"مؤشر خطير"... دلالات الاتفاق الأمريكي الكردي على الاستثمار في النفط السوري

الاثنين 3 أغسطس 202008:55 م

كشفت تقارير إعلامية أمريكية أن "الإدارة الكردية" التي تسيطر على شمال شرق سوريا تعاقدت مع شركة نفط في الولايات المتحدة على تطوير حقول النفط الخاضعة لها وتشغيل المصافي النفطية وتسويق إنتاجها في الخارج.

وقالت الأخبار التي انتشرت في وسائل الإعلام على مدار اليومين الماضيين، ولم تؤكدها أو تنفيها الإدارة الذاتية الكردية بشكل رسمي، إن التوقيع على الاتفاق تمّ الأسبوع الماضي، "بمعرفة وتشجيع من البيت الأبيض".

وأكدت السياسية الكردية سنام محمد، وهي ممثلة الجناح السياسي للإدارة الذاتية المعروفة باسم"مجلس سوريا الديمقراطية" لدى الولايات المتحدة، أن شركة "دلتا كريسنت" الأمريكية وقعت بالفعل الاتفاقية.

وفي تأكيد إضافي على صحة الأخبار المتداولة، كشف السيناتور الجمهوري والمقرب من الرئيس دونالد ترامب، ليندسي غراهام، أنه تحدث مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجناح العسكري للإدارة الذاتية الكردية، مظلوم كوباني، وقد أبلغه الأخير أن الصفقة تمت طالباً منه نقل تفاصيلها إلى الرئيس الأمريكي.

من جانبها، دانت دمشق "بأشد العبارات" الاتفاق الموقع بين "قسد" وشركة نفط أمريكية، واصفة إياه بأنه "سرقة للنفط السوري برعاية ودعم الإدارة الأمريكية".

وقالت وزارة الخارجية السورية إن الاتفاق "يعد سرقة موصوفة متكاملة الأركان، ولا يمكن أن يوصف إلا بصفقة بين لصوص تسرق ولصوص تشتري".

صناعة النفط السورية

يُعد قطاع النفط والغاز أحد أهم مصادر عائدات الحكومة السورية، على الرغم من أن احتياطاتها صغيرة مقارنة باحتياطات دول أخرى في الشرق الأوسط.

في عام 2018، كان لدى سوريا ما يُقدّر بـ2.5 مليار برميل من احتياطات النفط، مقارنة بالسعودية التي تمتلك 297 مليار برميل، بينما كان لدى إيران 155 مليار برميل والعراق 147 مليار برميل. وفي عام 2008، أنتجت سوريا 406 آلاف برميل يومياً، ثم انخفض الإنتاج عام 2011 إلى 353 ألف برميل في اليوم، وتراجع إلى 24 ألف برميل فحسب عام 2018، ما يعني أن هناك تراجعاً في إنتاج النفط السوري وصل إلى أكثر من 90٪ خلال سنوات الحرب.

تتركز معظم حقول النفط الكبرى في محافظة دير الزور، شرقي سوريا، بالقرب من الحدود العراقية والحسكة في الشمال الشرقي.

وفقدت الحكومة السورية سيطرتها على معظم حقول النفط في البلاد لصالح المعارضة السورية، ثم سقطت تحت سيطرة تنظيم داعش عام 2014.

أصبحت مبيعات النفط واحدة من أكبر مصادر الدخل للجماعة المتشددة في سوريا، حيث كسبت حوالي 40 مليون دولار شهرياً عام 2015، وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية. ومع تشكيل الولايات المتحدة التحالف الدولي لمحاربة داعش، فقد التنظيم سيطرته على حقول النفط السورية التي كان يسيطر عليها لصالح "قوات سوريا الديمقراطية" التي كانت تساندها القوات الأمريكية، عام 2017.

"الاتفاق يعد مؤشراً خطيراً لأنه أول اتفاق دولي مع كيان يدعي الحكم الذاتي لجزء من الأراضي السورية، وهو ما يمثل اعترافاً مباشراً بحكم هذا الكيان، وما يدفع نحو تقسيم البلاد، وتخصيص الثروة لجزء دون آخر وطائفة دون أخرى"

وتعرضت حقول النفط السورية لأضرار جسيمة بسبب الضربات الجوية الأمريكية، خلال عمليات الدعم التي قدمتها واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية، في محاولة لتعطيل أحد أهم مصادر دخل تنظيم داعش.

كما دمر مقاتلو داعش جزءاً كبيراً من البنية التحتية النفطية عندما اتضح أنها ستسقط في يد القوات الكردية، ولم تستطع أية شركة أجنبية العمل مجدداً في تلك الحقول، بسبب فرض واشنطن للعقوبات.

وبحسب المرصد السوري، فإن دير الزور التي تقع بها حقول النفط الكبرى معظم سكانها من المكون العربي وهم لا يرحبون بوجود القوات الكردية في هذه المحافظة.

ووفقاً لتشارلز ليستر، كبير زملاء معهد الشرق الأوسط، فإن القوات الكردية السورية تحالفت مع القبائل العربية في هذه المناطق، وباتت تسيطر على ما يقرب من 70٪ من موارد النفط الوطنية السورية وعدد من مرافق الغاز القيمة.

وقال ليستر: "على الرغم من أن معظم هذه المنشآت تعمل أقل بكثير من مستويات إنتاجها قبل الحرب، إلا أنها تظل مصدراً مهما لدخل قوات الإدارة الذاتية التي تمكنت من إعادة إصلاح بعض المنشآت".

وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلنت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من شمال سوريا، لكنها قالت إنها ستحتفظ بحوالي 500 جندي لحراسة المنشآت النفطية، إلى جانب القوات الكردية.

وقال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إن القوات الأمريكية موجودة هناك للحماية ليس من مقاتلي داعش فحسب، ولكن أيضاً من القوات الحكومية الروسية والسورية.

في الأسابيع الماضية، طالبت الإدارة الكردية من الولايات المتحدة السماح لها بالتعاقد مع شركات أجنبية من أجل إعادة تشغيل الحقول النفطية التي تسيطر عليها، بحجة استخدام إيراداتها في توفير الخبز والبنية التحتية للمدنيين.

وكانت هناك حملة إعلامية في وسائل إعلام أمريكية تروج لفكرة أن القوات الكردية مجبرة على أن تتعامل مع وسطاء ومهربين، وكثير منهم على صلة بالنظام السوري، لبيع النفط.

كما جادلت أن الدمار الذي لحق بمرافق النفط خلق أزمة بيئية تؤثر على حياة السكان ما يتطلب ضرورة صيانتها، وعليه طلبت من واشنطن مساعدتها في ادارة الحقول النفطية وبيع إنتاجها.

وقال محللون أكراد إن الوضع الاقتصادي في سوريا يزداد سوءاً، لا سيما بعد "قانون قيصر" الذي نصّ على فرض عقوبات صارمة على الاقتصاد السوري.

أبعاد الاتفاق

علّق القيادي في "تيار الغد" السوري وعضو هيئة التفاوض عن المعارضة قاسم الخطيب على هذا الموضوع بالقول إن لا أحد يعلم مقدار احتياطات سوريا من النفط أو مقدار ما يتم إنتاجه يومياً أو عدد الحقول في هذه المنطقة، لأن هذا القطاع لم تكن عائداته تدخل خزينة الدولة والاقتصاد الوطني، ولا توجد بيانات دقيقة حوله.

ورأى الخطيب أن الاتفاق يعد مؤشراً خطيراً لأنه أول اتفاق دولي مع كيان يدعي الحكم الذاتي لجزء من الأراضي السورية، وهو ما يمثل اعترافاً مباشراً بحكم هذا الكيان، وما يدفع نحو تقسيم البلاد، وتخصيص الثروة لجزء دون آخر وطائفة دون أخرى.

ولفت الخطيب إلى أن هذا الاتفاق سوف يشجع باقي الدول المتواجدة على الأراضي السورية، مثل روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل، على الاستثمار في المناطق التي يسيطرون عليها.

وبينما ذكّر الخطيب بتوقيع روسيا وسوريا، عام 2018، لاتفاقية تعاون في مجال الطاقة تمنح موسكو حقوقاً حصرية لإعادة بناء قطاع النفط والغاز السوري، اعتبر أن "روسيا ستكون سعيدة بهذا الاتفاق ولا يعد انتكاسة لها، لأنه يساعدها على التحجج بالصفقة الأمريكية لتقوم هي من جانبها بسرقة موارد الدولة السورية". 

"واشنطن تنشىء هذا المشروع في أغنى منطقة ثروات سورية، وتجابه فيه موسكو التي كان تسعى إلى تعميم فدرلتها على امتداد الأرض السورية"... أبعاد الترويج لاتفاق بين الأكراد وشركة نفط أمريكية لتطوير حقول النفط شمالي شرق سوريا وتسويق إنتاجها 

وفيما لم تعلق وزارة الخارجية الروسية على الاتفاق، نشرت السفارة الروسية في كندا تغريدة على تويتر اتهمت فيها الدول الغربية بسرقة موارد سوريا، معلقة "تحت ستار الديمقراطية والحرية تستمر الدول الغربية في نهب موارد سوريا الطبيعية".

من جانبه، نفى الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية رياض درار أن يكون الاتفاق الجديد يهدف إلى "تقسيم سوريا" كما يُشاع، ورفض اتهامات النظام السوري للإدارة الذاتية بسرقة النفط، مشيراً إلى أن الأخيرة "تحاول استثمار موارد المنطقة من أجل تحسين أوضاع أبنائها".

وقال درار لرصيف22: "في ظل الانقسام الحاصل في سوريا والصراع المستمر منذ 10 سنوات، نجد كل الأطراف يستثمرون موارد المناطق الخاضعة لهم كي تعود على أبنائها، والنظام كان يستأثر بقطاع النفط لنفسه ولم يكن هناك مردود للناس، وعليه فإن حديث النظام حول سرقة النفط مرفوض لأنه هو من كان يسرق هذا القطاع من خلال أزلامه وأجهزته ومسؤوليه".

وأضاف القيادي الكردي: "لا صحة لكل الاتهامات التي تشير إلى أن هناك أهدافاً لفصل هذه المنطقة عن سوريا، هذا الجزء هو جزء أصيل من سوريا، وأبناؤه يعملون من أجل مستقبل حقيقي لسوريا موحدة، وهدفنا نظام لا مركزي تعمل الإدارة الذاتية على تطبيقه، وسيكون نموذجاً أولياً يمكن أن يتم التفاهم عليه عندما يبدأ التفاوض من أجل حل الأزمة".

بدوره، قال الباحث والمحلل السوري مالك الحافظ إن الاتفاق هو مسعى أمريكي لإيجاد نموذج فيدرالي في سوريا، ضمن رؤية واشنطن لمستقبل سوريا، وذلك "على غرار كردستان العراق" ينافس مشروع الفدرالية الروسية.

وأضاف الحافظ لرصيف22 أن واشنطن تنشىء هذا المشروع في أغنى منطقة ثروات سورية، وتجابه فيه موسكو التي كان تسعى إلى تعميم فدرلتها على امتداد الأرض السورية وتسعى للإسراع في الدخول بمرحلة إعادة الإعمار.

وبرأيه، فإن واشنطن أحبطت تلك المساعي عبر تطبيق عقوبات "قانون قيصر"، في حزيران/يونيو الماضي، والآن تتوج هذا القانون باستثناءات في المناطق الشرقية وتوقع أول اتفاق لتطوير حقول النفط واستثمارها هناك.

ولفت الحافظ إلى أن هذا الاستثمار سيؤسس لاستفادة مستدامة لأهالي المنطقة دوناً عن باقي المناطق السورية، كبداية لإعادة إعمار المنطقة وتنميتها مقابل ضياع حقوق باقي الفئات السورية من نفطها الذي انحصرت السيطرة عليه بأيدي سلطة الأمر الواقع.

وقال المحلل السوري إن المناطق الشرقية ستكون نموذجاً أمريكياً، وبذلك تقدم رسالة لروسيا بتبديد أمانيها في السيطرة الواسعة على حقول النفط، وتقطع "شعرة معاوية" بين الأكراد ودمشق، إذ لا يبدو أنه سيكون هناك أية جولات حوار بين الطرفين طالما بقي الوضع على ما هو عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard