"الناس لبعضا"... "صيدليات إلكترونية" لتأمين الدواء للسوريين

الأربعاء 12 أغسطس 202006:04 م

"أنا كان بدي إبر حديد (شراب) أسبوعية، لأنو عندي فقر دم شديد وكمان بسبب النزيف الشهري بيروح مني دم زيادة، وما كنت قدرانة ظل عم جيب هي الأدوية لأنو وضعنا المادي تحت الصفر وزوجي قاعد بلا شغل، شايف أنت كيف ظروف البلد، خليها ع الله".

هذا ما تقوله ملاك (اسم مستعار) لرصيف22 وتروي كيف وفّر الدواء لها أشخاص لا تعرفهم ولكن تجمعها بهم المواطنة. "فتت ع غروب اسمو ‘دواك مأمّن’ وتعرفت هنيك ع شب سوري بيدير المجموعة اسمو بلال وحكيتلو قصتي بالتفصيل وطلبت منو المساعدة بأي شي بيقدر عليه".

لم يتوانَ بلال عن المساعدة. وضع منشوراً يطلب فيه من "أهل الخير" مساعدة المرأة البالغة من العمر 44 عاماً. تقول ملاك: "قدر بلال يأمنلي عن طريق المساعدة بالغروب إبر فيتامين وحديد وحبوب ضغط بسرعة".

الإبر التي كانت تطلبها ملاك كان سعرها ألف ليرة سورية قبل أن يرتفع ليصبح أربعة آلاف ليرة. "أنا ما عندي أي قدرة مادية فما بقى حسنت جيبن، أنا ما بعرف مين الناس اللي ساعدوني بس بعرف إنو عن طريق بلال والغروب تبعو. بعد ما نشرلي بوست أول مرة بعتولي علبة بعلبة، وهلأ من جديد علبتين".

"يا أمّييي"، تقول ملاك المكسورة خلال حديثها عن الفقر الذي نال من صحتها وحرمها الدواء حيناً.

صيدليات إلكترونية

بالتزامن مع الأزمة الدوائية الخانقة التي ظهرت في ربيع العام الحالي، برزت العديد من المبادرات والصفحات والمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تقديم الرعاية الطبية الافتراضية كالاستشارات وصولاً إلى هدف أبعد وأعمق هو تأمين الدواء المجاني لمحتاجيه، وبرزت فكرة مبادلة الأدوية بين أشخاص يملكونها وغير محتاجين لها وآخرين بأمس الحاجة لها.

الملف الطبي والدوائي السوري بات في عين العاصفة مباشرة. أدوية فُقدت فجأة، وأخرى انقطعت، وثالثة تحتكرها الصيدليات والمستودعات الطبية في ظل غياب رقابة حقيقية على الإنتاج الخاص، علماً أن سوريا كانت تنتج ما يغطي معظم الحاجة المحلية دوائياً قبل الحرب.

لم تعد المؤسسات الرسمية قادرة على الإنتاج، في ظل النقص في المواد الأولية، بسبب العقوبات المفروضة على سوريا وبسبب ارتفاع سعر الدولار. وتراوح ارتفاع أسعار الدواء المتوفر من 100 إلى 500%.

مجموعة "دواك مأمّن" واحدة من هذه المجموعات المستحدثة على منصة فيسبوك مع مطلع شهر حزيران/ يونيو، يديرها بلال العيد وهو طالب جامعي.

يقول العيد لرصيف22: "نحن منصة إلكترونية عبارة عن مجموعة على فيسبوك نابعة من حس الشباب السوري بالمسؤولية تجاه المجتمع من بداية أزمة انقطاع بعض الأدوية وارتفاع أسعار بعضها الآخر".

ويشير إلى أن هدف مجموعته خدمي-إنساني بحت وتعزيز ثقافة العطاء دون مقابل "وتحقيق صلة بين المحتاج للدواء وبين الصيدليات وصيدليات المشافي والأطباء ممَّن يمتلكون عيّنات مجانية، أو تأمين الدواء من عند مرضى قد تكون لديهم كمية فائضة عن الحاجة".

أحياناً، تكون الخدمة التي تؤمنها هذه المجموعات تحويل المحتاج إلى مكان لا يزال يبيع أدوية مفقودة. ولكن من أهدافها الأساسية تأمين حاجات "لي ما عندن ثمن الدوا"، بحسب بلال.

ولا تزال المجموعات صغيرة نسبياً، ولكن بات اليوم في سوريا أكثر من 10 مجموعات متوسط أعضائها يبلغ بين 20 إلى 40 ألف مشترك، والأهم أنها صارت مكاناً معروفاً يقصده المحتاجون، وهو ما يتضح من الكم الكبير للمنشورات التي تطلب الدعم عبرها.

ومن المجموعات الأخرى "الصيدلية المركزية المجتمعية". تقول المشرفة عليها رنيم رميح لرصيف22 إن مبادرتها كانت عبارة عن حملة أطلقت مع بداية أزمة الدواء وفقدان أصناف كثيرة من الأسواق. "لهيك قررنا تكون لهالحملة مجموعة عامة حتى يجتمع فيها كلّ الأشخاص الّي بحاجة لأدوية والّي ممكن يكون ببيوتهن في أدوية مالهن بحاجة إلها وهيك إذا نحنا ما تأمن معنا الدواء ممكن من خلال سؤالهن يتواصلو مع شخص عندو طلب الشخص الآخر".

تشير رنيم إلى أنه ومن خلال حملتهم تمكنوا من جمع كميات كبيرة من الأدوية وإفادة عدد كبير من الناس. "تعاونت معنا عدّة صيدليات ودعموتنا بالأصناف الّي كنّا نواجه صعوبة كبيرة لنحصل عليها".

"لحد الآن قدرنا نأمن الدوا بشتى الوسائل لكل شخص طلب دواه عن طريق الغروب، بالإضافة لتأمين متبرعين بثمن الأدوية الغالية لمَن يحتاج"

وهنالك أيضاً مجموعة "دوائي دوائك - محافظة السويداء" التي أسستها آية سلوم لتكون متخصصة في هذا الملف في الجنوب السوري، تحديداً في السويداء، ولتكمل عمل بقية المنابر الافتراضية في معالجة أزمة فقدان الدواء وارتفاع سعره.

"فكرة الغروب بلشت بالفترة يلي بلشت بعض الأدوية بالبلد تنفقد، كان في حالة خوف بين الناس وللأسف صار البعض يشتري أدوية فوق حاجته خوفاً من المرض والتعب والموت، خاصةً أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن والأطفال"، تقول سلوم لرصيف22.

وتحمّل الشابة السورية جزءاً من المشكلة الدوائية ليس إلى "الحصار الطبي" والوضع العام فقط، وإنما أيضاً إلى ما أسمته بـ"التصرفات الفردية من البعض". وجدت أنه من الضروري القيام بشيء، وكانت البداية من منشور وضعته على صفحتها الخاصة على فيسبوك، قالت فيه: "لن ننجو إلا معاً".

تؤكد مسؤولة الدعم العلمي في مبادرة "دواك مأمن" بشرى تيزيني أن مجموعتهم صارت مرجعاً مهماً للبحث وتأمين الأدوية أو حتى استشارات الأطباء. "ع طول أي حدا عم يسأل عن شي عم يلاقيه والكل بحاولو يساعدو، الصعوبات أنو في ناس بتفوت تحاول تبيع أدوية مستغلة انقطاعها"، تقول لرصيف22.

المجموعات تؤمن جرعات السرطان

تروي نور حداد، صديقة لفتاة مصابة بمرض السرطان، رافقتها خلال السنتين الماضيتين في رحلة مرضها وتلقيها للعلاج، لرصيف22: "صديقتي مصابة بالكانسر، عملولا استئصال بالرحم وبلشت تاخد جرعات، كانت بالبداية هي تدفع حق الجرعات، وكل جرعة بسعر شكل، بعدين صارت تاخد جرعات مجانية بمشفى البيروني الحكومي".

ومستشفى البيروني هو مستشفى محلي مختص بعلاج الأورام الخبيثة ويعاني شحاً كبيراً في الموارد والأساسيات الطبية، ما يجعله بالكاد قادراً على القيام بدوره، بمعدات قديمة وإمكانيات محدودة.

"ع أساس طابت ومرقت فترة شهرين وهي منيحة، وبعدا رجع الورم عالقصبة الهوائية، ورجعت تاخد جرعات من أول وجديد. في جرعات صار في تأخير بمواعيدها لأنو مو ع طول في جرعات مؤمنة بالمشفى بهالظروف الطبية، لهيك صرنا نضطر نأمن جرعات من محلات تانية".

بالتزامن مع الأزمة الدوائية الخانقة في سوريا، برزت مبادرات وصفحات ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم الرعاية الطبية الافتراضية كالاستشارات وصولاً إلى هدف أبعد وأعمق هو تأمين الدواء المجاني لمحتاجيه

أسعار الجرعات خارج مستشفى البيروني الحكومي الذي يخضع العلاج فيه لبروتوكول المداواة المجانية تتراوح بين 300 إلى 400 ألف ليرة سورية، وهو رقم كبير قياساً بمتوسط راتب الموظف السوري الذي يبلغ 50 ألف ليرة سورية.

تعذّر على الفتاة الاستمرار في تأمين جرعات على حسابها، كانت تُعطى لها أحياناً في منزلها أو في عيادة الطبيب المشرف، لذا لجأت نور إلى مجموعة إلكترونية على فيسبوك لتطلب الجرعات لصديقتها.

"نشرنا بالغروب عن حاجتنا لجرعات ففي صبية برا البلد صارت تتبرع بعد ما شافت المنشور وتواصلت معي وقدرت تتبرع بجرعة وربع، مريضتنا بتحتاج تقريباً جرعة كل 15 يوم، ولما يعلا الكرياتينين عندا بتتأجل الجرعة وما بتلتغي".

توزيع الأدوية

يقول بلال إن في المجموعة التي يشرف عليها يُمنع طلب أي مقابل للدواء الممنوح "مع مراعاة عدم عرض الأدوية المخدرة أو الأدوية الممنوع تداولها بشكل عشوائي غير مراقب من مختصين صيادلة أو أطباء".

بدورها، تشير رنيم إلى أنه "ضمن تنظيم الأدوية وتوزيعها كان معنا أطباء عم يشرفو على جميع الطلبات ويدققو بالوصفات الطبيّة"، وتضيف: "حالياً أطلقنا حملة جديدة تحت عنوان ‘كنّ عوناً’ لتأمين أسطوانات أوكسجين لمرضى الكورونا الذين هم بحاجة ماسّة لنفس يخليهن على قيد الحياة".

وتتابع: "يا رب تكون هي آخر حملة بتحمل في طياتها المرض والألم".

وفي ظل الانتشار المتسارع لوباء كورونا، لا سيما في دمشق، تبدو الأرقام الرسمية غير منطقية وغير مطابقة للواقع، ففي حين كانت وزارة الصحة قد أعلنت عن 48 حالة وفاة حتى السابع من آب/ أغسطس الجاري، نشرت نقابة المحامين خبر وفاة 16 محامياً، وتحدثت المصادر الطبية عن وفاة 30 طبيباً، يعني هناك 46 وفاة في الوسطين الطبي والحقوقي فقط، ما دفع سوريين إلى التساؤل: أيُعقل أن تكون قد وقعت وفاتين فقط في البيئات الأخرى؟!

تأخذ آية، بدورها، بعين الاعتبار مسألة الأدوية غير المسموحة. "كنّا حريصين كثيراً على منع نشر أي منشور عن أي دواء يسبب إدماناً، وكنّا نتواصل مع صاحبه لحذفه من صورة الأدوية المقدمة كذلك شددنا كثيراً على الوصفات الطبية إذا كان الدواء يتطلب وصفة، حتى ما يصير ولو خطأ صغير ينأذى بسببه أي حدا".

يروي بلال أنهم واجهوا بعض الصعوبات مثل الطلب المتواصل على أدوية الأمراض المزمنة التي انقطعت فجأة ولم يكن من الممكن تأمينها قبل إعلان وزارة الصحة عن البديل المصرح به رسمياً.

"لحد الآن قدرنا نأمن الدوا بشتى الوسائل لكل شخص طلب دواه عن طريق الغروب، بالإضافة لتأمين متبرعين بثمن الأدوية الغالية لمَن يحتاج"، يقول. وكان قد تمكن أيضاً من تأمين نفقات علاج عدة مرضى عن طريق متبرعين.

"كل الأشخاص يلي طلبوا دوا من خلال غروبنا تأمن معهن بطريقة إنو يطلبوه أو نحنا نطلبو ونعرف الصيدليات المتوافر فيها ونخبرن باستثناء الأدوية المفقودة من المصدر. هي تأمينا كان شبه مستحيل"، تقول سلوم التي كان يساعدها ثلاثة أصدقاء في العمل والإشراف والتواصل وهم: رامي زين الدين، بهاء حميد، وعمار العقباني.

ناطرين مساعدة

"أنا مريضة سكّري من 8 سنين. رحت لطبيب وصفلي حبوب لتنظيم السكّر، بعدين توفى زوجي وساءت حالتي بالمرض. سجلت اسمي بالمستوصف وصاروا يعطوني حبوب للسكّر، ما حسيت حالي تحسنت، تقول سمر (اسم مستعار). راجعَت طبيباً ثانياً فوصف لها الإنسولين الذي لا يتوافر في المستوصفات العامة، ويبلغ سعره 3500 ليرة سورية. تخبرنا أنه وخلال بحث ابنتها عن مساعدات على صفحات ومجموعات على فيسبوك وجدت مجموعة ‘دواك مأمّن’ ووضعت عليها منشوراً تطلب فيه الدواء لوالدتها، "والحمدلله بسرعة أمنولي أهل الخير هي الأدوية ببلاش".

بدورها، حاولت ريم (اسم متسعار) الحصول على دوائها المهدئ لنوبات الصرع. "والله يا أخي بلشت قصتي من لما كان عمري 9 سنين ودكتوري اسمو يوسف ***. كانت تجيني نوبة عصبية قوم عيط وأضرب وما بوعى ع شي لمدة دقيقتين تقريباً. كان حق علبة الدوا ألف ليرة هلأ صارت بـ3000 ونشرت عأكتر من غروب وناطرة حدا يساعدني". لا زالت ريم تنتظر متبرعين بهذا الدواء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard