نجاة الصغيرة... صوت الغيرة والخوف والجنّة المخنوقة

الثلاثاء 11 أغسطس 202001:46 م

لا نعلم كثيراً عن طفولة ذلك الصوت الأنثوي جداً، إلا ما راج عنه بلمعانه المبكر وغنائه صغيراً أمام الكبار. بداية مواجهة صعبة مع عالم أضخم يصيب الطفل بالخوف، كأن يلتقي بمن هم أنضج أو أقسى. والخوف لا منافس له في المشاعر الإنسانية. يقود الفرد إلى ما يُضعفه. كل شيء مع الخوف يتحول إلى تهديد: انطفاء الإعجاب وظهور منافس قوي يضعني في مرتبة أقل. بدايات الغَيرة تهديد... كأنني أصبحتُ في منطقة عمياء غير مرئية.

ألا أكون بذلك ضحية؟ يقول صوت "نجاة" لنفسه مستسهلاً: أنا أغار... إذن أنا خائف. نجاة هي صوت الغَيرة والخوف معاً.

لو كان للخوف صوت لكانت الغيرة، ذلك الإحساس الذي يدفع النفس للتآكل، لكن مع تحول صاحب الغيرة إلى صورة قبيحة من المشاعر الإنسانية تجاه أقرب الأقرباء، يكون المصاب بها في حاجة ماسة للدفاع عن صورته بأن يجعل من نفسه ضحية، مثل تلك الصغيرة جداً، نجاة التي سبقت أختها سعاد في الميلاد بخمسة أعوام، لتأتي الضيفة الجديدة وتسحب البساط بمنتهى العنف من تحت قدميها.

وجدت نجاة نفسها فجأة نجمةً احتياطية لأسرة بزغت فيها شمس بحجم سعاد. كانت نجاة محظوظة بصوتها ورعاية عبد الوهاب، لكنها جمعت الحظ ونقيضه في آنٍ. حظيت بتبنّي عبد الوهاب لصوتها وأعطاها هالة قداسة حُرمت منها أخريات، مثل شادية التي خرجت من جنة الموسيقار بأغنيتين فقط، لكن من سوء حظ نجاة أن بقيت عقدتها الأبدية المسماة سعاد حسني، تطاردها في حِلٍّ وترحال.

حين كانت نجاة بعمر 8 سنوات كانت سعاد تحبو في سنتها الثالثة من الحياة، لكنها من أول خطوة لها صارت نجمة حين شاركت في برنامج الأطفال الأشهر بالإذاعة المصرية "بابا شارو"، وغُنيت وقتها أغنية باسمها: "أنا سعاد أخت القمر... بين العباد حسني اشتهر".

بداية درامية تكفي لإيقاظ غَيرة الأخت الكبرى تجاه أختها اللامعة قبل الأوان.

وُلدت الأختان لأسرة انفصل فيها الأبوان. توزعت إقامتهما بين بيت الأم مرة وبيت الأب مرة. أبوهما محمد كمال حسني البابا، خطاط دمشقي هاجر إلى مصر وتزوج بمصرية. كتب الصحافي فكري أباظة عن الطفلة المطربة في بداية ظهورها، واصفاً إياها بأنها "الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية حتى يشتد عودها". في مقابلة لها مع التليفزيون المصري قالت نجاة إن لها ثمانية إخوة، وأشارت مصادر إعلامية أخرى إلى ضِعف هذا العدد ونسبت لها 17 أخاً، بضم إخوة سعاد من أمّها كإخوة لـنجاة.

عدد ضخم لعائلة محدودة الإمكانيات المادية ربما كان سبباً في ضعف بنية الثقة عند الأختين، وكذلك بنية العاطفة والمحبة بينهما وبين أبويهما. حتى إن سعاد مثلاً لم تحظ بأي قدر من التعليم. فقر وزحام أخوي أديا إلى "اختلال أسري" مهّد للغَيرة، خاصة عندما يكون أحد الإخوة متدني الإمكانات بالنسبة لآخر قريب منه في العمر، وهي الحالة المنطبقة على الأختين. فلا مجال لمقارنة إمكانيات نجاة، كمطربة ضمن مطربات كثيرات، بسعاد التي هي فلتة من فلتات التمثيل العربي، حتى حين مالت في وقت فراغها إلى الغناء، رغم أنها بالتأكيد ليست مطربة بالمعنى الحرفي، اكتسحت السوق بشكل أخجل محترفات الغناء، وعلى رأسهن أختها نجاة الصغيرة.

وجدت نجاة نفسها فجأة نجمةً احتياطية لأسرة بزغت فيها شمس بحجم سعاد. كانت نجاة محظوظة بصوتها ورعاية عبد الوهاب، لكنها جمعت الحظ ونقيضه في آنٍ

كانت العدوانية نتيجة طبيعية للتنافس المحموم وغير المعلن بينهما، وهو ما نستنتجه مما فعلته نجاة بسيرة أختها ومصيرها، بعد أن ماتت في حادث غامض في لندن. تقول "جانجاه"، أخت سعاد من أمّها، لـ"إندبندنت عربية"، إنها قاطعت نجاة منذ زمن طويل، لافتة إلى غَيرة نجاة من نجاح سعاد.

وكشفت أن نجاة قامت بتصرفات غير مقبولة، فبعد وفاة سعاد، كانت مُجبرة من أطراف على دور معين تلعبه، حيث أمرت شقيقها عز الدين حسني، بإحضار جثمان سعاد من لندن بعد الحادث، رغم أنه ونجله أحمد عندما توجها لشقة نادية، مرافقة سعاد في مسكنها بلندن، قالت لهما: "سعاد ماتت بين يديها على (كنبة)، وليس عقب سقوطها من الشرفة، حسبما عرفنا فيما بعد، ولم يبلغ بتلك الواقعة كاتهام رسمي ضد نادية للشرطة الإنجليزية، بل تسلم الجثمان، وهذا ما أغلق ملف القضية... موقفها كان غريب... خذلت أختها وضيّعت حقها من أجل مصلحتها".

خافت نجاة أن تتحول ابنة عائلتها، سعاد، إلى مطربة ناجحة أكثر منها.

عام 1958، أتمت سعاد حسني 15 عاماً، واختيرت في هذه السن كبطلة لفيلم "حسن ونعيمة" الذي كتبه عبدالرحمن الخميسي، وشارك في إنتاجه الموسيقار عبدالوهاب. لم تُغنِّ سعاد في الفيلم، لكن مشروعاً سينمائياً أشيع بعده أنه سيجمع الأختين عام 1968، وأعلنت نجاة لمجلة "الموعد": "فكرة الفيلم تدور حول تجسيدها دور مطربة تجتهد لإسعاد شقيقتها".

لم يظهر الفيلم، وربما كانت تلك إشارة مبكرة لسوء العلاقة بين الأختين. تقول جانجاه: "نجاة ما كانت لتوافق على أن يجمعها عمل فني مع سعاد".

بعد نجاح "حسن ونعيمة" الذي عُرض عام 1959، وميلاد قنبلة سينمائية جديدة. أدخلت سعاد عنصر الغناء إلى مشروعها على يد كمال الطويل ومحمد الموجي، في فيلمها الأشهر "صغيرة على الحب"، ثم الفيلم الاستعراضي الناجح "خلي بالك من زوزو" و"أميرة حبي أنا"، وتردد أن نجاة كانت تتدخل لدى الشعراء والملحنين وتحاول إبعادهم عن العمل مع سعاد.

خافت نجاة أن تتحول ابنة عائلتها إلى مطربة ناجحة أكثر منها، مثلما نجحت كممثلة بشكل فاق الجميع، فهُما محسوبتان على شجرة واحدة، ولا مجال أن يُزهر غصن على حساب آخر.

الصحافي بمجلة الإذاعة والتليفزيون محمود مطر، والمقرب من سعاد ونجاة، قال في لقاء تلفزيوني: "سعاد طول عمرها بتتكلم عن نجاة بشكل جيد، لكن نجاة بصمتها حتى وقتنا أعطت فكرة أنها بتحقد على سعاد، بسبب إن أم سعاد أخذت مكان أمها، وبسبب نجاح سعاد لما غنت"، مشيراً إلى دهشته من إقامة نجاة لحفل غنائي أقيم في أواخر حزيران/ يونيو 2001 أي بعد حادث وفاة "سعاد" مباشرة في 21 من الشهر نفسه، رغم أنها كانت متوقفة عن أي نشاط فني ومختفية لسنوات قبل الحادث.

على المستوى الجماهيري، تعددت تسميات الشهرة لصوت نجاة، وغالباً كان نحّاتو هذه الأسماء من صحفييها المقربين. كانت تجيد العلاقات العامة مثل عبد الحليم حافظ، الذي بدوره كان يغار من وجودها في مساحته الرومانسية، حتى أنه كان في جلساته الخاصة يغني أغنيات حظيت بها نجاة.


وجه آخر للغيرة في حياة "الصغيرة والقيثارة وصوت الحب الدافئ"، وتسميات أخرى بلاغية تحمل قوارير العطور في تركيباتها، في إطار الدعاية بلا شك، يمكن أن نضيف إليها توصيفاً آخر: صوت ترسّخ في مخيلة الذكور العرب باعتباره استرخاء الجنة وألحان أنوثتها، لكنه يبقى صوتاً مختنقاً غير واضع المخارج بالمعايير الفنية.

على المستوى الجماهيري، تعددت تسميات الشهرة لصوت نجاة، وغالباً كان نحّاتو هذه الأسماء من صحفييها المقربين. كانت تجيد العلاقات العامة مثل عبد الحليم حافظ، الذي بدوره كان يغار من وجودها في مساحته الرومانسية، حتى أنه كان في جلساته الخاصة يغني أغنيات حظيت بها نجاة

مع اعترافي بعشقي للكثير من أغنياتها، لكن لا يمكن وضعها في قائمة المعجزات، بل أقول إنها أخذت، مثل عبدالحليم، أكثر مما تستحق من النجومية الطربية، بقربها الشديد من عبدالوهاب، إعجابه الهائم بصوتها وإهدائه إياها عشرات الألحان، في حين أنه قال عنها، بناء على ما كتبه أنيس منصور في مجلة "بناء الوطن" عام 1965. ربما كان معجباً بـنجاة كامرأة قبل إعجابه بصوتها، مثلما تقول الحكايات.


أراني مجبراً على التوقف أمام مدى فرادة صوت نجاة، لأنها في الحقيقة لم تستطع صبغ شخصية واضحة في أغانيها لصوتها. غنّت بطريقة ملحنيها. مع عبدالوهاب تؤدي أداءه وتتقمصه، "أيظن" مثالاً. مع السنباطي نلاحظ ابتهالات السنباطي في صوتها، "إلهي ما أعظمك" مثالاً. مع "بليغ" تتحد مع عاطفته اللحنية السائلة، "الطير المسافر" مثالاً. مع الأخوين رحباني في "دوارين في الشوارع" تغني كأنها فيروز... كانت مترجمة جيدة لملحنيها، ومن بينهم كمال الطويل، صانع أسطورة سعاد حسني الغنائية.

بقيت سعاد عُقدة نجاة، رغم أن الإمكانيات الصوتية كانت لصالح صوت نجاة، لكن يبدو أن لعب دور الضحية كان دائما أسهل وأكثر إقناعاً للخاسرين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard