سوق سوداء للكحول في العراق... البيع بحرية بـ"رعاية" الجماعات المسلحة

الخميس 10 ديسمبر 202011:27 ص

منذ الصباح الباكر، بدأ علي (اسم مستعار) الذي يسكن إحدى محافظات العراق الجنوبية سعيه لتأمين قنينة ويسكي وبعض قناني الجعة، تحضيراً لسهرة برفقة أصدقائه، لكن بحثه الذي استمر لساعات انتهى بفشله في الوصول عبر الهاتف لأحدٍ من بائعي المشروبات الروحية.

كان علي يعمل في بغداد ولا يزور محافظته إلا في فترات متباعدة، لكن الظروف التي فرضها انتشار فيروس كورونا أجبرته على العودة إلى منزل العائلة وممارسة العمل عن طريق الإنترنت.

يشكو علي الأمر لصديقه المقيم في المحافظة منذ زمن، فيردّ الأخير: "أُلقي القبض على كريم الأعرج منذ شهر وبحوزته كمية كبيرة من الكحول كان يحاول إدخالها للمحافظة، ما دفع ببائعين آخرين إلى تغيير أرقامهم كإجراء احترازي". والأعرج هو لقبٌ لبائع كحول معروف يتواصل مع الثقاة والزبائن المعروفين عبر الهاتف ويوصل لهم البضاعة إلى أماكن تواجدهم.

ينصحه الصديق بالذهاب بنفسه إلى منطقة (أ) التي تُعتبر معقلاً لبائعي الممنوعات. يروي علي لرصيف22 ما رآه هناك في مرة سابقة قائلاً: "المنطقة من العشوائيات، تتكدس فيها المنازل ببناء بدائي، لا تخلو من الخطورة، إذ قد تداهمها القوات الأمنية بشكل مفاجئ، وتضبط المتواجد هناك بأية لحظة، ناهيك عن سكان المنطقة الذين قد يسلبون كل ما يملكه الزائر بالقوة".

يسرد علي تجربته مع زيارة تلك المنطقة: "ذهبت قبل نحو سنتين إلى تلك المنطقة بعد الاتفاق مع شخص هناك اعتذر عن إيصال المشروبات، وعند وصولي خرج لأخذ الأموال أولاً ثم عاد إلى البيت لإحضار المشروبات، لكن بعد دخوله بلحظات دخلت دورية شرطة للمنطقة، ما جعلني أتظاهر بتعطل سيارتي فتساهلوا معي لمظهري ووضعي. تركت الأموال وهربت، لكن الرجل اتصل بي واعتذر مني، ثم أحضر البضاعة في اليوم التالي".

يقاطع صديق علي استذكار القصة، بالقول: "والله قديم أنت، المنطقة صايرة البتاويين هسه"، نسبة إلى منطقة البتاوين (وسط بغداد) وهي مركز بيع المشروبات والممنوعات، مستدركاً "متشوف محد يوصيك مثل قبل على شرب". وبتندر يقول له: "الله لا يعوزنه الك (الله لا يجعلنا بحاجة لك)".

"كافة بائعي الكحول يعملون الآن بحرية، إذ باتوا يجلسون عند أبواب منازلهم، يستقبلون الطلبات... سر التغيّر هو تسويات عقدوها مع جماعات مسلحة وعناصر في قوى الأمن، بدفع مبلغ أسبوعي، فيما تكون نسبة ثابتة من الأرباح للجماعات التي تتقاسم منافذ البيع"

باستغراب يستفهم علي من صديقه عن الوضع، فيقول الأخير إن "كافة بائعي الكحول يعملون الآن بحرية، إذ باتوا يجلسون عند أبواب منازلهم، يستقبلون الطلبات ثم يدخل أحدهم لإحضار المطلوب، وبأسعار قريبة من تلك المعروفة في بغداد، في حين أن بعضهم لديه محال كواجهة، مثل محل مواد غذائية، أو مكتب صغير لأكسسوارات الموبايل"، مبيناً أن "سر هذا التغيّر هو تسويات عقدوها مع جماعات مسلحة وعناصر في القوات الأمنية، من خلال دفع مبلغ مقطوع أسبوعياً، فيما تكون نسبة ثابتة من الأرباح للجماعات التي تتقاسم منافذ البيع في ما بينها".

ذهب علي وأحضر البضاعة وهو مندهش، فالجعة باردة لديهم، وأسعارها تكاد تكون قريبة من تلك الموجودة في بغداد، لكن الويسكي سعره مرتفع مقارنة بالعاصمة علماً أنه أصبح أكثر جودة مقارنة بالعهد القديم، في إشارة إلى تحسن الوضع بعد التسويات التي تحدث عنها صديقه.

يُخرج علي قنينة جعة باردة ويبدأ بشربها وهو يقود سيارته، وبعد نفس عميق وملامح وجهه لا تخلو من السعادة والفرح، يستذكر الوضع قبل نحو ستة أشهر، ويقول لرصيف22: "كانت الجعة تُؤمّن لسعيد الحظ فقط، لمن يشرب باستمرار ولديه معارف، ولا تتوفر سوى (الكاس)، وهي نوعية رديئة وبـ4 دولارات أي 3 أضعاف سعرها في بغداد، بينما اليوم اشتريت كورونا نوعية أفضل بكثير بدولارين وسعرها مقارب جداً لأسعار بغداد".

يُكمل علي استذكار المعاناة السابقة، قائلاً: "الويسكي لم يكن يتوفر منه سوى نوعية (بي جي)، وهي نوعية مغشوشة في كل العراق، لا يشربها في بغداد سوى المدمنين والفقراء، لكن نحن في المحافظة كنا نشربها وندفع مقابل اللتر الواحد 25 دولاراً، بالوقت الذي لا يتجاوز سعرها في بغداد 7 دولارات"، مبيناً أنه "استغرق وقتاً اليوم أمام البائع وهو يعدد النوعيات المتوفرة من الويسكي بأكثر من صنف، والفودكا، والعرق الأبيض".

معاناة التجار

في محاولة لمعرفة طريقة تهريب الكحول من العاصمة بغداد إلى المحافظات الجنوبية، تحدثنا إلى عدد من باعة المشروبات الكحولية برفقة علي أثناء شرائه للمرة الثانية، فعبّر هؤلاء عن عدم رغبتهم بكشف التفاصيل التي يعتبرونها من الأسرار، لكنهم أشاروا إلى تعدد الطرق، مؤكدين أن تسويات بيع المفرد على المواطنين وفرت لهم الحرية في البيع، لا تتضمن تأمين وصول البضاعة لهم، لكن في بعض الأحيان يُسهّل أفراد الجماعات المسلحة دخول البضاعة من خلال علاقتهم بأفراد أمن في السيطرات الخارجية.

وحول العقوبات التي يلاقيها من تُضبَط بحوزته كميات من المشروبات الكحولية، قالوا لرصيف22: "يُحكم من شهر إلى 6 أشهر أو يُغرّم بنحو 800 دولار أو كليهما، من تضبط بحوزته كمية تتجاوز الصندوق، مع مصادرتها".

أثناء السهرة يتداول أصدقاء علي الطرق الشائعة التي يستخدمها تجار الكحول لتهريب بضاعتهم.

يقول حمزة (اسم مستعار) إن "صديقه سائق شاحنة لنقل الوقود، يتعامل مع عدد من تجار المفرد في المحافظة حيث يؤمن لهم نقل بضاعته عبر إخفائها في الشاحنة ولا ينقل سوى كمية محددة لا تتجاوز 15 صندوقاً لضمان عدم العثور عليها من قبل السيطرات الأمنية".

من جهته، يقول حسن (اسم مستعار) الذي تربطه علاقة مصاهرة مع بائع كحول: "أصحاب الشاحنات الكبيرة يخفون الكحول وسط البضاعة التي ينقلونها، خاصة الأجهزة الكهربائية، بالإضافة إلى برادات نقل الأدوية والمواد الغذائية"، مبيناً أن "الأمر لا يخلو من ترتيبات مع عناصر أمنية في السيطرات عند مداخل المدن، يضمنون سلاسة المرور دون التركيز في التفتيش، مقابل كميات من الكحول".

قانون على المزاج

يشترط قانون منح إجازة فتح محل بيع المشروبات الكحولية أن يكون طالب الإجازة من الطوائف غير المسلمة، ويرهن منحها بموافقة مجلس المحافظة، وبما أن مجالس المحافظات تهيمن عليها القوى الإسلامية فلم تمنح أية إجازة في وسط العراق وجنوبه، ما يدفع المواطنين إلى الاعتماد على السوق السوداء.

لكن القانون لم يمنع حيازة كميات الاستخدام الشخصي، وعند محاولة المواطنين استثمار هذا التشريع يصطدمون بمزاج رجل الأمن في السيطرات الخارجية، إذ يعتمد الكثير على سائقي الأجرة أو على معارفهم القادمين من بغداد، خاصة المحافظات القريبة من العاصمة، في توفير كميات قليلة لهم.

بالرغم من علم سلام بهذه الفقرة من القانون إلا أنه يخفي المشروبات التي يأتي بها من بغداد، خوفاً من وقوعها تحت يد رجل أمن يسبب له مشكلة في بيئة عشائرية تتعامل مع القتل والسلب باعتبارهما جريمة أقل وطأة من شرب الكحول... قصص البحث عن كحول في السوق السوداء العراقية 

ويقول مصدر في قيادة شرطة إحدى المحافظات الجنوبية لرصيف22: "القانون يسمح بحيازة كميات الاستخدام الشخصي، ومنعها من قبل رجال الأمن تصرف شخصي يعاقب عليه القانون، وليس من حق رجل الأمن مصادرة أو محاسبة المواطن ما لم يرتكب فعلاً يجرمه القانون، مثل الشرب في مكان عام أو أثناء قيادة سيارة"، مبيناً أن "ما يساهم في استمرار هذه التجاوزات هو جهل المواطن بالقانون أو خوفه من تطور الموضوع، خاصة أن تناول الخمور يسبب وصمة عار اجتماعية".

بالرغم من علم سلام هادي (اسم مستعار) بهذه الفقرة من القانون إلا أنه يتخذ حزمة إجراءات لإخفاء المشروبات التي يأتي بها من بغداد، خوفاً من أن تقع تحت يد رجل أمن يسبب له مشكلة، مثل التشهير وتطور الموضوع خاصة في بيئة عشائرية تتعامل مع القتل والسلب باعتبارهما جريمة أقل وطأة من شرب الكحول.

يضيف هادي لرصيف22: "لا أنقل إلى محافظتي غير الفودكا، حيث أقوم بتحويلها بقنينة ماء بعد تفريغها، مستغلاً لونها المشابه للماء، ناهيك عن فتحها وتحويلها إلى قنينة الماء لا ينتج عنه أي رائحة، وأضعها بحرية تامة في السيارة"، لافتاً إلى أن "الكثير من معارفه الذين تسمح لهم هويات دوائرهم بالمرور عبر الخط العسكري يقومون بنقل الكميات والنوعيات التي يريدونها لمعارفهم وأصدقائهم".

الأنبار تستنشق رائحة الخمر

يبدو الأمر أقل تعقيداً في المحافظات الغربية، فالقوات الأمنية باتت أقل تشدداً في هذا الجانب، خاصة بعد تراجع تنظيم داعش وتحول المزاج العام ضد التطرف والخطاب الديني، إذ افتُتح في قضاء هيت بمحافظة الأنبار، مطلع عام 2019، أول متجر "رسمي" لبيع المشروبات الكحولية.

سرعان ما بدأ الأمر ينتشر في عموم المحافظة والمحافظات الأخرى، خاصة بعد توفير قوة أمنية لحماية المحال. ويُظهر تسجيل مصور سابق امتعاض قائد عمليات صلاح الدين وقتها ووزير الدفاع الحالي الفريق الركن جمعة عناد من الاعتراضات على فتح محال بيع الخمور، مستشهداً بآيات من القرآن حول حرية الدين والمعتقد.

ويعود منع المشروبات الروحية في المحافظات إلى تموز/ يوليو عام 1994، حين أصدر نظام الرئيس الأسبق صدام حسين القرار رقم 82 المتعلق بالمشروبات الكحولية، وجاء حينذاك في إطار "الحملة الإيمانية" التي قادها صدام بعد خسارته في الكويت عام 1991، والتي استهدفت بيوت البغاء وقرى الغجر بالإضافة إلى محال المشروبات الكحولية، ما عدا تلك الموجودة في العاصمة بغداد.

وكانت المشروبات الكحولية ومحلات بيع الخمور قبل ذلك التاريخ تنتشر في عموم البلاد بشكل طبيعي، ولا يقتصر الأمر على البيع إذ كانت النوادي مفتوحة في الأقضية والنواحي الصغيرة في المحافظات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard