الأخلاق والعاطفة المجانية... التفكير النمطي في الحكاية الدينية الإسلامية

السبت 22 أغسطس 202003:38 م

يسعى العقل بطبيعته عند الإنسان إلى خلق صور تفسيرية للأحداث المحيطة به، هذا الفعل هو ما يُطلق عليه اسم النمط، حيث يتجلّى بمجموعة القوانين التي يفترضها السلوك من أجل الحماية والاستمرار للكائن. أهمية النمط تكمن في التنظيم الاجتماعي، إنها مجموعة التجارب التي تتحول إلى قوانين تُسيّر المجموعات البشرية ذات الطابع الواحد، داخل بنية تنظيمية، للارتقاء بتلك المجموعات من مستوى ثقافي قديم إلى مستوى ثقافي أكثر انفتاحاً وتطوراً.

إذن، الأنماط في التاريخ الإنساني هي ضرورة، لكن تكمن مشكلتها الأساسية عندما تتحول إلى مقدس صنمي، ليس بمعناه التاريخي التراثي بل بمعناه النفسي، عندما تتضخم التجارب وتتراكم داخل حدود نمط معرفي قديم ولا تنقلب عليه لتطويره، تتحول إلى هالة حجرية داخل النفس، رغم تطور الشكل الخارجي.

هذا تماماً ما يجري في علاقتنا كشعوب مسلمة مع تراثنا الأخلاقي، لقد تغير الشكل والخطاب لكن الجوهر النفسي الصنمي يصبح حاضراً في لحظة المحكّ السلوكي الأساسي.

من هنا تصبح القيمة الأخلاقية التي تم توريثها عبر 1400 عام هي القيمة الأخلاقية الإسلامية فقط. إنها فعل قطيعة مع أخلاق ما قبل الإسلام.

إنّ علاقة مجتمعاتنا مع الأخلاق نشأت فعلياً في الوعي الحضاري الإسلامي، فكل التجارب والحكايات ذات المغزى الإنساني والمواقف الأخلاقية التي يتم تداولها داخل مجتمعاتنا هي نتاج المرحلة الإسلامية، تتخللها بعض الحكايات من الديانات الأخرى، لكن التأثير الأخلاقي الفعلي هو للتجربة الإسلامية، أو ما جاءت على ذكره بوجه خاص دون سواها، حتى وإن كانت جاهلية. إنّ مجرد ذكرها في السرد الإسلامي خلق لها طابعاً متميزاً كتوحيد إسلامي وأسقط عنها الطابع الإلهي في الديانات الأخرى.

قد نسمع الكثير في الثقافة المعاصرة يتم من خلالها تداول بعض الصفات التي تناقلتها القصص التراثية حتى وقتنا الحاضر، تتحدث عن شجاعة عنترة بن شداد، كرم حاتم الطائي، عدالة عروة بن الورد، مروة امرؤ القيس وعزّة النفس لدى عمرو بن كلثوم... الخ، لكن تبقى العلاقة مع الصفات الأخلاقية لتلك التجارب، علاقة تراثية تفاخرية أكثر منها علاقة عاطفية وقيمية، ولا تُشكّل من الصفات التي نشأت مع الإسلام أخلاقياً إلا جزءاً يسيراً.

فعندما نتحدث عن شجاعة عنترة وخالد بن الوليد، فبالتأكيد أن خالداً يأخذ بُعداً تراجيدياً فدائياً أكثر في الوعي الأخلاقي، لتأثيره المباشرة في البناء التنظيمي للإسلام، والأمر ذاته عندما نتحدث عن عدالة عروة، فإنها لا تُقارن بعدالة عمر بن الخطاب، لأنّ عمر بن الخطاب ثائر في مفهوم العدالة بالمعنى التنظيمي، وليس مثل عروة، ثائر بالمعنى الفوضوي، والقياس قائم على جميع المقارنات في التراث.

من هنا تصبح القيمة الأخلاقية التي تم توريثها عبر 1400 عام هي القيمة الأخلاقية الإسلامية فقط. إنها فعل قطيعة مع أخلاق ما قبل الإسلام.

قد تجد شخصاً يتحدث عن صبر النبي إبراهيم وهو يرفع السكين على عنق ولده إسحاق بأمر الله (وبشّرناه بغلام حليم... الصافات101)، لكن الحديث عن تلك التجربة تأتي بمعناها الرومانسي التراجيدي والتعبدي للامتحان الإنساني، لكنها بالنسبة للفعل الأخلاقي التنظيمي لا تُقارن بتجربة صبر عمار بن ياسر في تحمل تعذيب قريش له ولوالديه أمام عينيه، لأنها تجربة بالمعنى التحرري المباشر، تجربة انقلاب على النمط القديم. فالعلاقة الأخلاقية مع تجربة بن ياسر أكثر حضوراً في الوعي النفسي الأخلاقي المعاصر من تجربة النبي إبراهيم التي تبقى علاقة تراثية.

إنّ المشكلة الأساسية في الأخلاق الإسلامية من خلال الحكايات المتوارثة، هي الاندفاع إلى أقصى حد، حتى وإن كانت حكايات ساذجة ويمكن تفنيدها لما تحمله من متناقضات. لقد ورّثت الأخلاق الإسلامية المعنى الخفي للعاطفة المجانية بمئات القصص، بعضها ركيك في تناوله للسرد لكنه ضروري لإكمال النمط البنائي للأخلاق، ولإكمال الصورة من جميع جوانبها لتحديد النمط المعرفي الذي يحدد قيم المجتمع.

الأنماط في التاريخ الإنساني هي ضرورة، لكن تكمن مشكلتها الأساسية عندما تتحول إلى مقدس صنمي، ليس بمعناه التاريخي التراثي بل بمعناه النفسي، عندما تتضخم التجارب وتتراكم داخل حدود نمط معرفي قديم ولا تنقلب عليه لتطويره، تتحول إلى هالة حجرية داخل النفس، رغم تطور الشكل الخارجي

ليس هناك من شخص إلا اطلع أو سمع القصة الأكثر إيثاراً في التراث، وهي قصة أبي جهم بن حذيفة العدوي، في معركة اليرموك، يقول أبو جهم:

انطلقت يوم اليرموك بعد انتهاء المعركة أطلب ابن عم لي ومعي قليل من ماء فقلت: إن كان به رمق من جراح معركة سقيته من الماء ومسحت به وجهه، فإذا أنا أسمع صوتاً يقول: آه.. آه. فأتيته فإذا هو ابن عمي فقلت له: أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم، فإذا بصوت رجل آخر يقول: آه.. آه.. فأشار ابن عمي أن أنطلق به إليه، فجئته فإذا هو هشام بن العاص فأتيته وقلت له: أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم.. فإذا بصوت رجل آخر يقول: آه.. آه. فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام إذا هو قد مات، ثم أتيت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات!

إنّ هذه القصة تعاني ضعفاً لسببين، الأول، أنّ جسد هشام بن العاص تمزّق تحت سنابك خيول المسلمين، عندما لحق هشام بمفرده فلول الروم في معركة اليرموك وهم يختبئون بين شقوق الصخور، فقُتِل بطريق معبر كان الروم يهربون منه، وعندما لحق المسلمون بهشام وجدوه ميتاً عند (ثُلمة) شق في صخر فتوقفوا خوفاً على جسده، وحينها قال أخوه، عمرو بن العاص، جملته الشهيرة: "أيها الناس، إنّ الله قد استشهده، ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل". فداس عليه عمرو بن العاص بخيله وهو يلاحق فلول الروم، وعندما انتهت المعركة عاد عمرو، يأخذ عظام ولحم أخيه المفتت.

ما نحتاجه فعلياً هو كسر هذا النمط الأخلاقي التراجيدي، ليس بمعناه التاريخي التراثي بل بمعناه النفسي.

أما السبب الآخر إذا ما استثنينا قصة تمزّق جسد هشام، واعتبرنا أن ما رواه أبو جهم بن حذيفة العدوي صحيحاً، هو الجهل المُطبق بالمعلومة الحربية والعلمية القديمة، منذ علوم الكلدانيين الأوائل، أن الجريح لا يُعطى ماء، لأنّ الماء لا يضيف خلايا إلى الدم المهدور بل يُسرّع بتنشيف ما تبقى من دم في الأوعية، ما يؤدي إلى موت الجريح مباشرة.

إذن، وباعتبار أنّ قصة موت هشام لها أكثر من نهاية وغير دقيقة تاريخياً لتناقضاتها، فإنها بالجوهر تأتي لمعالجة المعنى الأخلاقي، واستخدام البُعد الأسطوري لتأليف واقعة من أجل إحلال نمط إضافي في بنية الأخلاق العامة للإسلام، بعيداً عن صحتها من عدمها، ينبثق لنا أمر قد يراه البعض تهكمياً لكنه مشروع.

لو أنّ أبا جهم قصّر زمن دورته بين الرجال الثلاثة وعودته إليهم ليشاهدهم قد ماتوا، وأعطى على التوالي الماء لابن عمه ثم هشام بن العاص ثم الرجل الثالث، لكان اختصر الزمن بنصفه، وكان من الممكن إنقاذ اثنين منهما إن لم يُنقذ الثلاثة، لكن المعنى الأسطوري للنمط الحكائي لن يكتمل لو فعل ذلك. إنّ عنصر القصة الأخلاقية ليتم إحلاله في النمط البنائي بشكل دقيق، يحتاج أبعاداً تراجيدية وعاطفية، لأنّ أساس القيمة، بالمعنى الحكائي، يأخذ مجده من النهاية وليس قبل النهاية.

بالرغم من أنّ إنقاذهم على المستوى البشري هو أولوية إنسانية، ولو تمّ إنقاذهم لكان لتاريخنا وحاضرنا صيغة مختلفة، اعتماداً على نظرية أثر الفراشة، لكن بإنقاذهم لن يبقى هناك أي قيمة يمكن توريثها للأجيال اللاحقة حول معنى التضحية بالإنسان في سبيل فكرة، أو للدقة، لن يكون هناك ترسيخ لمعنى العاطفة المجانية المُغلّفة باسم الواجب تجاه الفكرة لا الإنسان.

إنّ موروث التراجيديا في ثقافتنا الأخلاقية، والذي تمت صناعته فعلياً في النمط الإسلامي، ما زال حاضراً لاكتساب عاطفة، إن كانت على المستويات الفردية أم على المستويات الشمولية، ومرتبط دائماً بالتصورات الخيالية للنهايات الرومانسية إن كانت موتاً أم حياة

إنّ جميع التجارب الحكائية في الموروث لدينا تحاكي ذات النمط من القيم العامة لمفهوم القطيع الموحّد، إنها ثقافة الترويج للمؤسسة على حساب الإنسان، حتى أنها تأخذ أبعاداً وأشكالاً متنوعة تُعبّر عن تلك المجانية التي أصبحت جزءاً من ثقافة يومية، تتجلى بالإنسانية المفرطة، الرثائيات، البكائيات، النواح، الغضب، العصبية والتشدد، دون القدرة على التفكير المنطقي في الحالات الإنسانية: مشكلة التوريث الأخلاقي هو شعوره بتهديد البنية العقلية الواعية التي تحاول تجاوز الحدود النمطية للإنسان.

إنّ موروث التراجيديا في ثقافتنا الأخلاقية، والذي تمت صناعته فعلياً في النمط الإسلامي، ما زال حاضراً لاكتساب عاطفة، إن كانت على المستويات الفردية أم على المستويات الشمولية، ومرتبط دائماً بالتصورات الخيالية للنهايات الرومانسية إن كانت موتاً أم حياة. ولا ينطبق هنا الأمر على البعد الأخلاقي فقط، بل يمتد تأثيره ليشمل البُعد السياسي والاجتماعي، فالإنسان كقيمة محكوم بمجموعة التصورات النمطية لكل بُعد من هذه الأبعاد، ما زال يعيد إنتاج نفسه داخل دائرة معاييره القديمة.

ما نحتاجه فعلياً هو كسر هذا النمط الأخلاقي التراجيدي، ليس بمعناه التاريخي التراثي بل بمعناه النفسي، ليصبح الإنسان هو القيمة الفاعلة أمام تداعيات الشمولية الفكرية التي تتبنى أنماط العاطفة المجانية المرتبطة بالرثائيات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard