الترجمة من العربية إلى السويدية والعراقيل أمام حوار الثقافات

الاثنين 24 أغسطس 202004:37 م

لا تزال هناك عقبات لم تذلل بعد أمام عمل المترجمات في في النقل من العربية إلى اللغات الأجنبية. وفي مقال نشرته مدونة الأدب العربي Arab Literature Quarterly، تحدثت ماري لينكس كيلي، كاتبة ومحررة رئيسية في المدونة، عن صعوبات تواجهها اليوم النساء العاملات في مجال الترجمة من العربية إلى اليونانية والإسبانية والفرنسية. أهم هذه الصعوبات يتجسد في انعدام حالة التوازن أو المساواة في أعداد المترجمين التي تفوق عدد المترجمات بفرقٍ واضح في هذا الحقل.

و في هذا المقال نضيء على صعوبة النقل من العربية إلى السويدية وبالعكس، ليس في أوساط المترجمات وحسب، وإنما بشكل عام. حيث نبدأ البحث عن إجابات حول سر ضعف الترجمة من العربية إلى السويدية، و ضرورة و أهمية الترجمة من السويدية إلى العربية باعتبارها وسيط حوار جيد بين الثقافات.

ما هي استراتيجية الترجمة من وإلى العربية في السويد، وما العراقيل التي قد تضعف حركتها؟ وما الدور الذي تقوم به دور النشر؟ وهل تعد الترجمة الأدبية صنعةً مجزيةً مادياً؟

لماذا تقوم دور النشر الكبرى في السويد، بتأسيس دور نشر موجهة للناطقين باللغة العربية؟ ماهي المعايير المتبعة في اختيار العناوين التي ستترجم؟ ماذا تضيف الترجمة كعمل إلى كل هذا وهل الترجمة متعة، حاجة، أم بحث عن الذات؟ هل هناك أزمة ترجمة بالفعل؟ هل هي محاولة لتجريد العرب من رومانسيتهم أو لتفكيك كيانهم و زعزعة هويتهم وأصالتهم، وإحداث تغيير في أذواقهم؟ ماذا عن المطابقة بين المبنى والمعنى؟ ماذا عن تقنية ترجمة النص الموازي؟ هل يوجد استراتيجية ترجمة ونشر عربية في السويد؟ هل صناعة النشر و الترجمة مجزية مادياً؟

واقع الترجمة في السويد

تشكّل دور النشر فضاء الاستنارة في بلد مثل السويد، وتساهم بشكل فعّال في تكوين المزاج العام. في السنة الماضية تم فهرسة ما مجموعه 13058 كتاباً مطبوعاً، منها 2387 كتاباً للأطفال والشباب، حسب الإحصائيات الصادرة عن جمعية دور النشر في السويد. بينما تم تصنيف 5415 كتاباً (41٪) على أنها قصص خيالية، بما في ذلك للأطفال والبالغين، وسجّلت المكتبات السويدية حوالي ستين مليون زائر في مكتباتها الألف والمئة تقريباً.

جميع الكتب المنشورة في السويد والمسجلة في الببليوغرافيا الوطنية ليست باللغة السويدية فقط، حيث يوجد 393 عنواناً في قائمة المراجع الوطنية منشورة بلغات أخرى، الإنجليزية 1424 عنواناً والسويدية 8737 أصلاً و2504 مترجمة إلى السويدية. ومن بين هذه اللغات الأخرى، جاءت اللغة الفارسية بالمرتبة الأولى من حيث الترجمة العكسية من الفارسية إلى السويدية، في عام 2019. لكن أين اللغة العربية، التي تُشكل وفق إحصائيات عام 2012، ثالث أكبر لغة بعد اللغتين السويدية والفنلندية، خاصةً إذا وضعنا بالحسبان موجة الهجرة الكبيرة عام 2015؟

المترجمة فلورا مجدلاوي لرصيف22: ارتأت مجموعة بونيير للنشر تأسيس دار نشر عربية تابعة لها، باسم "فينيكس"، تقدم من خلالها مجموعة متنوعة من أدب الأطفال المعاصر باللغة العربية، لتسهيل حصولهم على كتب مشوقة بلغتهم الأم، كأقرانهم السويديين

لقد خلقت أزمة اللاجئين نموذج أعمال جديد في صناعة النشر في السويد، حيث بدأت دور النشر بتأسيس أقسام باللغة العربية. وفي حوارنا مع الكاتبة والمترجمة فلورا مجدلاوي، من مواليد الأردن، التي تعمل حالياً كرئيسة تحرير لدار "فينيكس"، القسم العربي التابع لمجموعة "بونيير" للنشر، أكبر دار نشر في السويد، حاولنا فهم كيف تحصل الأشياء داخل دار نشر سويدية موجهة للناطقين باللغة العربية.

وبحسب مجدلاوي, فقد شهدت السويد موجات متعددة من الهجرة خلال العقد الأخير، استقبلت فيها أعداداً كبيرة من المهاجرين الذين استقروا فيها، ومعها تزايد عدد الناطقين باللغة العربية المقيمين في السويد والدول الاسكندنافية بشكل ملحوظ، وقد انعكس ذلك في أعداد الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية في مدارس السويد. وبالتأكيد فإن هؤلاء الأطفال، كما عائلاتهم، يحتاجون إلى كتب.

لذلك ارتأت مجموعة بونيير للنشر تأسيس دار نشر عربية تابعة لها، وأطلقت عليها اسم فينيكس، سعت من خلالها إلى تقديم مجموعة متنوعة من أدب الأطفال المعاصر باللغة العربية، لتسهيل حصولهم على كتب مشوقة بلغتهم الأم، كتلك التي بأيدي أقرانهم باللغة السويدية، ما يشجعهم على القراءة في المنزل والمدرسة، وارتياد المكتبة العامة التي توفر هذه الإصدارات بطبيعة الحال.

كما تأمل الدار أن تساهم عبر هذه العناوين بتعريف الأطفال العرب ببيئتهم الجديدة وفهم محيطهم، ما يسهل عليهم التفاعل معه والانخراط فيه بشكل إيجابي. تقوم الدار أيضاً، وإن بشكل أقل، بترجمة بعض الأعمال من اللغة العربية إلى السويدية.

مواجهة الذات عبر الترجمة

الدكتور هنري دياب، أستاذ اللغة العربية و آدابها في جامعة لوند والأستاذ المساعد في جامعة فيلنيوس الليتوانية، مدير قسم الدراسات العربية والشرق أوسطية في جامعة لوند سابقاً. القادم من تكوين أكاديمي رصين، وقراءات شخصية في الأدب السويدي ومن مُثَاقَفَةِ الصنعة الترجمية.
يؤكد أن المستشرقين السويديين كانوا المحرك الأهم في عملية ترجمة الأعمال الأدبية الشعرية والروائية العربية إلى السويدية.

وتجدر الإشارة إلى أن البروفيسور” ك. زيترستين” أستاذ اللغات السامية في جامعة ”أوبسالا” كان قد ترجم القرآن الكريم الى السويدية عام 1917. أما البروفيسور ”ج. فيتيستام” أستاذ اللغات السامية في جامعة ”لوند” فقد ترجم وحقق معلقة امرؤ القيس عام 1967. ولعل ما يجدر ذكره أن أعمالاً محدودةً لبعض الرواد مثل طه حسين وتوفيق الحكيم قد تمت ترجمتها أيضاً في خمسينيات القرن المنصرم.

أستاذ اللغة العربية هنري دياب: تعد حركة الترجمة الأكاديمية في السويد حديثة النشأة، فقد نشطت عقب نكسة حزيران التي تبعتها نقلة كبيرة وترجمات عديدة لأعمال الروائيين والشعراء الفلسطينيين أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وغسان كنفاني

ويضيف بأن "حركة الترجمة الأكاديمية للمستشرقين ودارسي العربية مرحلة جديدة عقب نكسة حزيران 1967 تبعتها نقلة كبيرة وترجمات عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر أنطولوجيا الشعر الفلسطيني، ”رواية  الأرض” لعبد الرحمن الشرقاوي و”رجال في الشمس” لغسان كنفاني و ”أنطولوجيا الأدب العربي الحديث” والذي ضم مختارات لأدباء من مصر وفلسطين وسوريا والعراق والسودان وتونس والجزائر والمغرب إضافة إلى عدد آخر من روايات نوال السعداوي ويوسف إدريس وغيرهم".

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية منح نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988 ومدى تأثيرها الكبير على نقلة جديدة في حركة الترجمة وظهور عدد جديد من المستشرقين، نذكر منهم البرفسور” كريستين أكسيل” أستاذة الأدب العربي في جامعة ستوكهولم وكوبنهاجن والتي ترجمت أعمال لنجيب محفوظ والياس خوري ومحمود درويش وغيرهم. أما البروفسور ”تيتز روكي” أستاذ الادب العربي في جامعة جوتنبرج فقد ترجم لمحمود درويش ورشيد الضعيف وعلاء الاسواني وغيرهم.

ويتابع هنري ”لا بد من التأكيد على ظهور عدد من دور النشر العربية مثل دار الحمراء ودار المنى اللتان قدمتا الكثير من ترجمات في عالم الثقافة العربية الاسلامية والرواية وأدب الطفل من وإلى العربية، علاوةً على مبادرات شخصية قدّمت ترجمة سويدية لأنطولوجيا ”رائحتي شهية كالنعناع: قصص مختارة لكاتبات من العالم العربي”،  والمجموعة الشعرية ”حالة حصار” لمحمود درويش.

ما سبب تراجع الترجمة من السويدية إلى العربية؟

ترى فلورا مجدلاوي أن تراجع حركة الترجمة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتهاد دور النشر وسعيها للترويج لكتّابها والتسويق لعناوينها. فدور النشر العربية ليست نشيطة بما يكفي في السوق الاسكندنافي. وحضورها محدود جداً في المعارض الاسكندنافية. وبالحضور لا أعني أن يكون لها جناح في المعرض تستقبل فيه المارين من  الزوار، إنما برنامج من التفاعلات النشطة للمشاركة في الندوات والنقاشات والحوارات الثقافية.

هذا النوع من التفاعلات هو الذي يجذب الإعلاميين ودور النشر الأخرى للاطلاع على عناوين الآخرين وتجاربهم. وبرأيي فإن الترويج للكاتب ودعم حضوره وإبراز اسمه في المنتديات العالمية، أهم بكثير من تسويق كتاب بعينه له، وإن كنت لا أقلّل إطلاقاً من أهمية وضرورة التسويق للكتاب، فالجمهور يتبع الكاتب أكثر مما يبحث عن عنوان كتاب.

أما مصطفى قاعود، كاتب ومترجم فلسطيني مقيم في مالمو جنوب السويد، يرى بأن مايخص الترجمة من السويدية للعربية، سجل نشاطاً كبيراً في العقود الأخيرة في مجال الترجمة ، وبدت الحاجة أكبر في العقد الأخير مع تزايد الهجرة وتزايد حضور اللغة العربية في السويد، ومع تكثيف الجهود تظل الترجمة إلى العربية متراجعة إذا قورنت بلغاتٍ أخرى متواجدة في السويد، وبالطبع لا نفترض أن الترجمة تستهدف فقط الجمهور العربي المقيم في السويد، بل تستهدف الناطقين بالعربية أينما وجدوا، من حقهم الاطلاع على النتاج الأدبي، الفكري، العلمي من الثقافة السويدية".

ويرجع سبب تراجع الترجمة من السويدية إلى العربية إلى عدة أسباب، منها على سبيل المثال "تقييم دور النشر لعمليات التوزيع للكتب التي قاموا بترجمتها إلى العربية وهذا من حقهم بلا شك، ولكن ذلك قد لا يكون دقيقاً على الدوام، أحياناً قد لا يلاقي كتاب ما بعد ترجمته ذات الرواج الذي لقيه في الوطن الأم، وهذا يسلط الضوء على ثغرة كامنة باختيار الناشر".

وبرأي قاعود "لا يجب على الناشر اعتماد تقييم انتشار الكتاب في بلده الأم كعامل وحيد في اختيار الكتاب لترجمته، بل ربما يجب أن تعتمد الدار على آراء المترجمين أيضاً وبعض الأدباء والمهتمين بالأدب عموماً ومن ينتمون لمجتمعات اللغة الهدف، في تحديد مدى نجاح هذا الكتاب أو ذاك إذا ترجم. فبعض دور النشر تفرمل أحياناً عملية الترجمة بعد صدمةٍ ما تتعلق بالتوزيع، فينعكس ذلك على خططها السنوية للترجمة، والحقيقة أن هذه التقييمات لا تكون دقيقة مئة في المئة”.

 بالعموم، في العقد الأخير، سجلت كتب الأطفال واليافعين تقدماً ملحوظاً، بينما شهدت السنوات الثلاث الأخيرة عملية تباطؤ إلى حدٍ ما في عموم مسيرة الترجمة من السويدية للعربية. وما ينطبق على الكتب بالطبع لا ينطبق على المواد المتعلقة بالصحة والمجتمع السويدي أو المواد ذات الطبيعة التعليمية أو المواد الإعلامية، فجميع هذه المواد ازداد إنتاجها بشكلٍ كبير مع تزايد الهجرة، وهذه الزيادة بالطبع مدعومة مادياً من الكثير من المؤسسات والسلطات المختلفة، على عكس ترجمة الأدب.

الترجمة تنبع من حب المترجم للأدب وهي ليست مغرية مادياً

يضيف مصطفى ”ومن الأسباب أيضاً الأمور المادية، ففي الحقيقة بناء على تجربتي في ترجمة أربع كتب من أدب الأطفال، وبدأت الآن بخوض غمار الترجمة من الأدب الكلاسيكي بالطبع دون الكثير من التشجيع، على المستوى المادي، أقصد. بحكم هذه التجربة المتواضعة أرى أن ترجمة الأدب ليست مغريةً من الجانب المادي، في بعض الكتب حسبت ساعات العمل التي استغرقها الكتاب لأكتشف أنني عملت بما يعادل 30 كرونة سويدية للساعة، بالطبع لا توجد أي مهنة بالسويد يحصل بها العامل على هذا المبلغ الزهيد مقابل ساعة العمل، كما أن الترجمة في مجالات أخرى غير الأدب مجزية وهي أضعاف أضعاف ما يحصل عليه مترجم الأدب، إذاً الترجمة تنبع من حب المترجم للأدب وهي ليست مغرية مادياً، إلا الأعمال المدعومة من قبل مؤسسات.

الكاتب والمترجم الفلسطيني مصطفى قاعود لرصيف22: من أسباب تراجع الترجمة من السويدية إلى العربية ثغرات في اختيار الناشر للأعمال التي تتم ترجمتها وضعف العائد المادي على المترجمين

لكن ماذا عن تراجع أو اختفاء الترجمة من العربية إلى السويدية؟ يرى مصطفى بأن سبب تراجعها الأول هو حداثة الوجود العربي في السويد، و يبدو الأمر أكثر قتامةً عندما نتحدث عن الترجمة الأدبية والفكرية، ولهذا أيضاً عدة أسباب منها ضعف المؤسسات التي تهتم بهذا الشأن، والحقيقة حسب معرفتي فالكثير من الأعمال ترجمت بشكلٍ تطوعي لحب نشر الأدب العربي في السويد، ولكن كعمل مؤسساتي مدعوم هذا نادر جداً.

أيضاً الشأن المادي والمعرفي يؤثر بشكلٍ كبير بهذا الجانب، إذ يتجه المترجمون المحترفون الذين يجيدون الكتابة بلغةٍ سويدية جيدة إلى الترجمة المحلفة للوثائق وغيرها لأنها مجزية أكثر من ترجمة الأدب. كما يقوم الجانب المعرفي بدور كبير، علاوةً على غياب المواد النقدية للنتاج الأدبي العربي عن الإعلام السويدي، النقد يحفز الناشرين على الترجمة، نحن نفتقد إلى ناقد أدبي يكتب بالسويدية عن الأدب العربي.

هذا لا يعني أن ليس هناك شغف لدى دور النشر السويدية للترجمة من العربية للسويدية، بل ليس هناك آلية لذلك وليس هناك مؤسسات عربية للنقل في السويد تشجع على ذلك، قبل سنتين استمعت إلى لقاء مع ناشر سويدي في راديو السويد، كان يشكو من انعدام الترجمة من العربية للسويدية، كما أن هناك أبحاث أكاديمية موجودة في الجامعات السويدية عن الأدب العربي، ولكن ليس هناك الكثير من الكتب المترجمة عن الأدب العربي، حتى الأسماء اللامعة في عالمنا العربي ما زالت مجهولة بالنسبة للمجتمع السويدي، ربما يسمعون ببعض الأسماء التي تردد صداها على المستوى العالمي لكنهم لم يقرؤوا نتاجهم الأدبي.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard