التعاسة كضرورة للاندماج

الأربعاء 12 أغسطس 202001:29 م

حين تناقلت شاشات الإعلام العربي الانفجار الهائل الذي حدث في بيروت، كنتُ بنزهة قصيرة في الريف المترامي الأطراف لمدينة فرانكفورت، العاصمة المالية لألمانيا، للتخفيف من الزيادة الهائلة في الوزن التي طرأت عليَّ مؤخراً جراء الجلوس لساعات طويلة وراء شاشة الكمبيوتر، بعد أن تحول كل شيء في هذا العالم إلى واقع افتراضي، فرضه انتشار فيروس كورونا.

وحتى أكون منصفاً، فإن البدانة كتربية الحيوانات الأليفة، اعتبرها في كثير من الأحيان السمة الأولى من سمات استقرار المهاجر، وإعلانه الذاتي في الانتقال من الدهشة والغرابة إلى قبول الأمر الواقع والمحاولات الحثيثة للاندماج.

بما لأنني فقدت منذ زمن الأمل في مستقبل مشرق تحفل به بلادي، وبتّ أكثر تصالحاً مع تعريفي الجديد لهويتي، فأنا نصف مواطن ألماني، أغرس أقدامي في أرض واقعي الجديد>

رنّ هاتفي المحمول، سمعت على الجهة الأخرى صوت صديق قديم هرب من جحيم الحرب السورية إلى بيروت. وجد عملاً بسيطاً يعتاش منه وبدأ رحلة بحث مضنية في سفارات العالم، على أمل الحصول على فيزا تنقله إلى أوروبا، كندا أو أمريكا. قال لي بأنفاس متعبة لقد دمرت المدينة بأكملها ورائحة الدماء تلف الهواء في كل مكان، سألني: هل مازلت تحلم بالعودة إلى هذه البقعة الجغرافية التي لا تنذر إلا بالخراب؟

صدمني سؤاله أكثر مما صدمني هول الفاجعة التي ألمت ببيروت، ربما لأنني فقدت منذ زمن الأمل في مستقبل مشرق تحفل به بلادي، وبتّ أكثر تصالحاً مع تعريفي الجديد لهويتي، فأنا نصف مواطن ألماني، أغرس أقدامي في أرض واقعي الجديد، أبني مهنة جديدة وعالماً جديداً بات ينذر بقطيعة شبه نهائية مع الماضي السحيق الذي أنتمي إليه. وربما لأنني بلا وعيي العميق أدركت عجزي وعجز هذا الجيل من الشباب العربي الذي حاول أن يغير الواقع ويحلم بالحرية، فكسر وتشرد وتمزق وتناثر في أرجاء الأرض.

لم أجب على سؤاله وأنهيت المكالمة بعبارات العاجز الذي يحاول بثّ أمل ميت في نفسه، وعدت على دراجتي الهوائية إلى بيتي مسرعاً، على أمل أن نكمل حديثنا في المساء.

إن من أثر الهشاشة على المهاجرين، هي الأسئلة الكبيرة التي تدور في خلدهم، والتي تطرحها أبسط الحوادث اليومية، كإعادة تعريف الذات والانتماء وقضايا الهوية والمكانة.

فهل حقاً سأصبح مواطنا ألمانياً بكنية عربية، ملامح قاسية ولغة ركيكة؟ وحتى أهرب من أسئلة كثيرة باتت تعصف برأسي، أسرعت إلى صفحتي على فيسبوك علّي أهرب من أفكاري. كان الموقع الأزرق قد امتلئ بصور العلم اللبناني، مشاهد من الانفجار ومنشورات التعاطف مع المدينة المنكوبة. حاولت أن أكتب لصديقتي الألمانية في الجامعة. شرحت لها على عجل هول ما حدث ونقلت لها مخاوفي من اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط، ربما أسمع رأياً مختلفاً عن الأحداث التي تدور في بلادي.

لكنها أجابتني باختصار شديد بأنها تستعد للذهاب إلى السينما، وأن وقتها لا يكفي لمحادثة قصيرة، لكنها لم تنس أن تعيد على مسامعي أن بيروت بعيدة، وأن الحرب لن تصل إلى ألمانيا، وأننا هنا ننعم بنظام متكامل من التأمين الصحي والخدمات الاجتماعية، وأنه عليّ أن أكون سعيداً لأنني هنا.

وجدت نفسي متفقاً مع ما قالته الفتاة، فأنا سعيد فعلاً بحجم ما أملك من ذاكرة مثقوبة، وبحجم ما أتحرر من هذا الارتباط العميق الذي يذكرني دائماً بأنني من هناك، من مكان مختلف، مخيف وموحش، لكنه دافئ وجميل. يحمل في طياته كل التناقضات، لكنه موجود وقائم. يموت فيه العشرات كل يوم جوعاً وقهراً وحرماناً، في حين أنعم أنا هنا بكل ما ذكرت.

إن من أثر الهشاشة على المهاجرين، هي الأسئلة الكبيرة التي تدور في خلدهم، والتي تطرحها أبسط الحوادث اليومية، كإعادة تعريف الذات والانتماء وقضايا الهوية والمكانة

قبل أيام...

مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامة في ألمانيا، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور بعض التلاميذ اللاجئين الذين حصلوا على معدلات عالية، كمثال عن الاندماج الناجح الذي يصنعه اللاجئون في مجتمعاتهم الجديدة. سارع الإعلام لسرد تفاصيل هذا النجاح والصعوبات التي اعترضت طريق اللاجئين لتحقيق أهدافهم. بدا لي الأمر جذاباً وانتابتني سعادة غامرة لكل اسم بدا لي أن صاحبه يشاركني هويتي، سارعت بحدسي الإعلامي إلى إجراء مقابلة سريعة مع إحدى المتفوقات، التي قالت لي إن أحلامها تكمن في الحصول على تعليم جيد، ثم العودة إلى وطنها الذي دمرته الحرب لتسهم في إعادة بنائه.

بدت لي الإجابة تقليدية، اعتاد على ترديدها جميع المهاجرين حتى يثبتوا لأنفسهم أولاً أنهم مازالوا على ارتباط وثيق بهويتهم الأم، وأنهم لم ينسوا ذلك الحيز الجغرافي الذي صنع ذكرياتهم، وحينما سألتها أليس من الأنانية التفكير بالعودة؟ أليست هذه البلاد أيضاً من أتاحت لنا فرص التعليم وأنفقت ما أنفقت في سبيل ذلك؟ ألا يعتبر البقاء أيضاً واجباً أخلاقياً؟ أجابت الفتاة أن الاندماج يبدو لها مستحيلاً طالما هناك طفل يموت في وطنها الأم، ولا يجد قدراً كافياً من الرعاية الصحية يحظى بها.

كورونا الوطن

نتشارك كلاجئين منذ أشهر مع كل سكان الأرض تداعيات أزمة كورونا على الحياة العامة، فالجميع يقف أمام انتشار الفيروس وقوف العاجز... لا دواء ولا لقاح. تبدو الحياة نوعاً من الحظ، لكن العزاء في أننا جميعاً نتشارك تفاصيل الحياة ذاتها، مع فارق بسيط هو أننا كلاجئين نحمل خوفاً مضاعفاً، خوف على أنفسنا أولاً ثم خوف على من تركناهم هناك في أوطاننا الفقيرة، المنهكة من الحروب، حيث لا تتسع المستشفيات إن وجدت، ولا يجد الناس سبلاً للوقاية.

تصلنا كل يوم من أوطاننا عشرات الصور عن أناس يفقدون القدرة على التنفس ويموتون في الشوارع العامة، صور أخرى عن الازدحام الذي يجبر الناس عليه لتأمين الماء والخبز والحاجيات الضرورية للحياة. قال لي صديق لاجئ يعيش هنا إنه في غاية الاكتئاب بعد محادثة هاتفية قصيرة مع والده، إذ طلب من والده المسن أن يحتاط ويتخذ ما يستطيع من إجراءات الوقاية، فأجابه والده أنه مستعد للدخول في حجر صحي لا ينتهي للحفاظ على ما تبقى من حياته، فيما لو عاد ابنه لتأمين مستلزمات الحياة له.

هناك آلية نفسية تحول بين اللاجئ وسعادته، إذ لا يسمح اللاجئ لنفسه أن يعيش سعيداً. تتحول السعادة إلى فعل مقارنة مع الواقع الأليم الذي تعيشه عائلته في وطنه الأم، عليه أن يشعر دائماً بألم مستمر، برغم كل ما يقدم له من امتيازات حتى يبقى متوازناً

السعادة فعل ممنوع

أتاح لي عملي في إحدى دور رعاية الشباب اللاجئين أن أطلع على العشرات من قصص الشباب اللاجئين، أحلامهم وآمالهم، مشكلاتهم ومخاوفهم. إن أشد ما يبقى عالقاً في ذاكرتي هو شعورهم عندما يبلغون الـ18 عاماً ويسمح لهم بالانتقال ليعيشوا في بيوت خاصة بهم. ذات مرة قال أحدهم عندما عاد إلينا زائراً، رداً على سؤالي كيف تبدو الحياة في بيتك المستقل؟ أجاب هي أفضل من هنا على كل حال، ما أثار دهشتي هو تعليق أحد المربين على الحوار، إذ قال: هناك آلية نفسية تحول بين اللاجئ وسعادته، إذ لا يسمح اللاجئ لنفسه أن يعيش سعيداً. تتحول السعادة إلى فعل مقارنة مع الواقع الأليم الذي تعيشه عائلته في وطنه الأم، عليه أن يشعر دائماً بألم مستمر، برغم كل ما يقدم له من امتيازات حتى يبقى متوازناً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard