"لسن للبيع"... البغاء الشرعي والبغاء الحكومي

الجمعة 7 أغسطس 202003:05 م

يتدخل مفهوم التعاقد بموافقة الطرفين، على أساس أن العقد شريعة المتعاقدين، فقط عند الحديث عن البغاء، فالبغاء ظاهرة مسكوت عنها بل وتحظى، ضمنياً، بدعم حكومي ومؤسساتي وربما ديني أيضاً، لكن هل الدعارة مجرد موافقة بسيطة على عقد بسيط؟ ألا يكمن فيها معنى رمزي لا يبتعد عن العبودية وخصوصاً عبودية المرأة التي تتبجح النظم الليبرالية بأنها حررتها؟

بين المجانية والقسرية

الزواج التقليدي في الدول الأقل حظاً من الحضارة، نوع من العقود الجنسية أيضاً: أنا أمنحك المأوى والطعام والمكانة في المجتمع، إذ تحظى المرأة المتزوجة في المجتمعات المتخلفة باحترام أكبر لأنها تقع مباشرة تحت سلطة ذكر، أي تحت اسمه وصداه في تلك المجتمعات، وأنت تمنحيني الجنس المجاني، هذا جنس يقع تحت تعريف المجانية فلا ندعي أن المرأة أجبرت حقاً عليه، لكن الأمر لا ينتهي هنا ببساطة: هل المرأة فعلاً، وهي الزوجة هنا، خارج تصنيف القسرية فعلاً؟ قد يبدو أن السؤال بسيط وإجابته أكثر بساطة، لكن في الحقيقة، وإذا أزحنا فلتر القسرية، بمعنى أن تكون الإرادة الحرة والخيارات العقلانية متاحة بالفعل للنساء، كالعمل والاستقلال المادي والمعيشي، نجد أن أغلب الزيجات هي عبارة عن دعارة مقنعة واستغلال لنشاط جنسي لفرد لا يملك أن يرفض.

إن القهر القائم على الاضطهاد الجنسي يتخطى جميع أشكال الهيمنة الأخرى في المجتمعات البشرية، حتى الصراعات الطبقية، ويتخطى أيضاً جميع الحقائق الاجتماعية، وهو يتشابك بشكل وثيق مع اليوميات الخاصة والفردية، ما يجعل الوعي بظهور هذا الاضطهاد ومحاولة التخلص منه أمراً صعباً للغاية. هو "اضطهاد مبني اجتماعياً ينتج تمثلاً إيديولوجياً خاصاً"، تقول ستيفاني تريليت، الباحثة في الاقتصاد والمحاضرة في جامعة باريس، وبالتالي فإن القمع القائم على الاضطهاد الجندري ليس وليد ظهور نظم اقتصادية معينة، إذ لم ينشأ مع "الملكية الخاصة" لوسائل الإنتاج وظاهرة العولمة، بل نشأ من التقسيم الاجتماعي للعمل، وإذا كان علينا أن ندين شيئاً فعلينا أن ندين "العمل المنزلي" الذي يشكل جزءاً أساسياً من الاضطهاد الطبقي القائم على أساس جندري.

إن القهر القائم على الاضطهاد الجنسي يتخطى جميع أشكال الهيمنة الأخرى في المجتمعات البشرية، حتى الصراعات الطبقية، ويتخطى أيضاً جميع الحقائق الاجتماعية، وهو يتشابك بشكل وثيق مع اليوميات الخاصة والفردية، ما يجعل الوعي بظهور هذا الاضطهاد ومحاولة التخلص منه أمراً صعباً للغاية

مرة أخرى، يبدو أن "استخدام الجسد الخاص"، تأجيره أو العبث فيه، من أوليات الحرية الفردية التي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان، وهذا الإجماع الذي "بالمصادفة" تتفق عليه كل النظم الديمقراطية أو الطغيانية، فتبدو الإيديولوجيات الكامنة وراء تنظيم هذه المهنة وتتبعها، وتقاضي منافعها المادية هنا أقوى من الاختلافات الثقافية ومن الاعتبارات الأخلاقية أيضاً.

"إن تحويل النشاط البشري إلى سلع هو في صلب تكوين المجتمعات الحديثة"، تلك هي خصائص نمط الإنتاج الرأسمالي: إنتاج، تسويق وجني الأرباح. في العولمة الليبرالية الحديثة لا شيء يستطيع أن ينجو من عملية التحول إلى سلعة كما يقول ريتشارد بولين، لا تنطوي الخدعة السوقية فقط على إذلال الحس الإنساني وتقويض العلاقات الأسرية فحسب، بل ينطوي أيضاً على تسعير البشر، خصوصاً النساء والأطفال، وفق مبدأ العرض والطلب أيضاً كأي منتج آخر، وعندما تنتهي الحاجة إليه، يستنفذ شروط طلبه بمعنى ما، كالزيادة في العمر أو ضعف الجاذبية الجنسية، يتم التخلي عنه كأي فرس مكسورة الساق.

لم تُنْشِئ العولمة بالتأكيد "أقدم مهنة في التاريخ"، لكنها ساهمت في تسليع لا مثيل له على صعيد حرية الحركة والترويج، فكان التغيير الأكثر إثارة هو تقسيم العمل الحاصل نتيجة العولمة نفسها: صناعة "مداجن" تفريخ في الأراضي الأقل تكلفة، تسويق عبر الشبكات التواصل والمواقع العابرة للحدود تحت مسميات السياحة وتطوير طرق النقل باستغلال حرية حركة "البضائع"، والنتيجة: تستغل صناعة البغاء 400 ألف طفل/ة من الهند، 100 ألف طفل/ة من الفلبين، 300 ألف طفل/ة تايلاند، 100 ألف من تايوان و325 ألف في الولايات المتحدة، (يونيسيف،2001) وتشير التقديرات إلى وجود حوالي 500 ألف طفل/ة من الصين، وعلى مدار عام يبيع الطفل البغي خدماته لـ 2000 رجل بالمتوسط، هذا على صعيد مصانع تفريخ الأرقاء، فماذا عن السوق؟

قدرت الأمم المتحدة بأنه يتم الاتجار ب 4 ملايين شخص سنوياً، ما يدر بين 5-7 مليار دولار سنوياً، وهذه تقديرات 2002، ويصل الناتج الإجمالي للأعمال الخاصة بالاتجار بالجنس في تقديرات نفس السنة إلى 1.2 تريليون دولار، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أي ما يشكل 15% من حجم التجارة العالمية.

في البلدان العربية

جاء في المعاجم العربية، القوّاد: سمسار الفاحشة أو البغاء، منظم شؤون المرأة البغي والحريص على تصريف أمورها، كما جاء أيضاً في نفس الباب، قواد جمع قائد، وهو من يقود الجيش.

ليس غريباً اجتماع المفردتين: القائد العسكري و"العرصة"، فالمفهومان متصلان بطريقة ما في البلدان العربية، فالاتجار بالبشر يأخذ طابعاً وطنياً لا يختلف كثيراً عن مسيرات التأييد والموالاة والمبايعة.

تختفي الأرقام التي تظهر حجم أعمال البغاء في الدول العربية، وإذا أضفنا إليها الوضع الجحيمي الذي تعيشه المرأة العربية في بلدان مثل مصر والسعودية وسوريا، من فقدان للقدرة على اتخاذ قرار بمعزل عن "وليها" نقع في حجم اتجار لا يشبهه مكان آخر.

تشكل دبي "جنة" البغاء العالمي، أو لاس فيجاس الشرق الأوسط إذا ارتدت الحجاب، حسب تعبير الصحفي محمود فاضل، في مقال نشره بموقع "VICE"، عبر مقابلة مع أحد القوادين الذين يعملون في تجارة الجنس في دبي، ويدعى "أليكس" وهو أوكراني الجنسية.

يقول أليكس إنه كان مستشاراً لشركة هندسية في جدة، وكانت وظيفته هي قضاء الوقت مع العملاء في السعودية ثم أخذهم للاستمتاع في قضاء العطلة في دبي، فيما بعد وظّفته العديد من الشركات لمنح عملائها وقتاً جيداً، فاستقرّ في دبي.

ويقول إن عمله ليس فقط القوادة، فهو ملزم بتلبية احتياجات عملائه مهما كانت: صناعة الحفلات الضخمة، تدخين الحشيش في الصحراء، إطلاق النار من بنادق AK47 أو ممارسة الجنس في فنادق تحت الماء.

فقد طلب منه رجل أعمال أميركي 10 نساء يضعن نقاباً، مع خيمة في الصحراء، بالإضافة إلى جاكوزي ضخم ونظام صوتي مسرحي وأسرّة ضخمة، كما طلب شيخ من اليمن 30 امرأة إفريقية وما يكفي من الفياجرا لقتل فيل، وأصعب شيء كان إجراء التنظيف في الصباح، قال أليكس: "كان الأمر يبدو كما لو أن قنبلة من السوائل الجنسية قد انفجرت في الجناح".

ليس غريباً اجتماع المفردتين: القائد العسكري و"العرصة"، فالمفهومان متصلان بطريقة ما في البلدان العربية، فالاتجار بالبشر يأخذ طابعاً وطنياً لا يختلف كثيراً عن مسيرات التأييد والموالاة والمبايعة

الربيع العربي، ربيع زواج القاصرات

بعد عام 2011 وثورات الربيع العربي الحاصلة في عدة دول عربية ونشوء مخيمات النزوح في عدة دول مجاورة، خصوصاً ما حصل في سوريا، ونزوح أعداد كبيرة من البشر إلى لبنان، الأردن وتركيا، نشأ نوع من الدعارة المغطى بغطاء شرعي ديني وتحت وطأة الحاجة المادية وهو ما يسمى بزواج "السترة"، حيث تزخر قصص المراسلين إلى مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان بهذا النوع من أسواق النخاسة، حيث تباع القاصرات لأثرياء خليجيين بالعموم مقابل ألف دولار، ليرميها بعد أشهر فقط. بالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة لعدد القاصرات المتزوجات عرفياً، تكشف الأرقام الصادرة من دائرة قاضي القضاة في الأردن، أن نسبة زواج القاصرات السوريات من العدد الكلي للزيجات السوريات بلغ 18% في العام 2012، و25% في العام 2013، أما العام 2014 فسجلت النسبة قيمة 32%، وفي العام 2015 وصلت إلى 35%، أما العام 2016 فسجل ارتفاع في النسبة قيمتها 37%.، حسب تحقيق ورد في موقع "الإعلام الرقمي"، كما بلغت نسبة الفتيات غير الملتحقات بالمدارس 24%. أما في المخيمات اللبنانية، فتغيب الإحصائيات الدقيقة، لأن أغلب إقامات السوريين غير نظامية، فغالباً ما تتم الزيجات بشكل غير قانوني، وقد ساهمت القيود الإضافية التي تمارس على حركة النازحين والعنصرية التي يمارسها بعض اللبنانيون في ارتفاع معدلات الدعارة لدى الأطفال والكبار على حد سواء، فأصبحت مقولة "الجنس مقابل الغذاء" أمراً معتاداً وجملة تتردد في أروقة الأمم المتحدة حتى، لوصف حال اللاجئين السوريين في مخيمات لبنان "الشقيق"، وما بين الدعارة "العرفية" المغطاة بفتاوى شرعية والمعقودة تحت لحى الشيوخ و"مصافحة أولي الأمر"، والدعارة العلنية المغطاة بالحاجة للغذاء والمسكن والأمن، تغيب أجيال من الفتيات في "دياسبورا" سورية لا يبدو أن لها نهاية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard