الوجود الروسي في شرق الفرات... علاقةٌ "مخيفة" مع سكان المنطقة وعشائرها وجيرانها

الخميس 9 يوليو 202002:08 م

"اذهبوا، اذهبوا من هنا، هذا المكان ليس مكانكم، هنا للكرد ولأبناء الأرض الذين استشهدوا في سبيلها"، هذا ما انفكّت تُردّده العجوز المسنّة الواقفة على طريق قريتها المتاخمة لمدينة المالكية في أقصى الشمال الشرقي، مبديةً رأيها في الدورية الروسية الواقفة على مدخل قريتها.

"تركتم رأس العين وعفرين وجايين لهون مشان شو (لأي سبب)، نحن لا نقبل بكم"، أنهت العجوز كلامها، ثم أدارت ظهرها للجنود الروس متجهةً إلى داخل القرية.

بداية الوجود الروسي

يعود تاريخ وجود القوات الروسية في منطقة شرقي الفرات إلى أواخر عام 2019، وتحديداً في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، عقب عملية "نبع السلام" العسكرية التركية في رأس العين وتل أبيض. كان الأمريكيون قد انسحبوا من المناطق الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا، إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه عن نية بلاده سحب كامل قواتها من شمال شرق سوريا.

إعلان أمريكا الانسحاب من الشمال السوري شجّع تركيا على شن عملية عسكرية بعد ثلاثة أيام، وهو ما دفع بقوات سوريا الديمقراطية إلى توقيع اتفاقية التفاهم مع روسيا القاضية بدخول الجيش السوري إلى المنطقة، خاصة المناطق الشمالية الواقعة على الحدود، بينما تعهدت روسيا بموجب تلك الاتفاقية بلعب دور "الضامن" في المنطقة لوقف زحف القوات التركية، وكذلك برعاية المفاوضات بين الإدارة الذاتية والنظام السوري.

بعد الدخول الروسي إلى المنطقة، وُقّعت اتفاقية أخرى بين موسكو وأنقرة، نصّت على انسحاب "قسد" من الحدود بعمق 30 كيلومتراً، وتسيير دوريات مشتركة بين الطرفين على طول المدن الواقعة على الشريط الحدودي من مدينة عين العرب إلى المالكية باستثناء مدينة قامشلي. من جهتها، أعلنت أمريكا بعد تسيير أولى هذه الدوريات بأن انسحابها من سوريا سيكون جزئياً وليس كاملاً، وأن تواجد قواتها يقتصر على المناطق الغنية بالنفط.

خارطة تواجد القوات الروسية

تتوزع القوات الروسية في شمالي سوريا وشرقيها بين مثلث عين العرب والريف الشمالي والغربي لمدينة الرقة، وصولاً إلى قامشلي وأريافها.

تُقدَّر نقاط تواجد القوات الروسية بحوالي 15 نقطة عسكرية، إذ تحوّل مطار قامشلي إلى قاعدة عسكرية لها تضم منظومة صواريخ دفاع جوي، وهناك قاعدة عسكرية لها في مطار مدينة الطبقة العسكري على مقربة من سد الفرات، وقاعدة عين عيسى التي كانت تتبع للفرقة 17 في مدينة الرقة، وقاعدة في مقر الفرقة 17 في المحيط الشمالي الشرقي محاذية لمدينة الرقة، وقاعدة أخرى في مدينة صرين جنوبي عين العرب… وكانت هذه قواعد تابعة للقوات الأمريكية قبل الانسحاب من هذه المناطق.

يستمر نشاط القوات الروسية في المنطقة بشكل مكثف من سد تشرين وصولاً إلى ريف الرقة الشمالي فمدينة قامشلي وعامودا، بالإضافة إلى تسيير دوريات مشتركة مع تركيا والقيام بجولات استطلاعية باتجاه الحدود العراقية، وهذا ما جعلها تصطدم بالقوات الأمريكية طيلة الأشهر الخمسة الماضية.

من ناحية أخرى، تتابع روسيا تعزيز نقاطها العسكرية بالمعدات والأسلحة والرادارات، وأبرزها كانت القافلة العسكرية التي خرجت من عين عيسى على طريق M4 نحو قامشلي أمام أنظار الدوريات الأمريكية في شهر نيسان/ أبريل الماضي.

مخاوف الأهالي

في ظل التواجد الروسي في المنطقة، تكثر الحوادث والتوترات، بينما تظهر حالة الخوف لدى سكان المنطقة فيكثر حديثهم عن الدور الروسي تاريخياً تجاه شعوب المنطقة.

تعززت حالة الخوف بعد حوادث وقعت وكانت على علاقة مباشرة بتصرفات القوات الروسية، ومنها اجتماعات عقدتها الأخيرة مع زعماء العشائر، فضلاً عن تحريضها الأهالي في القرى الواقعة تحت سيطرة قوات النظام السوري ضد القوات الأمريكية، وممارسة الحرب الإعلامية ضد القوى الفاعلة على الأرض.

"تحاول روسيا استخدام العشائر العربية كأداة بيدها لضرب السلم الأهلي، وبذلك تُحقق هدفين: إضعاف قوات سوريا الديمقراطية والانتقام منها كونها لم تستجب للسياسات الروسية في مواجهة أمريكا... وممارسة ضغط فعال على الوجود الأمريكي نظراً لحيوية القوى العشائرية"

في منتصف شهر شباط/ فبراير الماضي، وقعت حادثة في قرية خربة عمو الموالية للنظام السوري، على إثر تحريض القوات الروسية والنظام لأهالي هذه القرية ضد الوجود الأمريكي، فجرى إطلاق نار على دورية أمريكية أثناء جولة استطلاعية لها في محيط قامشلي، وفقد شخص حياته خلال المواجهة.

تسببت هذه الحادثة بحالة قلق لدى السكان، حيث يقول سامي خليل، وهو من أهالي مدينة قامشلي: "روسيا يا بتبيعك يا بخليك تتقاتل مع جيرانك، عم تمارس نفس السياسة التي مارستها في الشيشان".

ويرى خليل الذي عاش في روسيا لسنوات عدة في وجود القوات الروسية زعزعةً للاستقرار والسلم الأهلي، مشبّهاً السياسة الروسية في المنطقة بتلك التي مارستها عندما ألّبت شيشانيين على بعضهم البعض بدعم فصائل في وجه أخرى ضدها.

ويقول لرصيف22: "من فترة عم تحاول تقنع العشائر بضرورة الوقوف في وجه المحتل الأمريكي كما تصفهم، وتريد من العشائر إخراج أبنائهم من صفوف قسد، لتشكيل قوات موالية لها"، متسائلاً: "إذا كانت روسيا صادقة مع العشائر فلماذا تمنع فتح معبر اليعربية أمام المساعدات الإنسانية؟".

ويشير خليل بذلك إلى الاجتماعات التي حصلت في نيسان/ أبريل الماضي في قرية الجرمز التابعة لمدينة القامشلي الواقعة ضمن نطاق سيطرة قوات النظام، وتلك التي حصلت في الحسكة وتل تمر أيضاً، عندما اجتمع ضباط من القوات الروسية مع زعماء من العشائر، لتحسين الوضع الخدمي في المنطقة وإجراء حلول عاجلة للمشكلات القائمة، بينما للمفارقة تصر على استخدام الفيتو لإبقاء المعبر مغلقاً.

والعشائر التي اجتمعت مع الجانب الروسي في قامشلي والحسكة هي عشيرة آل سياد، آل يسار، الغنامة، المعماري، بني سبعة، الراشد، البوعاصي.

وبحسب الباحث السياسي أحمد رسول، فإن هدف روسيا من وراء هذه الاجتماعات منافسة النفوذ الأمريكي من خلال استمالة القوة العشائرية الفاعلة ضمن قوات سوريا الديمقراطية إلى جانبها، لتشكيل قوة عسكرية خاصة بها وتعمل تحت رعايتها، كون معظم المقاتلين في صفوف قوات سوريا الديمقراطية من أبناء العشائر.

ويرى رسول أن روسيا تحاول استخدام العشائر العربية كأداة بيدها لضرب السلم الأهلي، وبذلك تُحقق هدفين: الأول إضعاف قوات سوريا الديمقراطية والانتقام منها كونها لم تستجب للسياسات الروسية في مواجهة أمريكا في المنطقة، وهذا ما يؤلّب الجماعات الأهلية في شرقي الفرات على بعضهم البعض.

الهدف الثاني، وفق رسول، يتمثل بممارسة ضغط فعال على الوجود الأمريكي نظراً لحيوية القوى العشائرية في المنطقة، وذلك من خلال إقناع العشائر بالوجود غير الشرعي للقوات الأمريكية أو "المحتلة" للأراضي السورية.

ويشير رسول إلى أن ما يدعم المحاولات الروسية المستمرة في هذا السياق هي الثقافة العشائرية الرصينة والعريقة في المنطقة التي ترفض الانصياع وقبول الغرباء. تحاول روسيا من خلال هذه النقطة إقناع العشائر بأن وجودها - على عكس الأمريكيين - جاء على خلفية دعمها للسوريين.

"أكثر من تسعة أشهر على الوجود الروسي، ولم تتوقف هجمات الفصائل المسلحة الموالية لتركيا في تل تمر وريف كوباني الشرقي والقرى الواقعة في ريف المالكية الشمالي"... كيف يرى سكان المنطقة الوجود الروسي، وعلى ماذا يعوّل الروس؟  

من جهته، يقول المحلل السياسي وليد جولي: "رغم مرور أشهر على المساعي الروسية تجاه العشائر، إلا أنها لم تحقق تقدماً يُذكر، ويعود ذلك إلى الصعوبة في كسب هذه العشائر، خاصة في ظل إعلان روسيا في الفترة الأخيرة عن تشكيل فوج عسكري لتجنيد السوريين للقتال في ليبيا، وهو ما يثير مخاوف أبناء العشائر".

ثمة سبب آخر، بحسب جولي، وهو أن قوات سوريا الديمقراطية لا تقبل بوجود جيش آخر في المنطقة، وهو ما يدركه زعماء العشائر لما سيترتب عليه من كارثة حقيقة، بسبب اقتتال أبناء المنطقة.

وفي بداية شهر حزيران/ يونيو من العام الحالي، اعترض أهالي من مدينة ديريك/ المالكية، الخاضعة للنفوذ الأمريكي، على رغبة الروس في إنشاء قاعدة عسكرية في إحدى القرى التابعة للمدينة، فوقفوا في وجه القوات الروسية أثناء محاولتها بناء القاعدة، ما دفع روسيا للانسحاب.

يقول جهاد عباس، وهو أحد أبناء المدينة الذين شاركوا في التظاهر ضد القوات الروسية لرصيف22: "في حال موافقة أبناء المدينة على بناء نقطة عسكرية في قريتهم سيؤدي ذلك إلى خلق التوتر بينهم وبين القرى المجاورة لهم، نتيجة تمركز القوات الأمريكية في تلك القرى".

الجدير بالذكر أن روسيا عرضت على الأهالي في الشهر نفسه مساعدات إغاثية من السلل الغذائية، لكن الأخيرة قوبلت بالرفض، وهو ما يؤكده نذير صالح من المدينة قائلاً: "حاولوا توزيع المساعدات علينا فرفضنا، كانوا يريدون إغراءنا بهذه المساعدات لنقبل بإقامة نقطة عسكرية لهم في قريتنا".

في ظل الموقف التصعيدي الشعبي ضد التواجد الروسي، قامت طائرة تركية مُسيَّرة في الثالث والعشرين من شهر حزيران/ يونيو الماضي بقصف قرية حلنج التابعة لمدينة كوباني/ عين العرب، وأدت هذه العملية إلى مقتل ثلاث نسوة من أهالي المدينة كن يعملن في شؤون تنظيمات المرأة الحرة الموجودة ضمن الإدارة الذاتية، ما تسبب بموجة استنكار عارمة بين مختلف أبناء المنطقة وتحميل مسؤولية العملية لروسيا.

تصف جيهان خليل وهي من سكان القرية التي تم قصفها ما جرى قائلة: "روسيا لها يد بالعملية، على أساس دخلوا المنطقة ليضمنوا حمايتها لكن القوات التركية تقتلنا على مرأى من أعينهم".

ويتفق كثر من أبناء المنطقة على أن روسيا لا تقوم بما هو مطلوب منها في دورها الضامن للحماية ووقف الهجمات والانتهاكات التي تتعرض لها المنطقة والأهالي.

ويقول جولي في هذا الإطار: "روسيا لم تلعب دورها المطلوب كما صرّحت في بداية دخولها إلى المنطقة، بناء على الاتفاقية الأمنية التي وقعتها مع قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حيث تعهدت بموجب ذلك حماية المناطق الواقعة تحت سيطرة قسد وردع الهجمات والانتهاكات التركية".

ويضيف: "أكثر من تسعة أشهر على الوجود الروسي، ولم تتوقف هجمات الفصائل المسلحة الموالية لتركيا في تل تمر وريف كوباني الشرقي والقرى الواقعة في ريف المالكية الشمالي".

وبحسب جولي، فإن روسيا تتغاضى أحياناً عن الانتهاكات والهجمات، وأحياناً تتواطأ مع تركيا في ذلك. يقول: "السبب يعود إلى الانسحاب الجزئي لأمريكا وليس الانسحاب الكامل كما كانت تأمل روسيا في البداية".

يضيف جولي سببين آخرين يلعبان دوراً برأيه، وهما الرفض الشعبي لمحاولة الروس استمالة الأهالي ضد القوات الأمريكية، وفشل المفاوضات بين النظام والإدارة الذاتية.

بحسب مصادر متقاطعة، اقتصرت الجهود الروسية في المنطقة خلال الآونة الأخيرة على رصد تحركات القوات الأمريكية واستفزاز دورياتها، وعرقلتها في بعض الأحيان، وهي تركز حالياً على كيفية إخراج الولايات المتحدة الأمريكية.

يعلق رسول على هذه النقطة بالقول إن روسيا لا تهمها حماية المناطق أو تحقيق الاستقرار فيها، بل لديها مطامع في الثروات الموجودة من النفط والغاز والقمح.

ويقول صالح: "قلت لهم أثناء تواجدي بين الناس المحتجين في ريف المالكية، ولله ما نكون جايين كرمالنا، أنتو جايين منشان النفط والقمح".

وعلى الصعيد الإعلامي، مارست روسيا دوراً سلبياً ضد المكونات والعشائر. بحسب ما يقوله الإعلامي نورهات حسن: "الإعلام الروسي مارس التحيز التام، ويلجأ إلى أسلوب فبركة الحوادث والكذب بشأن هذه الحوادث، وأحياناً يجعل من حدث معين مشكلة كبيرة، فعندما اجتمعت العشائر مع قوات سوريا الديمقراطية من أجل تكثيف الجهود لتحقيق الاستقرار والأمن، أظهر الإعلام الروسي على أن هذا الاجتماع محاولة انفصالية، والتفاف على مسار الآستانة وسوتشي".

ويضيف حسن: "عندما دخلت القوات الروسية والنظام السوري في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعد العملية التركية، لجأ الاعلام للتضخيم من شأن السياسة الروسية وبراعتها، وأعطى صورة أن قوات سوريا الديمقراطية انتهت، ووصفها بالقوات المنحلة، ومنذ ذلك الحين يعمل على تلميع العشائر وتحريضها ضد القوات الأمريكية، والتأكيد أن سوء الأوضاع في المنطقة بسبب الاحتلال الأمريكي لمنابع النفط والغاز".

"خائن واحد أحسن من خائنين. لم نر طوال فترة الوجود الأمريكي في المنطقة أي نوع من الانتهاكات التركية وهجماتها علينا، وهذا يجعلنا نخاف من روسيا كثيراً".

تقول الإعلامية جيهان محمد: "الإعلام الروسي يحاول أن يخلق انطباعاً لدى أبناء المنطقة من العشائر بضعف وهشاشة قوات سوريا الديمقراطية، وبعدم شرعية هذه القوات معطياً إياها طابعاً كردياً، لاستفزاز العشائر العربية وتأليبها عليها… الإعلام الروسي يلعب على النغمة القومية كثيراً لمواجهة أمريكا وضرب السلم الأهلي".

أسباب النقمة

يقول الناشط السياسي محمد مسلم من مدينة عين عيسى: "في بداية دخولها منطقة الجزيرة وتسيير الدوريات المشتركة، كانت نظرة الأهالي عادية تجاه القوات الروسية، لكن لاحقاً مارست سياسة التحجيم والإضعاف ضد جميع القوى المعارضة بما فيها قوات سوريا الديمقراطية، وتستمر في السياسة نفسها في منطقتنا، تارة من خلال تحريض العشائر والمكونات على قوات سوريا الديمقراطية، وتارة أخرى من خلال تحريض أهالي القرى العربية الموالية للنظام السوري ضد القوات الأمريكية، وتغض النظر على الانتهاكات التركية بشأن وقف إطلاق النار وحرق مواسم القمح، لتشكل من خلال هذا التغاضي عن الممارسات التركية ضغطاً على الإدارة الذاتية".

وفي سؤال حول سبب الغضب من القوات الروسية علماً أن أمريكا أيضاً أعطت الضوء الأخضر لتركيا بالسيطرة على مدينتي رأس العين وتل أبيض من خلال عملية نبع السلام، تقول روكن أحمد من مدينة الحسكة: "خائن واحد أحسن من خائنين. لم نر طوال فترة الوجود الأمريكي في المنطقة أي نوع من الانتهاكات التركية وهجماتها علينا، وهذا يجعلنا نخاف من روسيا كثيراً".

وتضيف: "عندما تظاهرت نساء في عين العرب أمام مقرات روسية للشكوى على الهجمات التركية رفض المسؤولون استقبالهن، أما في مناطق التواجد الأمريكي، حين حصلت تظاهرات جرى استقبالهن".

وحول السؤال نفسه، يرد الناشط السياسي محمد مسلم قائلاً: "صحيح أن أمريكا باعتنا في رأس العين وتل أبيض، لكن روسيا استفادت من الخيانة الأمريكية وقامت بتحريض تركيا على الولايات المتحدة للحصول على الضوء الأخضر منها قبل العملية، لكي تدخل إلى المنطقة التي كانت حلماً لها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard