"تغيّر لافت في الانتخابات"... خلفيات اهتمام جو بايدن بالناخب العربي

الأربعاء 2 سبتمبر 202003:17 م

للمرة الأولى في الانتخابات الأمريكية يتوجه برنامجٌ انتخابي للناخب العربي في الولايات المتحدة بهذا الشكل المباشر والواضح، وهو مؤشر يرى فيه محللون تغييراً بارزاً سيترك أثره في سياسات واشنطن الخاصة بالشرق الأوسط.

في برنامجه الانتخابي، أعلن المرشح الديمقراطي جو بايدن عن تركيزه على قضايا حقوق الإنسان، كما تعهد بإعادة المساعدات الأمريكية للفلسطينيين ومواجهة القادة المستبدين.

ويعتبر محللون في واشنطن أن سر اهتمام بايدن بالناخب العربي يعود إلى أن أصوات العرب - على قلتهم - في المشهد الانتخابي العام باتت حاسمة في ولايات متأرجحة مثل ميشيغن.

برنامج بايدن

في سابقة تاريخية، نشر بايدن قبل أيام قليلة برنامجاً تضمن تعهداً بمساعدة شعوب العالم العربي سواء كانوا ثائرين، أو يعانون من القمع، أو يعيشون حرباً أهلية، حسب وصفه. 

ولفت إلى أن كل بلد عربي يواجه مشاكله الخاصة، إلا أن الشكاوى الأساسية من الفقر والفساد وندرة الحرية تُشكل تحدياً مشتركاً، قائلاً: "كرئيس، سيتخذ بايدن خطوات فورية لإثبات أن الولايات المتحدة مستعدة لقيادة العالم مرة أخرى، والدفاع عن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية الأخرى التي نعتز بها".

وتعهد بايدن بإعطاء الأولوية للجهود المبذولة من أجل حلّ النزاعات من خلال المفاوضات واستخدام كافة الأدوات الدبلوماسية والمساعدات الخارجية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان والتنمية ومكافحة العنف والتمييز.

وأقرّ بايدن أن بلاده لا تستطيع أن تملي سياستها في المجتمعات المعقدة ولا حتى بالقوة، لكنه عبّر عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة تقع عليها مسؤولية الدفاع عن الحقوق والكرامة وتعزيزها، والعمل من أجل عالم أكثر سلاماً وأماناً.

وبينما لفت إلى أن علاقات إدارته مع دول الشرق الأوسط ستأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، استغل بايدن هذا الجانب ليعيد التذكير بمواقف خصمه الجمهوري والرئيس الحالي دونالد ترامب، قائلاً: "ترامب يُقوّض موقفنا الأخلاقي على مستوى العالم، ويُعرّض المعارضين للخطر عندما يبرر الانتهاكات في السعودية، ويقرض الزعماء المستبدين، أو يصف الرئيس المصري بـ ‘الديكتاتور المفضل لدي‘".

وفيما أكد على عمله من أجل ضمان "تمتع الفلسطينيين والإسرائيليين بمستويات متساوية من الحرية والأمن والازدهار والديمقراطية"، قال إن سياساته ستركز على الالتزام بحل الدولتين، وإنه يعارض الضم والتوسع الاستيطاني.

وتعهد بايدن أنه سيتخذ خطوات فورية لاستئناف المساعدات الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني، بما يتماشى مع القانون الأمريكي، بما في ذلك مساعدة اللاجئين، والعمل على معالجة الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة، وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، والعمل على إعادة فتح بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

وفي ما يخص لبنان، قال المرشح الديمقراطي إنه سيوجه إدارته للعمل مع المجتمع المدني والمواطنين في لبنان لمساعدتهم في تطوير وتنفيذ مستقبل اقتصادي وسياسي لبلدهم، خالٍ من الفساد، ويشمل جميع أصحاب المصلحة.

"توجه بايدن في سابقة تاريخية بخطة معلنة للناخب العربي، وذلك يعود إلى أسباب عدة، منها أن العرب رغم قلة عددهم يشكلون مثلاً ثقلاً في ميشيغن التي يحاول المرشح الديمقراطي انتزاعها من ترامب الذي فاز بها في 2016، رغم كونها تصوت تقليدياً للديمقراطي"

من جهة ثانية، لفت إلى أن الولايات المتحدة ستواصل دعم الجيش اللبناني، مع توفير الدعم والحلول للتعافي من الانفجار الذي وقع في ميناء بيروت هذا الصيف، وكذلك مساعدة الحكومة في استيعاب العدد الهائل من اللاجئين.

وحول الوضع في السعودية، انتقد بايدن منح ترامب حكومة المملكة "شيكاً على بياض لتنفيذ مجموعة كارثية من السياسات"، بما في ذلك الحرب المستمرة في اليمن، وقتل جمال خاشقجي، وقمع المعارضة في الداخل.

وفي سوريا، انتقد بايدن إدارة ترامب التي يعتبر أنها فشلت مراراً وتكراراً في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أنه سيعيد الالتزام بالوقوف مع المجتمع المدني والشركاء المؤيدين للديمقراطية على الأرض وحماية السوريين المعرضين للخطر، وتسهيل عمل المنظمات غير الحكومية، والمساعدة في حشد الدول الأخرى لدعم إعادة إعمار سوريا.

سر اهتمام بايدن بالناخب العربي

رأى المستشار السابق في الحملة الانتخابية لترامب عام 2016 وليد فارس أن كل مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة يبحثون عن كل الأصوات الناخبة، ويسعون لجذب أصوات الأقليات التي تُعتبر الأكثر تغيراً.

وقال فارس لرصيف22: "من بين الأقلية الثالثة في الولايات المتحدة الأمريكية تقع الجالية أو الطائفة العربية الإسلامية الشرق أوسطية"، مضيفاً "هذه الأقلية الثالثة تتضمن توازنات وآراء مختلفة، فإذا تكلمنا عن كل الكتلة الإسلامية، هناك غير الشرق أوسطيين من آسيا وإفريقيا، واذا تكلمنا عن الكتلة العربية فهناك مسلمين ومسيحيين".

من جانبه، رأى الباحث في العلوم السياسية في "جامعة جورج واشنطن" عاطف عبد الجواد أن الناخب العربي الأمريكي لا يشكل مركز ثقل بعد، بسبب قلة أعداد الأمريكيين العرب مقارنة بالناخبين الآخرين، ومع ذلك اعتبر أن تغيراً لافتاً حدث في هذه الانتخابات لأول مرة، إذ توجه بايدن في سابقة تاريخية بخطة معلنة للناخب العربي، وذلك يعود إلى أسباب عدة، منها أن العرب رغم قلة عددهم يشكلون ثقلاً في ولاية ميشيغن التي يحاول المرشح الديمقراطي انتزاعها من ترامب الذي فاز بها في انتخابات 2016، رغم كونها ولاية تصوت تقليدياً للحزب الديمقراطي.

والسبب الثاني، وفقاً لعبد الجواد، أن بايدن يسعى إلى اتباع مسار معاكس لمسار ترامب، فكلما اتجه الأخير ضد مجموعة عرقية في المجتمع يكون مفيداً لبايدن أن يأخذ المسار المعاكس، أما السبب الثالث فهو أن برنامج الحزب الديمقراطي في هذه الدورة هو نتاج ائتلاف بين ما يريده بايدن وما يريده السيناتور بيرني ساندرز الذي منح تأييده لبايدن في مقابل أن يتبنى الأخير بعض أفكاره.

وقال عبد الجواد لرصيف22: "من دون الخوض في تفاصيل أفكار ساندرز، يكفي أن نقول أن ساندرز اختار المسلم فايز شاكر مديراً لحملته الانتخابية، وهي المرة الأولى التي أوكل فيها لمسلم إدارة حملة رئاسية".

أما السبب الرابع فهو أن بايدن يعود إلى الأفكار التقليدية للحزب الديمقراطي مثل حل الدولتين، فيدعو منذ التسعينيات إلى دولتين تكون القدس عاصمة لهما.

بالعودة إلى مستشار حملة ترامب في انتخابات 2016، أشار فارس إلى أن بايدن يعمل بالفعل على أن يربح أصوات الجاليات العربية والشرق أوسطية، وخصوصاً من الإيرانيين و العرب ومنهم اللبنانيين تحديداً وهم أكبر جالية عربية يصل عدد أفرادها إلى مليون و800 ألف شخص.

ورأى أن بايدن يريد جذب هذه الكتل لأنها أثبتت مدى أهميتها في انتخابات 2016 في الولايات المتأرجحة والحاسمة، فعلى سبيل المثال كانت الأصوات العربية مع الكتل الإسلامية الأخرى ذات فعالية في حسم ولاية أوهايو، كذلك ولاية ميشيغن التي حسمها ترامب بفارق عشرة آلاف صوت.

وقال فارس: "إذا حسبنا اللبنانيين وباقي العرب من السوريين السنة و الشيعة في ميشيغن، فهذه الكتل كبيرة وهناك أصوات الطوائف المشرقية المسيحية من مارونية وأشورية وسريانية وكلدانية وغيرها".

"ترامب عندما تكلم مع المشرقيين والعرب تبيّن لهم أنه أقرب إلى مواقفهم من الموقف العام للحزب الديمقراطي... دخل ترامب إلى عمق قضايا العرب، وتكلم مع العرب السنة الذين يأتون من دول تهددها إيران، فطمأنهم أنه يقف بوجه الاتفاق الإيراني، لذلك دعمه عدد كبير من رجال الدين"

ومن اللافت، وفقاً لفارس، أن التجمعات العربية المشرقية في ولاية فلوريدا زاد فيها عدد المهاجرين والمواطنين من أصل مشرقي أو عربي، كذلك في ولاية نورث كارولاينا. 

وأشار فارس إلى أن الحزب الديمقراطي يشعر أن هناك ما يمكن أن يقدمه لهذه الجاليات، لأن هذا الحزب يعتبر نفسه قادراً على أن يسهل لهم الإجراءات، ويسهل لهم الخدمات، ويدعم بعض قضاياهم في المنطقة.

الجمهوريون والناخب العربي

بحسب فارس، فإن قصة ترامب مع هذه الجاليات كانت متناقضة إذ وصفه خصومه في الحزب الديمقراطي وخصومه في الخارج بأنه عنصري وضد العرب والمسلمين، عندما صرّح في نهاية عام 2015 حينما كان مرشحاً بأنه يريد غلق باب الهجرة أمام المسلمين.

ودافع فارس عن ترامب في هذا الصدد، معتبراً أن الأخير لم يكن يقصد ذلك على اعتبار أنه "أتى من عالم المال وليس من عالم العلوم السياسية والأكاديمية والعلاقات الدبلوماسية، وهو قصد بتصريحه المتطرفين، إلا أن هذه الموجة أزعجت قاعدته الشعبية في بداية 2016".

وتابع: "الذي حصل خلال حملة ترامب 2016، وأنا كنت جزءاً منها، أننا اهتممنا بهذه الجاليات وحاولنا تبيان موقف الرئيس ترامب الحقيقي من هذه الجاليات التي يريدها أن تكون قوية و غنية ومزدهرة". 

وزعم فارس أن "ترامب عندما تكلم مع المشرقيين والعرب، مجموعة مجموعة، تبيّن لهم أنه أقرب إلى مواقفهم من الموقف العام للحزب الديمقراطي، لأن الموقف العام لا يشرح لهم غير قضية فلسطين و إسرائيل"، قائلاً: "دخل ترامب إلى عمق قضايا العرب، تكلم مع العرب السنة وهم يأتون من دول تهددها إيران، فطمأنهم أنه يقف بوجه الاتفاق الإيراني، لذلك دعمه عدد كبير من رجال الدين". 

ولفت فارس كذلك الى أن "ترامب حصل على أغلب أصواب اللبنانيين والسوريين أيضاً بسبب الموقف من نظام الأسد".

وعليه، عندما تقدم ترامب وبدأ يتكلم مع الجاليات حصد أصوات كثيرة، حتى يُقال إنه حصد الأكثرية من الأصوات العربية والمشرقية في ميشيغن، وهي عقر دار هذه الجاليات العربية.

من جهته، اعتبر عبد الجواد أن الحزب الجمهوري تاريخياً أكثر ميلاً للعرب من الحزب الديموقراطي، وهذا واضح في الإنذار الذي أصدره الرئيس الجمهوري إيزنهاور عام 1956 بضرورة انسحاب إسرائيل وبريطانيا وفرنسا من مصر بعد وقوع ما يعرف بالعدوان الثلاثي، مشيراً إلى أن سياسة الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب الذي رتّب لمؤتمر مدريد لحل القضية الفلسطينية ومنع ضمانات القروض عن إسرائيل في أواخر الثمانينيات. وكان جون سنونو وهو من أصول عربية مديراً لمكتب بوش الأب في وقت من الأوقات.

وقال عبد الجواد إن الحزب الجمهوري اليميني والمحافظ أيديولوجياً انحرف بعد ذلك في سياساته نحو إسرائيل بسبب الأيديولوجية اليمينية لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ثم بسبب نفوذ الإنجيليين على حكومة ترامب، مذكراً بوجود أعضاء جمهوريين من أصول عربية دخلوا الكونغرس مثل داريل عيسى أو جاستن عماش، لكن الآن ازداد عدد الديمقراطيين في الكونغرس من أصول عربية مثل دونا شلاله وإلهان عمر و رشيدة طليب.

انتخابات 2020

في انتخابات 2020، توقع فارس أن ينقسم الناخبون العرب حول المرشحين، لافتاً إلى نقطة هامة بنظره وهي أن الجاليات العربية مهتمة بالوضع الاقتصادي وبالعوامل الاقتصادية المطروحة، وليس بالشق الخارجي فحسب.

والنقطة الثانية والأهم، بحسب فارس، أن العائلات العربية والمشرقية و المسلمة هي عائلات محافظة في نهاية المطاف، تختلف مع الجمهوريين على السياسة الخارجية لكنها تريد أن تؤمن المدارس لأولادها وتريد فرص عمل وازدهار اقتصادي.

وقال عبد الجواد، من جهته، إن بعض العرب وخاصة من الأثرياء سوف يصوتون لترامب، منهم الأثرياء السعوديين والإماراتيين الذي يكرهون بايدن والرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بسبب سياسته تجاه إيران.

وقال عبد الجواد إن بايدن كاثوليكي ملتزم بينما مايك بنس، نائب ترامب، من الإنجيليين، لذلك سوف ينقسم الصوت المسيحي العربي وفقاً لأولويات الناخب المسيحي الأخرى، وإن كان سيضع في اعتباراته ادعاءات ترامب الدينية، خصوصاً رفعه الإنجيل أمام مبنى الكنيسة أثناء الاحتجاجات.

وأوضح أن "اللبناني المسيحي سينظر باستياء الى موقف ترامب من لبنان، بينما المسيحي الفلسطيني سينظر بترحيب إلى موقف بايدن من حل الدولتين، وعليه فإن تديّن الطرفين، الجمهوري والديمقراطي، سيدفع بالناخب العربي المسيحي إلى البحث عن معايير أخرى للتصويت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard