"بذخ وجوع للمال والسلطة"... وقائع مثيرة من قصة صعود بن سلمان

الجمعة 21 أغسطس 202002:55 م

في تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، في 20 آب/أغسطس، سرد الصحافيان الأمريكي برادلي هوب والبريطاني جاستن شيك وقائع مثيرة عن بدايات صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الحكم، وأسباب شغفه بالرفاهية والتعطش للمال وجمع الثروة.

ويمكن القول إن أهم ما جاء في هذا التقرير الذي قال هوب وشيك إنه مُقتبس من كتابهما "الدم والنفط: سعي محمد بن سلمان الدؤوب للقوة العالمية" الذي سينشر مطلع الشهر المقبل هو كشفه عن بداية تنفيذ بن سلمان بعض "الأعمال البغيضة" كي ينال رضى أصحاب النفوذ، وهذا ما قد يفسر كيف أقدم على ارتكاب جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي.

يستخلص الصحافيان أن بن سلمان في مراهقته كان مهووساً ببناء ثروته ومحاكاة مؤسس شركة "آبل" ستيف جوبز، أما الآن فهو يتحكم في أموال أكثر مما يعرف كيف يتصرف بها.

حفلة المالديف

في بداية التقرير، يروي الصحافيان وقائع إحضار بن سلمان لـ150 فتاة من البرازيل وروسيا وأماكن أخرى، صيف عام 2015، إلى منتجع فاخر في جزر المالديف لقضاء عطلة مدتها حوالي شهر.

بعد وصول الفتيات إلى المالديف، تم نقلهن إلى عيادات طبية للتأكد من خلوهن من الأمراض المنقولة جنسياً، وذلك قبل اصطحابهن إلى منتجع حجزه للأمير برفقة العشرات من أصدقائه، وذلك للاحتفال بتولي والده سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم أوائل عام 2015.

حينما تولى الملك الحكم فوّض صلاحيات غير عادية لنجله محمد، فأخذ الأخير يعزز سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية وبدأ في تغيير اقتصاد المملكة المعتمد على النفط.

من هنا، بدأ الأمير الشاب يشعر بنشوة السلطة وجمع الثروة، فنظم هذه الرحلة بحلول شهر تموز/يوليو من ذلك العام، كاستراحة له بعد جهد طويل بذله في مساعدة أبيه في الوصول إلى مقاليد الحكم.

في 2015، احتفل بن سلمان بتولي أبيه مقاليد الحكم في المالديف، وأحضر 150 امرأة إلى منتجع حجزه بـ50 مليون دولار، لكنه رحل سريعاً حين بدأت الأخبار تنتشر... بعض ما ورد في تقرير لـ"وول ستريت جورنال" مقتبس من كتاب عن ولي العهد يُنشر الشهر المقبل

وحجز الوفد المرافق له، والذي كان مهووساً بالخصوصية، منتجع "Velaa" بأكمله لمدة شهر بتكلفة 50 مليون دولار، بينما تم منع الموظفين من إحضار الهواتف المحمولة المزودة بالكاميرات، فيما حضر مغني الراب الأمريكي بيتبول ونجم البوب ​​الكوري الجنوبي ساي للغناء للأمير خلال تواجده في المالديف.

بعد أقل من أسبوع على بدايتها، انتهت العطلة بشكل مفاجئ وذلك مع تسرب أنباء زيارة الأمير في إحدى الصحف المالديفية والتقاط وسائل إعلام في إيران الخبر ونشره. 

عاد بن سلمان من العطلة إلى السعودية ليبدأ رحلته والتي تخللها كبح جماح الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، والحرب في اليمن، واحتجاز أصحاب المليارات وأقاربه في فندق ريتز كارلتون بالرياض بسبب مزاعم تورطهم في الفساد.

خلال هذا الوقت اشترى الأمير الشاب يختاً طوله 439 قدماً، مقابل 429 مليون يورو، بالإضافة إلى قصر بالقرب من مدينة فرساي الفرنسية بأكثر من 300 مليون دولار.

رجل أعمال العائلة

سرد التقرير قصة وأسباب شغف ولي العهد السعودي بجمع الثروة بعدما تولى أبيه مقاليد الحكم، فعائلة سلمان كانت أقل ثراء من الأمراء الآخرين.

كان الملك سلمان يتلقى راتباً شهرياً ضخماً لكنه كان يصرفه في إدارة قصوره، ودفع رواتب الموظفين، كذلك كان ينفق ما لديه بسخاء وعليه لم يوفر ثروة له. تلك الحقيقة صدمت بن سلمان حين كان عمره 15 عاماً، إذ أخبره ابن عمه أن والده الملك لم يجمع ما يعتبره أفراد العائلة المالكة السعودية ثروة كبيرة.

وأكثر من ذلك، فقد كان سلمان مديناً بشكل خطير، ويذكر التقرير أن أصدقاء العائلة أُصيبوا بالصدمة في العقد الأول من القرن الحالي عندما انتشر خبر في باريس بأن مقاولي وموظفي سلمان لم يتلقوا رواتبهم لمدة ستة أشهر.

من هنا، قرّر بن سلمان أن يصبح رجل أعمال عائلة أبيه، فبدأ في عمر 16 عاماً ببيع الساعات الذهبية الفاخرة التي حصل عليها كهدايا، وجمع مائة ألف دولار. وبهذا المبلغ، كوّن رأس مال أولي قرر استثماره في سوق تداول الأسهم، لكنه سرعان ما خسره على الرغم من تحقيقه مكاسب في بداية الأمر.

بعد الجامعة، قرّر السفر إلى الخارج والدخول في عالم المصارف والاتصالات أو العقارات، ولم يكن يتوقع أنه سيحصل على سلطة سياسية في المستقبل إذ لم يكن لديه أمل كبير في الاقتراب من العرش.

في بعض الأمسيات، كان بن سلمان يصطحب أصدقاءه إلى الصحراء، حيث ينصبون الخيام ويشعلون النيران، وهناك كان يتحدث عن خططه ليصبح مليارديراً مثل ستيف جوبز وبيل غيتس، كما يتحدث بإحباط متزايد عن الشباب السعودي. يتذكر أحد الحاضرين أنه قال: "نحن من يقرر مستقبل جيلنا… إذا لم نتحرك، فمن سيفعل؟".

في تلك الفترة ركز الأمير محمد على بناء ثروة له وإنشاء الشركات والاستحواذ على حصص في الشركات الأخرى.

"كان بن سلمان يعرف جيداً كيف يجعل نفسه مفيداً للرجال الأقوياء في المملكة مثل الملك عبدالله، إذ كان يقوم بمهام بغيضة للغاية بالنسبة للأمراء الآخرين، مثل طرد أرملة ملك سابق من قصر"... قصة صعود بن سلمان كما نقلها تقرير صحافي مقتبس من كتاب عنه يُنشر الشهر المقبل 

في عام 2008، تمكن عبر وسطاء من إقناع شركة "فيريزون" للاتصالات في أمريكا بإحضار البنية التحتية للألياف الضوئية إلى السعودية. وشهدت الصفقة حصول الشركة على حصة صغيرة في مشروع كان أكبر المساهمين به إحدى شركات بن سلمان.

كان رئيس القسم القانوني في فيريزون ويليام بار الذي يشغل الآن منصب المدعي العام للولايات المتحدة. وساعدت هذه الصفقة في تعزيز مكانة بن سلمان في المملكة حتى بدأ أبيه في ذلك الوقت بالتفاخر به أمام الزائرين، فقال ذات مرة "ابني جنى الملايين للعائلة".

بعد إتمام الصفقة، لم يكن لدى شركة ابن سلمان الخبرة لتنفيذ المشروع، إذ سرعان ما انسحبت الشركة الأمريكية وغادرت المملكة.

وفي عام 2013، تم اكتشاف أنماط تداول مشبوهة مرتبطة بحسابات تخص بن سلمان وأمراء آخرين، فحقق كبير منظمي الأسهم في المملكة في ذلك الوقت محمد الشيخ في هذه الوقائع، وتوصل إلى أن تاجراً يتصرف نيابة عن بن سلمان كان مسؤولاً عن التداول المشبوه.

غضب الملك عبدالله حين علم بالتداول المشبوه لبن سلمان، فقرر طرده ومنعه من التدخل في شؤون الحكومة. على الرغم من ذلك، كان الأمير يدرس بعناية كيفية اكتساب واستعادة مكانته في الديوان الملكي.

وفقاً لتقرير الصحيفة، كان بن سلمان يعرف جيداً كيف يجعل نفسه مفيداً للرجال الأقوياء في المملكة مثل الملك عبد الله، إذ كان يقوم بمهام بغيضة للغاية بالنسبة للأمراء الآخرين، مثل طرد أرملة ملك سابق من قصر رفضت إخلاءه.

عندما تولى سلمان العرش، بدأ ابنه الشاب يعطي أفكاره الأولوية القصوى. ففي اليوم التالي لجنازة عبدالله، تولى بن سلمان مسؤولية الديوان الملكي، وفي الرابعة صباحاً، استدعى المسؤولين ورجال الأعمال للقاء في وقت لاحق من ذلك اليوم.

سألهم بن سلمان عما إذا كانت إعادة تشكيل الحكومة السعودية بالتخلص من لجان الحكم التي يرأسها عبدالله أمر محفوف بالمخاطر، وقد نصحه البعض خلال الاجتماع بالتحرك ببطء لرصد التأثيرات غير المتوقعة، لكن الأمير رد، بحسب شخص حضر الاجتماع، بالقول "هذا هراء"، مضيفاً "إذا كان هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله، فسنفعل ذلك اليوم".

في غضون أسبوع، تم تعيين بن سلمان ليكون مسؤولاً عن الاقتصاد والجيش في المملكة. أحاط نفسه بمستشارين جدد، بعضهم لديه خلفية حكومية قليلة، وشجعهم على المناقشة معه في الليل حول أفكار سياسية. وعين محمد الشيخ - الرجل الذي حقق معه في 2013- في منصب مستشار اقتصادي أول.

بعد فترة وجيزة، تولى بن سلمان السيطرة على شركة "أرامكو" السعودية المنتجة للنفط، وهي الشركة الأكثر ربحية في العالم، ثم حوّل صندوق الثروة السيادي إلى أكبر مستثمر في وادي السيليكون بالولايات المتحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard