ولفت حسين، في حديثه لرصيف22، إلى أن الاجتماع جاء في وقت لم تعد الولايات المتحدة فيه الوسيط النزيه والحيادي الواجب الاعتماد عليه في أية عملية تسوية سياسية مستقبلية، وحيث من الضروري التركيز على الوحدة الوطنية الفلسطينية عبر طي صفحة الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير وضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة والدعوة لانتخابات مجلس وطني فلسطيني جديد.

"الهدف من هذا الاجتماع كان تجديد شرعية أبو مازن وإعادة أحياء فصائل ميتة، ونتيجته سوف تظهر بعد 5 أسابيع وهو الوقت المحدد لتشكيل لجنة لإنهاء الانقسام"

وقال حسين: "من أهداف الاجتماع الانفتاح على الشتات الفلسطيني الذي يشكل قوة مهمة في دعم القضية الفلسطينية والذي يحتاج إلى قيادة فلسطينية موحدة تنظمه وتجمع قوته في كثير من دول العالم، ومنها أوروبا وكندا وأستراليا والدول العربية".

وقال المحلل السياسي عبد المهدي مطاوع، من جهته، إن هذا الاجتماع يختلف عن سابق الاجتماعات من ناحية الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، ووضع حماس في غزة، والضغوط الممارسة على الرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير من أجل الاستجابة والخضوع لإملاءات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبرنامج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستيطاني.

وأضاف مطاوع لرصيف22: "يأتي هذا الاجتماع أيضاً تلبية لمطلب قديم تمسكت به حماس وحلفائها لإتمام المصالحة، وهو عقد اجتماع الفصائل الفلسطينية"، معتبراً أن الموقف الفلسطيني الموحد والخروج من هذا الوضع الانقسامي الحالي سيعزز المواجهة ويغير المعادلة.

وقال مطاوع إن مشاركة هنية مرتبطة بالانتخابات الداخلية في حماس وصراع النفوذ، والذي من ضمنه إتمام المصالحة وترتيب الوضع الداخلي لحماس، معتبراً أن هذا الاجتماع يؤسس لمرحلة مختلفة قد تتضمن قرارات جريئة تُغيّر من الوضع بشكل كامل.

من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية أيمن الرقب إن هذا الاجتماع الذي ينعقد من رام الله إلى بيروت وبمشاركة من دمشق كان من الواجب عقده منذ أكثر من 15 عاماً لكنه تأخر كثيراً.

وأضاف الرقب لرصيف22 أن هذا الاجتماع له أهمية خاصة كونه يضم كل الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركتي حماس والجهاد الاسلامي، وعلى أجندته وضع آليات لإنهاء الانقسام الفلسطيني ومقاومة صفقة ترامب وكذلك اتخاذ موقف من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، وترتيب منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتبني استراتيجية وطنية واحدة.

واعتبر الرقب أن "الهدف من هذا الاجتماع كان تجديد شرعية أبو مازن وإعادة أحياء فصائل ميتة"، مشيراً إلى أن نتيجته سوف تظهر بعد 5 أسابيع وهو الوقت المحدد لتشكيل لجنة لإنهاء الانقسام.

من جانبه، قال الإعلامي الفلسطيني أسامة عامر إن هذا الاجتماع يُعد تحولاً استراتيجياً، ولكن "يبقى المطلوب ترجمة هذا اللقاء على أرض الواقع، وتحمل المسؤولية في تنفيذ ما قاله الممثلون كي يلمس الشعب الفلسطيني تغييراً جديداً".

وقال عامر لرصيف22 إن الترجمة الحقيقية هو أن يقوم عباس بوقف كافة الإجراءات العقابية التي تم فرضها على قطاع غزة وسحب الإعتراف بإسرائيل الذي أعلنه الرئيس الراحل ياسر عرفات في اتفاقية أوسلو.

"فك الارتباط"

في الأيام الماضية، انتشر حديث بين أوساط فلسطينية عن إمكانية التلويح بفك الارتباط مع حكومات الدول العربية طالما اختارت السير في مسلك التطبيع.

هذا الاتجاه ظهر جلياً في خطاب عباس أمام الفصائل الفلسطينية، عندما كرّر عدة عبارات على شاكلة أن القيادة الفلسطينية بدأت تتعامل بمنهج جديد مع الدول العربية، وقال: "لا يمكن أن نقبل أن يتحدث أحد باسمنا، لم ولن نفوض أحداً يتكلم عنا، ونحن الذين نتكلم فقط عن قضيتنا الفلسطينية ولا نريد شيئاً من أحد".

زاد الشعور الفلسطيني بضرورة إيجاد طريقة جديدة للتعامل مع الدول العربية بعدما تجاهلت جامعة الدول العربية طلب فلسطين عقد اجتماع عاجل لبحث توقيع الإمارات على اتفاق للتطبيع مع إسرائيل.

ولا يبدو أن خطاب الرئيس الفلسطيني يقتصر على الإمارات، إذ عمّم عباس حديثه في 18 آب/أغسطس على كل الدول العربية قائلاً: القدس أضحت بعيدة عن ‘الذاكرة العربية‘ ولن نسمح لأحد أن يتكلم باسمنا".

وقال مطاوع: "هذا الحديث وكلام الرئيس الفلسطيني إشارة للمحاولة الإسرائيلية المبنية على فكرة أن السلام يبدأ من الدول العربية ثم يأتي بعدها حل القضية الفلسطينية كما يحاول نتنياهو الترويج. وهذا واضح عندما بررت الإمارات تطبيعها مع إسرائيل بأنه لإيقاف الضم دون حتى معرفة أو إبلاغ الفلسطينيين، وهذا نوع من محاولة فرض الوصاية".

وأضاف: "القرار الفلسطيني مستقل ولا وصاية عليه من أي كان، وهذا ما أراده الرئيس الفلسطيني التعبير عنه".

زاد الشعور الفلسطيني بضرورة إيجاد طريقة جديدة للتعامل مع الدول العربية بعدما تجاهلت جامعة الدول العربية طلب فلسطين عقد اجتماع عاجل لبحث توقيع الإمارات على اتفاق للتطبيع مع إسرائيل... ما الذي خرج من اجتماع الفصائل الفلسطينية بين رام الله وبيروت؟  

ورأى الرقب أن من الواضح وجود فك ارتباط من قبل القيادة الفلسطينية مع الدول العربية لكن بشكل غير علني حتى الآن، محذراً الرئيس الفلسطيني أن الدول العربية هي التي تمنحه الشرعية.

وقال الرقب: "رداً على هذه الخطوة قد تطالب جامعة الدول العربية بإجراء انتخابات بفلسطين لتجديد القيادة الفلسطينية ويمكن الضغط عبر الولايات المتحدة الأمريكية على إسرائيل لتسهيل إجرائها، وعليه يتم التخلص من أبو مازن".

وألمح الرقب إلى أن عملية فك الارتباط ستكون مع دول عربية معينة، مشيراً إلى أن "محور قطر وتركيا وإيران هو وجهة الفصائل الفلسطينية بما فيهم أبو مازن".

من جانبه، رأى الباحث السياسي والأكاديمي الفلسطيني أحمد حسين أن فك الأرتباط طرح غير واقعي وغير عقلاني ولا يمكن الحديث عن القضية الفلسطينية دون العمق العربي والإسلامي.

وقال حسين لرصيف22: "لا يوجد في الأدبيات السياسية الفلسطينية مفهوم أو مصطلح فك الارتباط عن الدول العربية ولا يوجد فصيل فلسطيني ينادي به".

هل كان الاجتماع مناسباً للبنان؟

في الأول من الشهر الحالي، أبلغت السلطات اللبنانية الفصائل الفلسطينية اعتذارها عن السماح لممثلي المنظمات الفلسطينية بالمشاركة في الاجتماع المنعقد في رام الله عبر الفيديو كونفيرنس من الأراضي اللبنانية.

لكن سرعان ما تم التراجع عن القرار، وسُمح لممثلي الفصائل بالقدوم إلى لبنان للمشاركة في الاجتماع من سفارة فلسطين في بيروت.

وبحسب الرقب، "من الواضح أن هناك ضغوطاً تمت ممارستها على لبنان لاستضافة ممثلي الفصائل الفلسطينية غير القادرين على حضور الاجتماع في رام الله ".

ورأى مطاوع أن "حزب الله وفصائل الممانعة التي تمتاز بعلاقات مع إيران والنظام السوري كان لها مصلحة في عقد هذا اللقاء في بيروت، في رسالة مفادها أن لبنان لا يزال يستضيف قادة الفصائل في حين أن الدول العربية لا تقوم بهذه الخطوة استجابة للضغوط الإدارة الأمريكية".

وذكر مطاوع أنه يمكن أن يستخدم هذا الاجتماع كدليل على أنهم يؤثرون في القضية الفلسطينية، ويتمكنوا من تحقيق مكاسب في الصراع بين الأطراف العربية المختلفة من خلال هذه الورقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard