"طفلتي صارت امرأة في غزة"

السبت 8 أغسطس 202006:29 م
لم يكن ذلك اليوم سهلاً على سمر حنيق (43 عاماً)، ربة منزل، عندما عادت طفلتها ريم، (10 أعوام)، من المدرسة، بمريول ملطخ بالدماء من الخلف، وللوهلة الأولى خُيّل لها أنّ ريم قد وقعت من مكان ما، ولم يخطر ببالها أن صغيرتها لم تعد طفلة بل باتت فتاة يافعة "بالغة".

وحول ذلك اليوم، تقول سمر لرصيف22: "صُدمتُ حين رأيت الدماء على ملابسها، ولم يخطر ببالي أنها دماء حيض وبلوغ، فريم ما زالت صغيرة على هذه الأمور، وحين سألتها ما الذي حدث، قالت لي إن دماءً تسيل من ملابسها الداخلية، وقتها علمت أن طفلتي قد بلغت، وحينها لم أعرف ماذا أفعل أو كيف أتصرف أو حتى كيف أفسر لها ما يحدث، فالخوف الذي اعترى ملامحها، أفقدني القدرة على الكلام، فهي لا تعلم ما الذي يجري".

"لا تقلقي البنت بلغت"

وتضيف سمر: "اصطحبتها إلى طبيبة نساء وولادة في أحد المركز الصحية، وهناك ابتسمت الطبيبة بعد الفحص وقالت لي: لا تقلقي، البنت بلغت. وهنا بدأت المسؤولية الملقاة على كاهلي كأم، إذ على ريم أن تعلم ما الذي يحدث في جسدها، وكيف ستتعامل مع الأمر من الناحية الصحية والنفسية، ناهيك عن أمور النظافة الشخصية المتعلقة بالأمر".

"حاولت أن أشرح لابنتي قدر الممكن، ولكن الخجل تملكني، وحينها قررت أن أترك الأيام لتعلمها ما يحدث، وربما هذا خطأ، ولكنني ببساطة لم أتمكن من شرح ما يحدث لها، لأن قدراتها العقلية والنفسية أصغر من أن تستوعب الأمر"، تقول سمر.

وتقول المدرسة ربا غبن (40 عاماً)، مدرسة رياضيات، بأنها هي الأخرى "صُدمتُ حين كانت تقوم بغسل ملابس ابنتها الداخلية، وفوجئت بوجود بعض نقاط الدم".

وتضيف ربا لرصيف22: "ابنتي علا تبلغ من العمر 11 عاماً، وهي لا تزال تلعب في الشارع، ولكنه البلوغ الذي يغتال الطفولة في غزة على حين غرة".

"بعدما رأيت الدماء اضطررت لإخبارها بأن ذلك علامة من علامات البلوغ، واضطررت أيضاً لأن أشرح لها ماذا يعني البلوغ وما عليها أن تفعل حياله من أمور"، تقول ربا.

"لم أعرف ماذا أفعل أو كيف أتصرف أو حتى كيف أفسر لها ما يحدث، فالخوف الذي اعترى ملامحها، أفقدني القدرة على الكلام، فهي لا تعلم ما الذي يجري"

وعن رد فعل ابنتها، تحكي ربا: "كانت فاغرة الفم وكأنها لا تفهم ما أقول، وحينها اضطررت لإحضار كتاب البيولوجيا لأشرح لها ماذا يحدث في جسد الفتاة عند البلوغ، وكان الأمر أشبه بالصدمة لها".

ويعلق الدكتور راجي حسونة، أخصائي أطفال وحضانة: "أحيانا يأتي البلوغ مبكرا، لعدة أسباب منها الصحي ومنها غير الصحي، أما الأسباب الصحية فهي الوراثة، اذ تبلغ الفتاة في نفس سن بلوغ الأم، أما الأسباب المرضية فقد تكون نتيجة ورم في المخ (في الغدة النخامية) وهذا الورم يزيد الهرمونات الأنثوية وتؤثر على المبيض، فيؤدي إلى بلوغ مبكر، بالإضافة إلى بروز الثدي ونعومة الصوت وزيادة الطول ونمو الأعضاء الجنسية الخارجية".

كما ويلعب التوتر أيضاً دوراً، لأنه يؤدي إلى زيادة هرمونات الغدة النخامية وتأثيرها على المبيض: "نوعية الغذاء أيضاً لها علاقة بالبلوغ المبكر، فالفيتامينات والبروتينات ومضادات الأكسدة تنشط الهرمونات"، على حد قول حسونة.

وينصح حسونة في هذه الحالة إجراء عدة فحوصات تتعلق بالهرمونات والغدة النخامية، وذلك للتأكد من أن البلوغ صحي وليس مرضي.

علمياً، يبدأ المخ في بداية مرحلة البلوغ بإنتاج هرمون يُعرف باسم الهرمون المُطلق لموجهة الغدد التناسلية، وعندما يصل إلى الغدة النخامية، يؤدي إلى إنتاج كميات أكبر من الهرمونات في الـمِبيَضين لدى الفتيات، وتسمى (الإستروجين)، وفي الخصيتين لدى الذكور، وتسمى (تستوستيرون).

متوترة وخائفة

من الناحية النفسية، تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية، أمينة راشد بأن البلوغ "يصاحبه توتر شديد في نفسية الطفلة، بالإضافة إلى الخوف مما يحدث، لذلك يتوجب على الأم في هذه المرحلة الحرجة أن تكون بمثابة المرشدة النفسية لطفلتها، بأن تبسط لها الأمر وتشرح لها ما يجري، وأن الأمر طبيعي له علاقة بالتغير الجسدي والنفسي".

وتؤكد راشد بأن "الحرب الأخيرة لعبت بما نسبته 60-70% كأحد أسباب التوتر والقلق الذي بدوره يؤدي إلى البلوغ المبكر، ففي حال تأثرت النفسية فإن الهرمونات أيضاً تتأثر. فالحرب أدت إلى إرباك الهرمونات، وهذا الإرباك قد يكون على شكل بلوغ مبكر أو بلوغ متأخر".

فيما يتعلق بخصوصية هذه المرحلة، تؤكد راشد: "البلوغ هي مرحلة انتقالية، فيها تنتقل الطفلة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضوج والشباب، وحينها تظهر التغيرات الجسمانية، وهذا بدوره يعطي دافعاً قوياً للجسم بالبلوغ النفسي، إذ إن مجرد التفكير في الدورة الشهرية كأحد علامات النضوج يعطي إشارات في اللاوعي لدى الطفلة بأن جسمها أصبح جاهزاً للبلوغ".

"محرومة من حقها كطفلة"

أما كيف يؤثر البلوغ على الفتاة نفسياً، تقول راشد لرصيف22: "في هذه المرحلة تحرم الطفلة من التمتع بحقوقها كطفلة، فالمجتمع يفرض عليها، بما أنها بلغت، أن تمتنع عن اللعب خارج البيت واللهو والمرح، كما يفرض عليها الاحتشام في الملبس، وبالتالي تحرم من أبسط حقوقها كطفلة، كما تشعر بالتقيد لتوجيه كلمة "عيب" لها بالإضافة إلى الخجل الاجتماعي، إذ تصبح خجولة من ملامح جسدها التي بدأت تتمحور و تتطور، كبروز عضلة الصدر مثلاً، وبالتالي تشعر بالانطواء والخجل والانزواء و تصبح لديها بعض الحركات اللاإرادية كثني الكتفين إلى الداخل باتجاه الصدر".

"تكون الطفلة متوترة على مدار هذه المرحلة وتصبح دائمة الانتقاد لنفسها، وبالتالي فإن التوتر يضاعف دورتها الشهرية ويجعلها مضطربة"، بحسب راشد.

وهنا تقول الثلاثينية أم أنس (اسم مستعار): "حين بلغت ابنتي كانت في الصف الرابع الابتدائي "9 سنوات" ومع هذا البلوغ بدأ صدرها يبرز شيئاً فشيئاً، فأصبحت أجعلها ترتدي نوعاً من حمالات الصدر الخفيفة، الأمر الذي كان يزعجها بشدة، كما وبدأ والدها يمنعها من اللعب خارج البيت وفرض عليها الحجاب".

"بلغت ابنتي في الصف الرابع الابتدائي، وبدأ صدرها يبرز، وأجبرتها على ارتداء نوعاً من حمالات الصدر، كانت منزعجة جدا، ومنعها والدها من اللعب خارج البيت، وفرض عليها الحجاب"

وتضيف أم أنس لرصيف22: "في كل مرة تكسر قرارات والدها وتخرج للعب في الخارج بدون حجاب وفي كل مرة يقوم والدها بضربها وتأنيبها، ولكن بلا فائدة فهي لا تزال طفلة لا يمكن التحكم بها أو تقييدها أو حرمانها من تفاصيل طفولتها".

ويتداول الناس في غزة فتاوى لرجال الدين بأن على الصبية الحجاب لأنها أصبحت راشدة عاقلة بالغة، وتقول إحدى الفتاوى بهذا الصدد: "إذا بلغت الفتاة المسلمة وجب عليها ستر سائر بدنها عن جميع الرجال الأجانب عنها، بإجماع العلماء، ما عدا الوجه والكفين فمختلف فيهما".

إذا هو البلوغ المبكر الذي يغتال الطفولة، والذي ما إن يحدث حتى يبدأ المجتمع بفرض قيود على الفتاة البالغة باعتبارها امرأة صغيرة، ولكنها في الحقيقة طفلة باغتها البلوغ، وحرمها تفاصيل طفولتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard