"كبار السن يتحكّمون"… لماذا تغيب أزمات المراهقين عن السينما والدراما؟

الثلاثاء 4 أغسطس 202005:08 م
لم نكن نعرف مصطلح أو تصنيف "دراما وسينما المراهقين"، حتى وقت قريب قد يكون في التسعينيات، عندما لفتت تلك الأعمال انتباه المشاهدين، ليس داخل الولايات المتحدة وأوروبا فقط، وإنما في العالم العربي أيضاً، والتي يأتي على رأسها مسلسل "that 70s show"، الذي عرض في نهاية التسعينيات واستمر حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، مقدماً 8 مواسم متتالية، رغم أن إنتاج تلك الفئة من الأعمال بدأ منذ الستينيات، عندما انتبهت شركات الإنتاج الأمريكية لهذه الشريحة العريضة من المشاهدين، فبدأت بتقديم أعمال سينمائية ودرامية يحمل دور البطولة فيها شباب وفتيات بعمر المراهقة، ليقدموا للعالم والمجتمع الأمريكي مشاكلهم النفسية والاجتماعية ورؤاهم وأحلامهم.

ورغم ما حققته تلك النوعية من نجاح كبير، حتى إن بعضها أصبح يتصدر النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضها يثير الجدل، إما بسبب جرأته أو الأطروحة التي يقدمها، كالتنمّر أو التعصب وغيرهما، إلا أن هذا النوع من الأعمال الدرامية والسينمائية غاب غياباً شبه تام عن الشاشة العربية بشكل عام، والشاشة المصرية خاصة، ولازال صناع السينما والدراما يكتفون بالشباب والمراهقين في أدوار مساندة، وليست رئيسية.

"عرفتُ معنى التنمّر"

تقول هبة عزت (21 عاماً)، طالبة جامعية من القاهرة: "لم أكن أعرف مصطلح تنمّر، وماذا يعنيه وما الذي قد نفعله أو نتعرض له في حياتنا اليومية ويطلق عليه تنمّر، سوى عند مشاهدتي مسلسل reason why13، ورغم أنه سوداوي وبثّ بداخلي شعوراً سيئاً جداً، إلا أنه فتح عيني على ظاهرة قد تؤدي للكثير من المشكلات النفسية، أبسطها عدم الثقة في النفس، الميل للعدوانية أو كره الذات وغيرها".

"اشتركت في المجموعات الفيسبوكية المهتمة بالسينما والدراما، لأسأل عنها، ولكن حصيلة البحث كانت صفراً، فلم أجد عملاً واحداً يهتم بالفئة العمرية التي أعيشها أنا وملايين المراهقين والشباب، وكأننا لسنا جزءاً من المجتمع"

لا تعتبر عزت نفسها متابعة جيدة للدراما، سواء المصرية، العربية أو الأجنبية، ولم تبدأ متابعتها سوى بعد بدء فترة الحجر المنزلي، وتعليق الدراسة في الجامعات بسبب أزمة كورونا.

أثناء فترة الحجر المنزلي، المفروض بسبب تفشي جائحة كورونا، بدأت عزت تبحث عن ضالتها، تقول: "ظللت أبحث عن أعمال مشابهة عربية، واشتركت في المجموعات الفيسبوكية المهتمة بالسينما والدراما، لأسأل عنها، ولكن حصيلة البحث كانت صفراً، فلم أجد عملاً واحداً يهتم بالفئة العمرية التي أعيشها أنا وملايين المراهقين والشباب، وكأننا لسنا جزءاً من المجتمع".

ويُرجع المنتج السينمائي المصري، صفي الدين محمود، ندرة الأعمال السينمائية والدرامية التي تستهدف فئة المراهقين لعدة أسباب، أهمها: "أن معظم، إن لم يكن كل، شركات الإنتاج تدار من قبل كبار السن، وفرصة الشباب في اتخاذ القرارات فيها تكاد تكون معدومة".

"يدير معظم شركات الإنتاج كبار السن".

وأوضح محمود في حديثه لـرصيف22: "أن رغبة الجمهور ليست حجة قوية لعدم وجود تلك الأعمال، خاصة وأنه بنظرة سريعة سنرى أن أغلبية مرتادي السينما بالتحديد هم فئة الشباب والمراهقين، لذلك فأتوقع أنه لو تم تقديم أعمال تناقش قضاياهم وحياتهم ومشاكلهم، سيكون هناك إقبال قوي، خاصة لو تم هذا في إطار صناعة متقنة تنافس ما يشاهده الشباب من أعمال أمريكية أو أوروبية".

ويرى محمود أن المجتمع المصري "سيُبدي تحفظاً في طريقة عرض قضايا الشباب"، وأرجع ذلك إلى أن تلك الفئة هي "الأكثر جرأة، والمجتمع لديه الرغبة فقط في الأعمال التربوية، كما يحاول بالفعل بعض الفنانين أن يقدموا".

بالبحث على شبكة نتفليكس، المنصة الأشهر عالمياً، سنجد مئات بل ويمكن الآلاف من الأعمال التي أنتجتها الشبكة أو اشترت حقوق بثها، تخاطب المراهقين، منها مسلسل الجريمة riverdale، وكذلك مسلسل المراهقات ذو البطولة النسائية Pretty Little Liars، وبالطبع المسلسل الذي حاز على شهرة واسعة، وتصدر المناقشات حول قضية التنمر 13 Reasons Why، وكذلك the society، ومسلسل الخيال العلمي 100 The، والمسلسل الإسباني الذي أثار الجدل Elite، وغيرها العشرات من المسلسلات والأفلام التي إما تستهدف مناقشة مشاكل تلك الفئة العمرية، أو تقوم ببطولتها مواهب شابة صغيرة السن.

"الدراما المصرية لا تعبر عني"

محمد حامد (23 عاماً)، طالب جامعي من الجيزة، توقف عن متابعة الدراما العربية منذ أكثر من ثماني سنوات، وذلك بسبب زيادة سرعة الإنترنت في مصر، وأصبح متاحاً له أن يشاهد أفلاماً ومسلسلات بسهولة، رغم أنه يصنّف نفسه "مشاهداً نهماً".

يقول حامد لرصيف22: "لم أعد أنجذب للأعمال المصرية، بسبب شعوري أنها لا تعبر عني أو عن مشاكلي أو حتى مشاكل طبقتي الاجتماعية، إلا أنه مؤخراً جذبني مسلسل 'سابع جار' لعدة أسباب، كان أهمها أن المسلسل جمع مجموعة من الفنانين صغار السن، فيما عدا هذا العمل لم أتابع شيئاً، وكل اهتمامي منصب على الدراما الأمريكية والأوروبية، فهي تقدم ما يرضيني كمشاهد شاب، من أعمال تناقش ما أمر به من مشاعر وتقلبات مزاجية ومشكلات نفسية، كذلك بعض القيم الحداثية، مثل تقبل الآخر أياً كان لونه أو عرقه أو ميوله الجنسية".

"المجتمع يتعامل مع مشاكل الشباب باعتبارها مرحلة وحتعدي".

ويشير المعالج الأسري، الدكتور روبرت بطرس، إلى وجود "جانب مجتمعي" في عدم وجود أعمال سينمائية ودرامية تهتم بفئة المراهقين، ويضيف لرصيف22: "المجتمع نفسه لا يهتم بتلك الفئة العمرية، ويتعامل مع مشاكلها أنها مجرد مرحلة وستمر، وليس هناك وعي بأن 90% من المشكلات النفسية تظهر في وقت المراهقة، وتتفاقم وتستمر بعدها لو لم يتم علاجها، كذلك حالة التنميط والتكرار التي أصابت المزاج العام في مصر، فانعكس ذلك على السينما والدراما التي أصبحت أغلبها تدور حول الجريمة، الكوميدية والأمور التقليدية".

ويتابع بطرس: "مؤخراً، وفي السنوات الأخيرة فقط، ظهرت عدة أعمال اجتماعية ولكن لا تزال غائبة تماماً الأعمال التي تهتم بالأطفال أو المراهقين، رغم أنني أتذكر في أوائل الألفينات، تحديداً في 2003، تم بث مسلسل That's So Raven، وحاز وقتها على انتباه شريحة كبيرة، وكان علامة مع الشباب الذين تابعوه، لذلك فإن المجتمع المصري يحتاج وبشدة لهذه النوعية من الأعمال".

ويشير بطرس إلى أن الشباب في سن المراهقة لا يميلون للقراءة أو البحث، لذلك فإن هناك احتياجاً قوياً للتثقيف غير الموجه وغير المباشر، ومخاطبته بأعمال تعطيه انطباعاً أن المجتمع والأسرة يتقبلونه أيا كان شكل حياته أو اختياراته أو بحثه في الدين، سواء بالشكل المتمرد أو المتدين، كل هذا قد يساهم في إنقاذ عدد كبير من اعتناق أفكار متطرفة.

وبالحديث عن عدد من الأفلام والأعمال الدرامية المصرية التي ظهرت بكثافة في التسعينيات، واستهدفت المراهقين والمراهقات، من بينها "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، "عن العشق والهوى"، وغيرها، يرى بطرس "أنها لم تكن تعبر عن مشكلات الشباب النفسية والاجتماعية بقدر ما كانت فقط محاولة لجذب جمهور الشباب العريض، فهي لم تترك أثراً اجتماعياً يذكر أو أي استفادة أو مساهمة في حل بعض المشاكل التي تقابلهم".

"كل اهتمامي منصب على الدراما الأمريكية والأوروبية، فهي تقدم ما يرضيني كمشاهد شاب، من أعمال تناقش ما أمر به من مشاعر وتقلبات مزاجية ومشكلات نفسية، كذلك بعض القيم الحداثية، مثل تقبل الآخر أياً كان لونه أو عرقه أو ميوله الجنسية"

ساعدت الدراما الأمريكية كريم متولي (22 عاماً)، من سوهاج، في التعامل مع حالة التنمر التي كان يتعرض لها بشكل يومي في المدرسة، بسبب سمنته المفرطة، وكثيراً ما تشاجر مع زملائه، وانتهى به الأمر في مكتب مدير المدرسة.

يقول متولي لرصيف22: "لم يهتم أحد بما كنت أتعرض له أو ما كان زملائي يفعلونه، فكلما كنت أشكو لوالدي كان يقول لي إن تلك طبيعة المرحلة، وعلي ألا أكون ضعيف الشخصية، وألا أبكي أو أتذمر، بل كان دوماً ما يرى أن الحل هو أن أضرب زملائي، الأمر الذي أوقعني في مشكلات عدة".

"ورغم إنني فور أن انتهيت من الدراسة في مرحلة الثانوية العامة، قضيت الإجازة الصيفية أمارس الرياضة وأتبع حمية قاسية، جعلت وزني طبيعياً ومناسباً لسني، إلا إنني لازلت أعاني من فقدان الثقة بالنفس والخوف المرضي من العودة للسمنة، وهو ما يؤثر على نفسيتي وشهيتي".

من هنا بدأ متولي يهتم بمشاهدة الأعمال الدرامية الأمريكية، مثل مسلسل elite الإسباني، ومسلسل reason why 13، الذي بدأ بانتحار البطلة بسبب تعرضها للتنمر، يقول متولي: "عندما شاهدت بعض الأعمال الدرامية التي تناولت التنمر في مرحلة المراهقة، أحسست أن هناك من يشاركني هذا الإحساس، وأن هناك من يهتم بحلها، على عكس المتعارف عليه في مجتمعاتنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard