"الزائف الحقيقي"... علاقة البشر والتواريخ بالأمكنة

الأحد 6 سبتمبر 202011:42 ص

"المدن، مثل الأحلام، تصنعها الرغبات والمخاوف، حتى لو كانت خيوط حكايتها سرية، وقواعدها عبثية، ورؤاها مخادعة، وكل شيء فيها يخفي شيئاً آخر".

هكذا جعل الروائي إيتالو كالفينو بطل روايته وراويها الرحالة ماركو بولو، يتحدث في حواره المتخيل مع امبراطور الصين المنغولي قبلاي خان عن الأماكن التي زارها في روايته "مدن لامرئية" (1972). وإذا كانت مدن ماركو بولو متخيلة، فإنها ككل المدن والأماكن التي نعرفها ويعرفها زوارها، تقارب عدداً من الثنائيات المتناقضة: النشوء والاندثار، العراقة والحداثة، الخيال والواقعية، أحلام المستقبل ونوستالجيا التاريخ.

يمكن أن يشتمل "المكان" كاصطلاح على عدة معانٍ مختلفة بالمفهوم الجغرافي ليرتبط بمعناه الحرفي بموقع لبلدة أو مدينة أو أي منطقة على سطح الأرض. وبينما يمكن أن يرتبط المعنى الحرفي بالوصف الشكلي للمكان (التضاريس، البناء، البيئة)، يتجاوز معناه الشامل هذه الأوصاف لينطوي على الخصائص الفريدة، الملموسة وغير الملموسة لهذا المكان. وهذا يعني بالضرورة خلق امتداد شعوري للسمات المرئية لموقع ما، والبحث في عمق ما يولده من حالات حسية لدى قاطنيه أو زواره.

 فالأماكن، بما تستحضره من صور ورموز وقصص وروائح وإيقاعات، قادرة على توليد المشاعر وخلق الاتصال المباشر بالذاكرة عبر مكوناتها اللامرئية، وعلى تكوين علاقات بينها وبين سكانها. وإذ تشير عبارات مثل ‘التعلق بالمكان‘ أو ‘الإحساس بالمكان‘ إلى العلاقة المعقدة بين البشر والبيئة المحيطة بهم، فلأن هذه العلاقة تتضمن التأثير المتبادل بين البيئة الطبيعية والإنسان، المتجسد بالتغييرات التي فرضها كلا الطرفان على الآخر.

يقال أحياناً إن الأماكن لديها طريقتها لاستدعاء الأشخاص، أو أن المكان يصبح جزءاً منك. هذا يعني أننا لا نتعود على مكان فحسب، بل أيضاً ننشئ علاقةً معه تدخله في تكويننا وهويتنا. هذا التداخل العلائقي بين المرئي واللامرئي في الأماكن لا يرتبط بالمفاهيم الحضرية للعراقة والحداثة، أو ما هو تراثي أو معاصر في التصميم المعماري بقدر ما يتعلق بإمكانية هذه التصاميم على خلق تفاعلات تشاركية في المحيط.

قد لا تجد سعادتك في العجائب السبع أو السبعين التي تراها في مدينة ما، ولكن تسعد حتماً إذا ما قدمت لك مدينة جواباً لأحد أسئلتك، لنتعرف على المكونات الخفية للأمكنة، تلك التي تخلق أصالتها من خلال حوارات متخيلة مع قاطنيها

في هذا المقال نبحث في البعد الخفي للمكان، وفي المكون اللامرئي للتصميم المعماري الذي يخلق أصالته بمعزل عن امتداده الزمني من خلال الحوارات المتخيلة التي ينشئها مع زواره وقاطنيه، والعلاقات التفاعلية التي تجمع الأشخاص بالأمكنة.

حواضر خارج الزمن

تمثل مصطلحات الذاكرة والمكان والهوية الشواغل الأساسية للبحث الجغرافي المتمحور حول الروابط بين الأشخاص والمكان وتأثيرها المباشر في إنتاج الثقافة. وفي بحث نشر في مجلة Geography Compass بعنوان "جغرافيات الذاكرة والمكان والهوية: التقاطعات في تذكر الحروب والصراعات" (2016)، يركز الباحثون على التقاطعات بين هذه المصطلحات الثلاثة في سياق ذكريات الحرب والصراع عبر تسليط الضوء على كيفية بناء الذاكرة للهويات (الشخصية والوطنية والعابرة للحدود) والحفاظ عليها بعد انتهاء الصراع وما بعد الحرب، وكيف يتم رسم هذه الهويات وتحديد معالمها من خلال المكان.

الذاكرة قوة جبارة تستدعي العواطف وتوقظ الحواس، فتنتقل بنا أبعد من التمثيلات الرواقية للذاكرة في الحجر والرخام، إلى الشم، واللمس، والشعور، والتخيل، والسمع، لتعيد إنتاج المكان فينا بمعزل عن الزمن

ويعتبر البحث أن الذاكرة هي "قوة جبارة تستدعي التجربة والعاطفة وإيقاظ الحواس، تنتقل قدرتها العاطفية إلى أبعد من التمثيلات الرواقية للذاكرة في الحجر والرخام، على سبيل المثال إلى الشم، واللمس، والشعور، والتخيل، والتذوق، والسمع". إن لهذه الأحاسيس القدرة على نقلنا ليس فقط خارج الزمان الحاضر وإنما خارج المكان الحاضر أيضاً، ما يعني إعادةً لإنتاج الذاكرة وبالتالي إعادة إنتاج المكان والهوية بمعزل عن الوقت.

هذا لا يعني بالضرورة أن الأماكن تتمتع بسمات مرئية تتحدى اختبار الوقت، فالمدن العربية مثلاً مرت بتغيرات تاريخية، أهمها الحروب الأهلية والتجارب الاستعمارية، أثرت في ملامحها لتكسبها مكونات شخصية جديدة وتنحي بعضاً من مكونات هويتها التاريخية. وفي رسالة الماجيستير التي أعدها المهندس السوري حسن منصور لصالح جامعة بورتو البرتغالية بعنوان "هويات المدن الضائعة: دمشق"، يبرهن بالأدلة المعمارية أن مدينة دمشق لم تعد تحتفظ بهويتها خارج أسوارها القديمة، خصوصاً بعد الحرب. لكنه يخلص في نهاية بحثه إلى أنها مدينة "لا تزال قادرة على إيصال سحرها وروحها لسكانها حتى الآن"، وبرأيه فإن ذلك يعود للحالة الشمولية للمدينة، تلك التي تخلق تميزها عن أي مكان آخر، الحالة التي لا يمكن تصديرها خارج حدود المدينة، ولا تتحقق بدون تجربة العيش فيها.

بالنسبة لمنصور، لا يمكن لشخص لم يسبق له أن عاش في مدينة استيعاب هويتها، ولكن يمكن أن يكون لديه تصور عقلي لها، يربطه بأحد رموزها المعروفة بطريقة بسيطة، على عكس القاطنين فيها الذين يكونون هوية تتصل بحواسهم بشكل مباشر: "عندما أفكر في دمشق، لا أفكر في الجامع الأموي أو البيوت الدمشقية القديمة. دمشق بالنسبة لي هي ذلك المكان حيث لا أعطش أبداً، فلافتة ‘يوجد مياه عامة‘ تكاد تكون في كل زاوية، الأطفال الذين يلعبون الكرة في الشوارع الضيقة، رائحة الياسمين والتربة الرطبة والخشب في زقاق ضيق مظلل بمنازله المتكئة على بعضها، وجارتي الجميلة التي تنشر غسيلها على السطح أمام نافذة غرفتي. في حين أن الأجنبي ربما يشتري هدايا تذكارية تمثل بالنسبة له رموزاً لدمشق ومتخيلاً نمطياً عن هويتها".

"الزائف الحقيقي"

أن تحتفظ الذاكرة بخرائط جغرافية وملامح خاصة للمكان، لا يعني أن هوية المكان لا ترتبط بصورته ورموزه وعمارته الأصيلة، بل على العكس، هي من العوامل الأساسية في فهم الهوية الحضرية والشعور بها بنتيجتها الإجمالية. وانطلاقاً من هذا ارتأت فرانشيسكا بيازوني، بروفيسورة العمارة في جامعة ليفربول، في كتابها "الزائف الحقيقي: الأصالة وإنتاج المكان" (2018) أن تعرّف الأصالة "كعلاقة ديناميكية بين الناس والأماكن والمعاني، وهذه العلاقة تؤثر على إنتاج المكان".

ترى بيازوني أن إنتاج الفضاء هو عملية تتضمن ثلاثة أبعاد متزامنة: المفهوم أو العامل المهيمِن، المُدرَك أو العامل الناتج عن الخبرة الملموسة، والمساحات المعيشية أو المهيمَن عليها. وتجادل بأن الأصالة تسهل عملية التحول الحضري من خلال ثالوث "المفهوم والمُدرَك والمعاش". في تصور المدينة، تمثل العوامل المهيمنة المفاهيم "الأصيلة" وتنتج مساحات تجذب رأس المال، بحيث تطبع مجموعة من السلوكيات وتهمش أولئك الذين لا يتصرفون وفقاً لهذه العادات، وبعبارة أخرى تفرض ثنائية متناقضة لما هو أصيل وما هو زائف في المدن.

في نفس الوقت، يبني سكان المدينة قيمهم الخاصة عن "الأصالة" من خلال الإدراك، والتفاوض، وفي بعض الأحيان الطعن في سرديات الأصالة المفروضة من القوى المهيمنة متمثلةً بتوجهات السلطة أو الإعلام. من خلال ممارساتهم اليومية وعواطفهم، فإن هؤلاء السكان يغيرون الفضاءات التي تتصف بالأصالة أو لا تتصف بها إلى "مساحات معيشية أصيلة".

بهذا، ترى بيازوني أن مفهوم أصالة المدن، بما تنطوي عليه من أحكام جمالية وأخلاقية مطلقة، هو العامل الأساس في إنتاج المكان وقيم الاستهلاك المتعلقة به والتحول الجغرافي الذي يخضع له، وليس موقعه عند سكانه، بينما هي في الواقع بعيدة عن الأحكام المطلقة والمادية وخاضعة لرؤى الأشخاص ونتاج ذواكرهم عن المدن.

تنميط المكان

بعيداً عن ثنائية "الزيف والأصالة"، تضع الباحثة الإماراتية رنا المطوع، نظرية بيازوني قيد التطبيق العملي على مدينة دبي الإماراتية. في عرضها لبحثها، لدى استضافتها من قبل الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي قبل أيام في المجلس الثقافي الثالث والأربعين، تشير إلى اللغة السائدة في الحديث عن المدينة والتي تفترض أن الأجزاء القديمة منها هي الأصيلة، وكل ما أدخل عليها من حداثة زائف.

تعتقد المطوع أن هذه اللغة تلغي القيمة الاجتماعية للأجزاء الحديثة (سلاسل المطاعم والمقاهي، المولات التجارية وفنادق الخمس نجوم) وتسبغ بعداً رومانسياً أو مثيراً (إكزوتيكي) على أجزائها القديمة. يقوم هذا الجدل على فرضية أن العمارة الحداثية لم تضع بعين الاعتبار هوية المدينة ونمط حياة سكانها، ما أدى إلى شعورهم بالاغتراب والضياع في المكان. وبالرغم من أن هذا الشعور موجود فعلاً لدى البعض، إلا هذه الأمكنة، بما تسمح به من إنشاء علاقات وروابط بشرية، استطاعت إلغاء الاغتراب الناجم عن الحداثة وتوليد صلات وذكريات للمكان.

الأشخاص الذين يمارسون حياتهم العادية، لا يفكرون في أصالة الأماكن أو "زيفها" ولا يفرضون قيوداً على مخيلتهم التي تنتج روابط مع المكان وترسخها في الذاكرة

تستعين المطوع بمقال نشره الكاتب الأمريكي من أصول مكسيكية، جون برامر، في موقع صحيفة واشنطن بوست، يقول فيه "إن ‘الأصالة‘ للسياح. يستحضرها الزائر ليؤكد لنفسه أن أياً مما يمر به، سواء كانت وجبة أو قصيدة أو شخص، فهو نادر وغريب، ولا يمكنه الحصول عليه في أي مكان آخر. أما الأشخاص الذين يمارسون حياتهم العادية، لا يتعين عليهم التفكير في الأصالة... إنها تفرض قيوداً على مخيلتنا كمجموعات عرقية". هذه النظرة تنسحب على إرث الشعب المكسيكي من الألم والصراع كمهاجرين، وتخلق نظرة رومانسية "لجماليات العذاب والفقر"، بحسب برامر.

كما يتوقع كل من يقصد مطعماً مكسيكياً أن يجد الأصالة من خلال حضور الألم في كل تفصيلاته لتكون تجربته حقيقية وأكثر غنى: من العرق على طاقم المطبخ وصولاً إلى التوابل التي تحرق اللسان وغياب مكيف الهواء، فإن من يقصد أحد مطاعم منطقة السطوة في دبي، والتي يغلب عليها الطابع الشعبي وتسكنها غالبية فيليبينية بسبب إيجاراتها المعقولة، يتوقع أن يرى كراسي البلاستيك الرخيصة وطاقم عمل لا يجيد تحدث الإنكليزية بطلاقة، ويعتبر أن هذا ما يخلق للمكان أصالته، بحسب المطوع.

هذه الصورة النمطية للمكان، تمتد أيضاً لتشمل الأماكن التي تظهر "فخامة" دبي وعنصر الإبهار فيها، لا يرتادها إلا من يستطيع أن يتحمل كلفتها، فينظر لها على أنها "سطحية" ومقيدة ولا تثير شعوراً بالانتماء لزائرها. بالمقابل، تشير المطوع إلى حقيقة أنها تثير الذكريات والنوستالجيا في نفوس روادها بالقدر ذاته الذي تثيره الأماكن القديمة، إضافةً إلى أنها أصبحت ملتقيات اجتماعية وفرصة لخلق المصادفات واللقاءات مع الآخرين، ما يعكس رغبة روادها بالانتماء لها وللمجموعات التي تقصدها.

لقد أثبتت هذه الأماكن في دبي قدرتها على إعادة خلق العادات والتقاليد وإخضاعها لحوار مستمر، حيث تذكر المطوع أنه لم يكن من المألوف رؤية النساء والفتيات بمفردهن في المولات التجارية عندما بدأت في دبي، واليوم أصبح الأمر اعتيادياً، الجلوس بين الرجال في المقاهي وتدخين الشيشة، وحتى التغيير الذي طرأ على اللباس عند نساء الخليج. كل هذا برأيها يظهر إمكانية مراجعة التقاليد وتعديلها وإنتاج ثقافة مختلفة في مكان يمثل مقصداً لمجموعة كبيرة ومتنوعة كالمول التجاري.

أجمل المدائن

سواء اتسم التصميم المعماري بالعراقة أو الحداثة، وسواء كان تحفةً هندسيةً أو مكاناً بسيطاً، إنه العنصر التشاركي والتفاعلي بين السكان الذي  يسبغ على المكان أصالته

بالعودة إلى رواية كالفينو، يقول بطلها ماركو بولو: "قد لا تجد سعادتك في العجائب السبع أو السبعين التي تراها في مدينة ما، ولكن تسعد حتماً إذا ما قدمت لك مدينة جواباً لأحد أسئلتك".

تسمح مدن كالفينو "اللامرئية" بالكشف عن المتخيل البشري للمكان، ومع اختلاف مدن ماركو بولو الخمس والخمسين التي يصفها، إلا أن العنصر البشري يضعها جميعها ضمن مصنف واحد يتشارك فيه قاطنو المدن أسئلةً حول ما يحققه لهم المكان من انتماء وتاريخ وصقل للهوية، وهذا لا يتعلق بعراقة مدينة أو حداثتها.

هذا ما تقصده المعمارية الأمريكية جيل روبرتسون بقولها إن "التصميم الحضري يدور حول الناس وهذا ما يجعل مدننا أفضل وأكثر ملاءمة للعيش والتمتع بالصحة والسعادة". بالنسبة لها، يتحمل المصممون الحضريون مسؤولية اجتماعية تجاه الناس، تحتم دورهم في مشاركة الناس في تصاميمهم لتنمية حس المجتمع والانتماء: "مكان يخلو من البشر، يخلو من الحياة"، تقول روبرتسون، سواء اتسم التصميم بالعراقة أو الحداثة، وسواء كان تحفةً معماريةً أو مكاناً بسيطاً، إن "العنصر التشاركي والتفاعلي بين السكان هو ما يسبغ على المكان أصالته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard