رفع التقييد الأمريكي عن صور الأقمار الصناعية عالية الجودة لفلسطين... ماذا يعني ذلك سياسياً وقضائياً؟

الأربعاء 5 أغسطس 202011:30 ص

عند تصفح "غوغل إيرث" طوال السنوات الماضية، كان الفارق يظهر كبيراً بين الصور التي يعرضها لكافة دول العالم وبين الصور الآتية من فلسطين المحتلة، ففي مدينة نيويورك مثلاً كانت تظهر بدقة صور المركبات والمباني الصغيرة، بينما في تل أبيب لا تظهر سوى المباني الضخمة وبجودة أقل.

على مدى العقدين الماضيين، لم تكن الشركات والمؤسسات الأمريكية العاملة في مجال الفضاء قادرة على نشر الصور عالية الدقة التي التقطتها أقمارها الصناعية للأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان السورية.

يعود هذا المنع إلى بند تمت إضافته عام 1996 للائحة أمريكية صدرت منذ أكثر من 40 عاماً لحماية الأمن القومي الأمريكي خلال الحرب الباردة. ويتم تعريف هذا البند باسم "تعديل كايل-بينجمان" الذي نص على تقييد وتقليل جودة وتوافر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة التي تغطي إسرائيل والأراضي التي تسيطر عليها.

لعلّ هذا يفسر الأسباب التي جعلت الصور المتاحة للجمهور على محركات البحث الأساسية على الإنترنت مثل "غوغل إيرث" تبدو خشنة ومشوّهة بشكل متعمد.

صحيح أن كثير من الدول تمنع توفير صور من الأقمار الصناعية للمناطق الحساسة على أراضيها مثل الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ومواقع إخفاء الأسلحة النووية في بريطانيا، ومطار مينيمي توريشيما الياباني، لكن إسرائيل هي الجهة الوحيدة في العالم التي تمنع واشنطن شركاتها من نشر أي صور عالية الدقة لكامل الأراضي التي تسيطر عليها.

ومع ذلك فإن هذا المنع لم يعد قابلاً للتطبيق في المرحلة الحالية، بحسب ما كشف تقرير نشرته الكاتبة والباحثة الفلسطينية زينة الآغا ويفيد بأنه، في 25 حزيران/يونيو الماضي، تمّ تعديل هذه اللائحة بشكل يجعل الشركات الأمريكية قادرة على جعل صور الأقمار الصناعية التي التقطتها لفلسطين متاحة للجمهور بتقنيات عالية الدقة. وفي التالي، أبرز ما أورده التقرير. 

خلفيات القانون

كانت اللائحة الأمريكية قد صدرت أساساً إبان الحرب الباردة عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يستخدمان صور الأقمار الصناعية في أغراض التجسس.

وعند انتهاء الحرب، سعى الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى رفع القيود التي نصّت عليها هذه اللائحة وذلك في إطار خطته باستخدام التكنولوجيا في التجارة والاقتصاد، فدفع باتجاه رفع السرية عن صور الأقمار الصناعية في الستينيات والسبعينيات.

وبما أن تل أبيب كانت تدرك، ولا تزال، أهمية صور الأقمار الصناعية عالية الدقة للمحقيين والباحثين الذين يدرسون التغييرات التي تجري على الأرض وتحديدها وتوثيقها، ضغطت وقتها على الكونغرس من أجل استمرار تطبيق هذه اللائحة في كل ما يتعلق بها وبمشاركتها في الحرب الباردة، وهذا ما أدى إلى إضافة بند في اللائحة عام 1996، نصّ على استمرار تقييد صور الأقمار الصناعية الخاصة بإسرائيل.

وكانت الصور التي يتم نشرها من الأقمار الصناعية هي 2 متر لكل بيكسل، أما الآن فستكون من 0.25 إلى 0.6 متر لكل بيكسل، بمعنى أن الصور القديمة كانت تظهر المباني الكبيرة في تل أبيب فحسب، أما الحديثة فباستطاعتها أن تظهر السيارات المتوقفة في الشوارع.

تل أبيب كانت تدرك أهمية صور الأقمار الصناعية عالية الدقة للمحقيين والباحثين الذين يدرسون التغييرات التي تجري على الأرض، فضغطت على الكونغرس من أجل استمرار تقييد كل ما يتعلق بها، ما أدى إلى إضافة بند عام 1996يسمح فقط بنشر صور "خشنة ومشوّهة"

توضح الناشطة الإسرائيلية هاجيت أوفران، وهي عضوة في "حركة السلام الآن" التي تراقب النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، أنه كان من الصعب معرفة ما إذا كان ما تراه بيتاً جديداً أو حظيرة دجاج. في الصور التي كان يتم نشرها بحجم "مترين لكل بيكسل" كان من الممكن تحديد التغيرات الجوهرية في استخدام الأراضي، فعلى سبيل المثال يظهر فيها بناء مستوطنات بحجم المدينة وتجريف المباني الفلسطينية، لكن التغييرات الدقيقة مثل نمو البؤر الاستيطانية أو المواقع العسكرية الصغيرة كان من الصعب تمييزها.

أسباب رفع الحظر

لعل السبب الذي دفع السلطات الأمريكية إلى تعديل اللائحة، بما يسمح بنشر صور دقيقة، هو ظهور شركات خارج الولايات المتحدة تشغل عشرات الأقمار الصناعية باتت تنشر صوراً بدقة تزيد عن مترين، فيما ظلت الشركات الأمريكية غير قادرة على القيام بالمثل، ما أخلّ بالمنافسة التجارية لصالح الشركات غير الأمريكية.

حتى إسرائيل نفسها كانت توفر خلال السنوات القليلة الماضية صوراً جوية عالية الدقة للأراضي التي تسيطر عليها وتبيعها، وهذا ما يجعل القانون الأمريكي الذي يدّعي أنه يخدم مصالح الأمن القومي الإسرائيلي بلا فائدة لأن أصحاب الشأن أنفسهم لم يلتزموا تنفيذه بحذافيره، بل استغلوا تقييد الشركات الأمريكية في توفير هذه الصور لتحقيق أرباح.

أفقدت هذه التطورات القانون الأمريكي جدواه، لذلك قررت السلطات أن تجري تعديلات بما يسمح للشركات الأمريكية مواكبة نظيرتها الأجنبية.

بل قد يكون هناك تعديل آخر في نهاية العام، إذ من المتوقع أن يُطلب من السلطات المختصة أن تخفض دقة الصور إلى 0.3 متر عندما تطلق شركة "إيرباص" جيلها الجديد من الأقمار الصناعية في وقت لاحق من هذا العام.

الآثار المترتبة

طوال 24 عاماً، طمس القانون الآثار المدمرة للاحتلال الإسرائيلي بإخفائها حرفياً عن الأنظار وأحبط الجهود الرامية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان والتحقق منها، لا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها مثل قطاع غزة، والتي كانت محاصرة منذ عام 2007.

لذلك يتوقع أن تكون الآثار المترتبة على تعديل القانون الأمريكي واسعة النطاق، إذ من الواضح أن شركات التكنولوجيا الأمريكية ستصبح أكثر تنافسية ضد الشركات الأجنبية، وهذا ما يعني أن الجانبين سوف يتنافسان على توفير صور دقيقة.

وعليه سيؤدي هذا الإصلاح والتنافس في جودة الصور إلى تحسن كبير في القدرة على مراقبة هذه المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل.

في مجال المناخ، فإن الصور عالية الدقة ستتيح الكشف عن تغييرات الجارية في الغطاء النباتي، وظروف المحاصيل، وانتشار التصحر، والتغيرات في توزيع المياه، والإفراط في استخدام الأسمدة، ومقالب القمامة، لأن كل هذه المواضيع كانت تتطلب صور عالية الجودة في الماضي.

في المجال القضائي، سوف تمكّن الصور عالية الدقة جماعات حقوق الإنسان من توفير الأدلة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، بما في ذلك عمليات القتل وبناء المستوطنات التي تشكل، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، جريمة حرب، لذلك هناك قلق كبير في الأوساط العسكرية الإسرائيلية من تعديل هذا القانون.

وسوف يتمكن الباحثون من خلال الصور الدقيقة من مراقبة المناطق الحدودية للأردن وسوريا ولبنان ومصر، والتي جرى اختزالها وتغطيتها بشكل سيئ خلال العقدين الماضيين.

كذلك، سيكون بمقدار الفلسطينيين أن يمتلكوا صوراً عالية الدقة لبقايا القرى والبلدات التي دمرت منذ النكبة بدقة، ليظهروا للعالم كيف تم محو الماضي الفلسطيني بشكل شبه كامل وبناء مستقبل إسرائيلي بديل.

رفع التقييد الأمريكي على الصور عالية الدقة التي تبثها الأقمار الصناعية لفلسطين، لأغراض تجارية، سيزيد الأدلة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، بما في ذلك عمليات القتل وبناء المستوطنات التي تشكل، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، جريمة حرب

ولكن كي يمتلك الفلسطينيون هذه الصور يتطلب رفع السرية عنها وهي معركة منفصلة تماماً، فإعادة إصدار صور الأقمار الصناعية الأرشيفية لإسرائيل والأراضي المحتلة بدقة عالية لا يُعدّ بالأمر السهل.

في وقت سابق، أظهرت صور سلاح الجو الملكي البريطاني التي رُفعت عنها السرية لفلسطين والتي التقطت من عام 1944 إلى عام 1948 حجم هائل من التغييرات في الأراضي الفلسطينية، لذلك يأمل الباحثون أن تكشف الصور الأمريكية التي يمكن أن رفع السرية عنها من الأرشيف التغييرات التي حدثت في السنوات التالية.

ويأمل الباحثون أن تؤدي صور الأقمار الصناعية الدقيقة إلى إظهار الانتهاكات الإسرائيلية، مثلما كشفت ما يجري للأويغور في معسكرات إعادة التأهيل في الصين، أو عمليات التطهير العرقي للروهينجا والأقليات الأخرى في ميانمار، أو ضربات الطائرات بدون طيار الأمريكية في الصومال.

في المقابل، تخشى إسرائيل أن يؤدي نشر هذه الصور الدقيقة إلى مساعدة حزب الله أو حركة حماس على استهداف المنشآت الإسرائيلية الحساسة، ورصد انتشار القوات الإسرائيلية وتحركات الشخصيات المهمة.

وفي الشهر الماضي، وصف رئيس البرامج الفضائية في الجيش الإسرائيلي عمنون هاراري التعديل الجديد بأنه خطر أمني محتمل، مشيراً إلى السلطات الأمريكية لم تقم باستشارة تل أبيب قبل إجراء هذه التعديلات.

وقال لمحطة "كان" الإذاعية في إسرائيل: "نفضل دائماً أن يتم تصويرنا بأقل درجة وضوح ممكنة، من الأفضل دائماً أن تكون صورنا غير واضحة وليست دقيقة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard