"الأوّل توفّي تحت التعذيب والثاني ما زال مخفيّاً"... أمّ عراقية تتحدث عن خسارة ولديها

الأحد 30 أغسطس 202009:51 ص

"هل تعرف ما مدى الوجع الذي أشعر به؟ ولداي ذهبا منّي حتى دون وداع"، تقول أم بلال. مع صلاة الفجر وارتفاع صوت المؤذن في أحد أحياء مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، تبدأ السيّدة العراقية بالدعاء لعلّها تحظى بعودة قتيبة ليخفف عنها وجع فقد أخيه بلال.

عام 2009، وبينما كانت الحكومة العراقية تعتقل وفقاً لما يُعرف بـ"المخبر السري" اعتقلت قوة أمنية بلال، ابن الـ29 عاماً، من محله الخاص بتصليح المولدات الكهربائية الواقع في حي السيدية في العاصمة بغداد. "بقينا نبحث عنه كثيراً ولم نجده، لم نعرف حتى مَن هي القوة التي اختطفته"، تروي أم بلال لرصيف22.

في فترة حكومتيْ نوري المالكي، بين عامي 2006 و2014، زادت عمليات الاعتقال، وكانت بعضها حتى من دون أوامر قبض قضائية. في تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في شباط/ فبراير 2011، قالت إن "وزارة حقوق الإنسان العراقية (قبل أن تُلغى) عثرت على سجنٍ سرّي بإدارة اللواء 54 يُساعده اللواء 56 في مطار مثنّى القديم الواقع غرب بغداد".

ومعروف أن اللواء 56 مقرّب جداً من المالكي، وكان في عام 2011 يتبنى عملية تطويق الاحتجاجات في بغداد، واتُّهم بعمليات اعتقال غير قانونية.

وبينما كانت أم بلال تُمني نفسها بعودة ابنها الأكبر وصلها الخبر الأسوأ. قتيبة، ابن الـ21 عاماً، والذي كان يدرس في المرحلة الرابعة في معهد التجارة في بغداد، اعتُقل من مكان عمله أيضاً. كان يمتلك قاعة رياضية في حي الحارثية الراقي وسط بغداد.

"دخلت قوة أمنية على القاعة وطلبت اصطحابه بحجة الاستفسار منه عن أمور، لكنه تَذَكّر فقد أخيه الذي لم يعد منذ أكثر من عام فهرب منهم، فأطلقوا النار عليه"، تحكي أم بلال، ودموعها تنهمر على ولديها.

لم تكن تتوقع أن تُفجع بولد آخر. قبل اعتقال قتيبة كانت تذهب إلى معارف وأصدقاء وأقارب وتحاول تبيّن مصيره، لعل أحدهم يدلّها على مكان وجوده. لم تأتِ هذه المحاولات بنتيجة، ولكنها لم تفقد الأمل.

بعد نحو 48 ساعة من إطلاق النار على قتيبة، صاحب الجسم الرياضي، واعتقاله، توجهت أمه وشقيقه حسين ذو العشر سنوات إلى مكان عسكري في منطقة الباب المعظم في بغداد، تقول الوالدة إنها لم تعد تذكر اسمه بالضبط، وتضيف: "قالوا لي ‘موجود لدينا، لكن لا يُمكنك رؤيته حالياً فهو يخضع للعلاج بسبب إصابته بطلق ناري’".

بينما كانت أم بلال تُمني نفسها بعودة ابنها الأكبر وصلها الخبر الأسوأ. قتيبة، ابن الـ21 عاماً، والذي كان يدرس في المرحلة الرابعة في معهد التجارة في بغداد، اعتُقل من مكان عمله أيضاً

كانت ترغب في رؤيته والاطمئنان عليه، لكن مَن وعدوها بتحقيق أمنيتها البسيطة هذه لم يفوا بوعدهم. "نُقِل بلال إلى سجن المطار في بغداد"، تنقل الأم عن عناصر أمن اعتقلوه.

في تلك المرحلة، كانت تقارير حقوق الإنسان تعجّ بأخبار الانتهاكات في العراق، خاصة في ما يتعلق بملف الاعتقالات والاختطاف والإخفاء القسري.

حينذاك، قابلت هيومن رايتس واتش 42 معتقلاً تعرّضوا للتعذيب. واحتُجز في سجن سرّي حوالي 430 معتقلاً بدون السماح باتصالهم بأسرهم أو بمحامين. وقال المعتقلون إنّ القوات الأمنية انهالت عليهم ضرباً وركلاً وخنقاً وعرّضتهم للصعق بالتيار الكهربائي وأحرقتهم بواسطة السجائر ونزعت أظافرهم وأسنانهم، وفقاً لهيومن رايتس ووتش.

انقطعت أخبار بلال وقتيبة، أو بالأحرى لم تكن هناك أية أخبار عنهما بالأساس. لم تعرف أم بلال ماذا تفعل. بين يأس وأمل، وبين عودة ولا عودة، بقيت تنتظر ولديها، أو على الأقل أحدهما لعله يُخفف من دوامة حزنها.

لم تبقَ الوالدة في بغداد. فكّرت في كيفية الحفاظ على أولادها الثلاثة الباقين، محمود وحسين ومصطفى، فانتقلت للسكن في أربيل، المدينة التي تمناز بالهدوء والاستقرار الأمني.

بقيت تنظر إلى بغداد وأهلها، لعل أحدهم يأتيها بخبر ولو غير مؤكد يُريح قلبها، لكن يبدو أن "مدينة السلام" ابتلعت ولديها.

عام 2014، اتصلت قوة أمنية حكومية بأم بلال، وأبلغتها بالذهاب إلى الناصرية جنوبي العراق لاستلام جثة ولدها بلال. تقول: "أعدموه عام 2014 في سجن الحوت مع مجموعة إرهابيين. كانوا يُريدون أن يغطوا على جريمة سبايكر وتهدئة الشارع فضحوا بولدي البريء".

ما زالت عشرات آلاف النسوة العراقيات ينتظرن عودة أزواجهن وأولادهن وأشقاءهن التي تبدو مستحيلة. أم بلال منهنّ. تؤمن بأن ابنها سيطرق باب بيتها في لحظة ما ويعود إلى أحضانها

وفي 12 حزيران/ يونيو 2014، قتل تنظيم داعش نحو 1700 طالب في كلية القوة الجوية في قاعدة "سبايكر" في مدينة تكريت، شمال العراق، في واحدة من أبشع جرائم التنظيم المتطرّف أثناء تمدده في العراق.

لم تذهب إلى الناصرية، فهي لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها. ذهب خالها الذي يمتلك دائرة علاقات جيدة في هذه المدينة وجاء بالجثة.

"والله كان عطر الجثة طيباً"، تقول وهي تقلب صور ابنها وتستذكر لحظات دفنه في مدينة سامراء في محافظة صلاح الدين.

دائماً وخلال المقابلة، كانت أم بلال تُردد الآية: {لا تقنطوا من رحمة الله}، وكأنها تقول إن "قتيبة سيعود إلي".

مرّ عقد على اعتقال قتيبة، لا أحد يعرف مكانه، واسمه غير موجود في سجلات الدولة. "عشر سنوات كثيرة، لو تزوج الآن لكان أطفاله يحيطون بي"، تقول بحسرة، وتضيف: "يوجعني فقده، لم أره ولم أودعه".

في أربيل، أخبرها أقارب وأصدقاء بحثوا عن قتيبة بأن شهوداً من السجناء أبلغوهم بأن قتيبة توفي خلال التعذيب، "لكنني لم أصدق"، تقول أم بلال.

ما زالت عشرات آلاف النسوة العراقيات ينتظرن عودة أزواجهن وأولادهن وأشقاءهن التي تبدو مستحيلة. أم بلال منهنّ. تؤمن بأن ابنها سيطرق باب بيتها في لحظة ما ويعود إلى أحضانها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard