هدى سلطان... امرأة ثورة تحدَّت قوانين القبيلة والأبوية

الجمعة 21 أغسطس 202002:11 م

"كنت في صراع عنيف مع أسرتي، صراع بدأ منذ أن قررت الاشتغال بالفن، واشتد عندما تزعمه شقيقي المطرب محمد فوزي، فقد كان يحارب مع أسرتي هوايتي الفنية، ويعتبر اشتغالي بالفن خروجاً على التقاليد، لكني قررت أن أعمل بالفن ولتفعل القوة ما تشاء"... هكذا روت المطربة والممثلة المصرية هدى سلطان، في حوار رمضاني لها مع مجلة "المصور"، ومنه نستنتج أهم ما في تكوينها، ألا وهو أننا أمام "امرأة ثورة".

لم تكن تريد أن تصبح مطربة فقط، هدفها فيما يبدو لي كان ممارسة التغيير لقوانين القبيلة – على الأقل في محيطها - لإثبات وجودها كأنثى، كأصل لحياة التمرد والتغيير.

لم تكن تريد أن تصبح مطربة فقط، هدفها فيما يبدو لي كان ممارسة التغيير لقوانين القبيلة – على الأقل في محيطها - لإثبات وجودها كأنثى، كأصل لحياة التمرد والتغيير.

أب رافض لأهل الغناء

لأم غير متعلمة إلا بفطرة الأرض، ولأب فلاح يعمل مع الأرض أيضاً، وُلدت بهيجة عبد العال الحو، الاسم الأصلي لـ"هدى"، في 15 آب/ أغسطس عام 1925، في قرية كفر الجندي بمحافظة الغربية، ولدت بين خمسة أبناء أكبرهم محمد فوزي، وفرق بين لحظتي ميلادهما 10 سنوات.

تقول هدى لمجلة "نصف الدنيا"، في حوار نشر في تشرين أوّل/ أكتوبر 2002 احتفاء بذكرى فوزي: "كنت لا أجرؤ على الغناء أمامه في البيت رغم علمه أنني أغني، وهو الآخر لا يجرؤ على التصريح لوالدنا بهوايته للغناء، لأنه كان أباً رافضاً لأهل الغناء بسبب ما يسمعه عنهم".

تبدو نبرة هدى بأنها فتاة مستسلمة لأحكام مجتمعها الريفي الذي نشأت فيه، لذا جلست تتفرج على المعركة التي اقتربت بين والدها وأخيها الذي يريد أن يصبح مطرباً وملحناً مثل سيد درويش، مثله الأعلى حسب قولها.

انتهت معركة فوزي وأبيه باستمرار الأول في إهمال دراسته ورسوبه وقراره السفر إلى القاهرة ليدخل معهد الموسيقى، بعد أن كان قد تعلم أصول الطرب وقواعد الموسيقى على يد أحد رجال المطافي، ورغم موقف الأب المتغطرس ضد ابنه، فإن الأم، زعيمة ومكمن الثورة، كانت تتصرف لدعم ابنها مادياً في غربته، إذ كانت ترسل إليه حوالة بريدية بجنيه واحد كل شهر، بحسب ما روت هدى لـ"نصف الدنيا". واستمرت القطيعة بين الأب وابنه، المتمرد الأول، إلى أن تغير موقف الأب بعد بدء تناقل أخبار عن شهرة ابنه بين الناس، فتم التصالح بينهما، فيما تمهّدت الأرض لحظتها لثورة ثانية على يد ابنته لتقود انقلاباً، ليس على أبيها فقط ومجتمعه هذه المرة، بل على فوزي نفسه، إذ إن المعركة معه كانت أكبر، وكان هذا أمراً مدهشاً.


مقاومة الثوار لأنفسهم

إن أكثر ما يهوي بالثورات إلى الحضيض هو مرحلة ما يسمى بصراع الثوار، فإذا ما بزغت النجاحات عن بُعد لتحقيق فكرة الحرية والوجود، تبتدئ خبايا النفس البشرية في قيادة فكرة الثورة السامية في أصلها عن الأغراض إلى ديكتاتورية جديدة. وهذا ما جرى بين المتمردَين في حالتنا هنا، محمد فوزي وهدى سلطان، فبعد أن تمكن الثائر الأول من اجتياز عقباته، أعاد إنتاج صورة أبيه المتغطرس، وقاوم قرار أخته بالعمل في الغناء والتمثيل، فبعد أن مات والدهما وإخوتهما في الريف، انتقلت هدى لتعيش تحت وصاية فوزي ومسؤوليته بالقاهرة، وحين فكرت أن تعبر عن نفسها وعما تريد بدأت قصة تهديده لها "خوفاً عليها من أجواء أهل الفن"، بحسب ما راج للعامة أن يقولوا في كل زمان ومكان، لكن المرأة العادية الريفية أخرجت من صدرها مكونات الثورة التي اختمرت، فأظهرت معارضة عنيفة لأخيها، الذي وصل في تهديدها بالقتل، حسبما تحكي هدى للمجلة، لكنه اكتفى فيما بعد بسلاح القطيعة الذي طال لسنوات، فيما استكملت هي مسارها دون التفات إلى ماضي التقاليد، واحترفت الغناء بعد اعتمادها بالإذاعة المصرية كمطربة في عام 1949.

استمرت القطيعة بين الأب وابنه محمد فوزي، المتمرد الأول، إلى أن تغير موقف الأب بعد بدء تناقل أخبار عن شهرة ابنه بين الناس، فتم التصالح بينهما، فيما تمهّدت الأرض لحظتها لثورة ثانية على يد ابنته لتقود انقلاباً، ليس على أبيها فقط ومجتمعه هذه المرة، بل على فوزي نفسه، إذ إن المعركة معه كانت أكبر

الموت يصلح مفاسد الحياة

حينما يقترب الموت تأتي في ذيوله علامات التصالح والرضا وتصفية باقي حسابات الحياة وما بها من مغامرات ونزوات ومعارضات، وها هو فوزي يمرض مرضه المزعج الغامض، ويكون من بين حسنات هذا المرض أن يجمع الشقيقين مرة أخرى، فبعد أن تركت هدى زوجها الأول، محمد نجيب، لاعتراضه على اشتغالها بالفن، وزواجها من الفنان الكبير فريد شوقي، توجهت لمنزل شقيقها لزيارته لتقطع بذلك سنوات الخصومة ويستقبلها فوزي، الذي كان يستعد لنهايته، بالأحضان والبكاء، ويمنحها هدايا للصلح بدأت بلحن "لاموني وارتضيت باللوم".

كأي امرأة تهتم بإدارة بيتها، تحكي ابنتها المنتجة السينمائية ناهد فريد شوقي، لموقع "أخبار اليوم" المصري، أن هدى سلطان كانت تهوى الخياطة، إذ تقوم بحياكة فساتين زفاف بناتها، وفي كل عيد تحصل كل فتاة منها على ثلاثة فساتين، لكل يوم من أيام العيد فستان، وكذلك الأحفاد، كما كانت تفصّل "المايوهات والبيجامات" وتعلم بناتها الأعمال اليدوية كالكروشيه والتريكو. كانت كأي اشتراكية ثورية تحب الصناعات المنزلية التي تقوم بها بنفسها، وكل فساتين أدوارها التي تظهر بها على الشاشة، بداية من القماش إلى السورايه كانت تصنع بيديها على ماكينة خياطتها.

مرة أخرى نحن أمام امرأة تعتبر مؤسسة منزلية منتجة وتدار بها أدق تفاصيل الحياة.

تحولات

بدأت هدى سينمائياً باعتبارها فتاة رقيقة رومانسية ضعيفة الجناح أحياناً في أفلامها الأولى، مروراً بمرحلة السيدة الشعبية متفجرة "الأنوثة والخطيئة"، وكان المخرج عز الدين ذو الفقار، صاحب الفضل في إعادة صياغة شخصية وصورة هدى سلطان على شاشة السينما عام 1958، من خلال الفيلم الذي لعبت فيه دوراً مختلفاً تماماً عما قدمته في سنوات عملها السابقة، وهو فيلم "امرأة على الطريق"، إذ جسدت دور المرأة التي تستخدم كافة أسلحتها من الأنوثة والغواية والخيانة، واستثمر المنتجون والمخرجون نجاحها في هذا الدور ليقدموها في أدوار شبيهة في أفلام أخرى، مثل "نهاية الطريق" و"قاطع طريق" والاثنين مع رشدي أباظة، وقدمت في عام 1960 فقط 7 أفلام بعد نجاحها المكثف.

 هدى سلطان، ابنة نفسها وتجربتها، التي عارضت أسرتها وأخاها لتعمل بالفن، المطربة التي خسرناها من فرط ما كانت تريد أن تنجح على مستويات عدة، فلم تكتفِ بالغناء ولا التمثيل السينمائي، بل صارت في سنوات عمرها الأخيرة واحدة من أهم ممثلات الدراما التليفزيونية

"هدى" ولا أحد آخر

لا يمكن ذكر منجز هدى سلطان من زاوية أنها شقيقة المطرب والملحن الفذ محمد فوزي، ولا يمكن اختصارها في قرابتها لرجل موهوب مثله أتى ليكون جزءاً من تطور الموسيقى المصرية، كما لا يُتصور دمجها باطنياً باسم زوجها وشريكها الفني فريد شوقي، أحد صناع السينما العربية الكبار، فهي فقط هدى سلطان، ابنة نفسها وتجربتها، المطربة التي عارضت أسرتها وأخاها لتعمل بالفن، المطربة التي خسرناها من فرط ما كانت تريد أن تنجح على مستويات عدة، فلم تكتفِ بالغناء ولا التمثيل السينمائي، بل صارت في سنوات عمرها الأخيرة واحدة من أهم ممثلات الدراما التليفزيونية، إذ كان ظهور وجهها في عمل تليفزيوني يوحي بأنه مطبوخ ومسبوك مثلها تماماً، فهي لا تقبل أن توضع كمالة عدد في دور الأم أو الجدة، فكانت فاعلة في الأحداث، بل كانت هي أحياناً الأحداث كلها، ولنا في شخصية "فاطمة تعلبة" برواية "الوتد" للكاتب الكبير خيري شلبي، دليل، فقد تحولت الرواية إلى عمل تليفزيوني قامت ببطولته هدى سلطان، لتقدم دور الأم "عمود الخيمة" لأسرتها، عكس ما كان يروج في ثقافة العرب بأن الرجل هو المسؤول عن تدبير شؤون البيت وصاحب القرار فيه.

هنا تنهزم القوانين الأبوية أمام هدى، بشخصيتها القوية وعينيها الحادتين وجسدها الممتلئ في سن متأخر، والذي يشبه أجساد أمهات الريف وجداته، لتمثل فينا القائدة التي ينصاع لرأيها أبناؤها الرجال وزوجها المتواري وراء ظلها الفتيّ.

كانت هدى امرأة بلا عون في الحياة إلا من خلال ساعدها القوي وصلابتها، كانت تستعصي على التصنيف، فلو تذكرناها كمطربة ننساها كممثلة خارقة والعكس.

وصف الموسيقار محمد الموجى صوت هدى سلطان بأنه "بارع وقوي ويعرف في عمق أصول الغناء المتقن"، وقدمها رياض السنباطي في الغناء الرصين، إذ كانت المطربة الوحيدة التي شاركته بطولة فيلمه السينمائي الوحيد "حبيب قلبي، 1952"، لكننا بكل أسف ننسى أنها مطربة من طراز مميز جداً، لأنها لم تكن صاحبة مشروع غنائي، بل كانت صاحبة مشروع ثوري في المقام الأول.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard