ماذا يعني تخلي "المجلس الانتقالي الجنوبي" عن الإدارة الذاتية في اليمن؟

الأربعاء 29 يوليو 202009:34 م

بعد تقديم السعودية لآلية لتسريع العمل في تنفيذ اتفاق الرياض، أعلن "المجلس الانتقالي الجنوبي" التخلي عن الإدارة الذاتية التي أعلنها في الجنوب في نيسان/ أبريل، متعهداً بتنفيذ اتفاق تقاسم السلطة الذي رعته السعودية مع الحكومة، وذلك بعد التوصل لاتفاق بوساطة سعودية مع الرئيس عبد ربه منصور هادي لتشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون 30 يوماً.

وكان محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي أعلن، في أيار/مايو 2017، تأسيس ما يُعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يهدف إلى إعلان دولة مستقلة في الجنوب تحت مسمى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية". ويقيم عيدروس في دولة الإمارات التي يتهمها مسؤولون في الحكومة اليمنية بالعمل على تقسيم البلاد من خلال دعم "الانتقالي"، مالياً وعسكرياً.

وسيطر الانفصاليون بعد اشتباكات عنيفة مع الحكومة الشرعية على عدة مدن في جنوب البلاد منها عدن التي اتخذها الرئيس عبد ربه منصور هادي عاصمة مؤقتة لليمن، ولا تزال قواتهم تشتبك بين الحين والآخر مع قوات الجيش اليمني.

وبرّر المجلس الانتقالي محاولته فصل الجنوب، في بيان صدر في 25 نيسان/أبريل، بأن هادي لم يبادر إلى تقاسم السلطة حسب بنود اتفاق الرياض الذي وقّعه الجانبان في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

تقدّر عدة تقارير أن لدى المجلس الانتقالي قوة عسكرية يبلغ عدد أفرادها 90 ألفاً، تحت مسمى "الحزام الأمني" الذي كانت قد أنشأته الإمارات.

ما بنود الاتفاق الجديد؟

وصفت السلطات السعودية الاتفاق الجديد بأنه عبارة عن آليات لتنفيذ اتفاق الرياض الذي تم توقيعه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ونصّ على وقف إطلاق النار بين الطرفين.

وتضمن الاتفاق الجديد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي التخلي عن الإدارة الذاتية وتعيين محافظ ومدير لأمن محافظة عدن، وتكليف رئيس الوزراء اليمني الحالي ليتولى تشكيل حكومة كفاءات سياسية خلال 30 يوماً.

واتفق المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية على خروج القوات العسكرية من العاصمة المؤقتة، وفصل قوات الطرفين في محافظة أبين وإعادتها إلى مواقعها السابقة، وإصدار قرار بتشكيل أعضاء الحكومة مناصفة بين الشمال والجنوب بمن فيهم الوزراء من المجلس الانتقالي الجنوبي والاستمرار في استكمال تنفيذ اتفاق الرياض في كافة نقاطه ومساراته.

"رسالة سياسية عميقة"

في محاولة لفهم تداعيات الاتفاق الجديد، قال المحلل السياسي اليمني محمود الطاهر إن المجلس الانتقالي الجنوبي حقق هدفه بالضغط على الحكومة وانتزاع حقه في الاعتراف به كممثل للجنوب في الحكومة المقبلة، وتراجعه يعني تحريك المياه الراكدة في توحيد صف اليمنيين لمواجهة الخطر الأكبر، وهو المشروع الإيراني.

وفي حديثه لرصيف 22، اعتبر الطاهر أن التخلي عن الإدارة الذاتية منح فرصة كبيرة لتنفيذ اتفاق الرياض واستعادة الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، وهو بذلك ضمن عدم الإقصاء الذي مارسه "الإخوان المسلمون" (حزب الإصلاح) طيلة سنوات الحرب.

وقال الطاهر: "في كل الأحوال، تنفيذ اتفاق الرياض له رسالة سياسية عميقة من المملكة العربية السعودية، وهي أنها عازمة على استكمال كل أهداف التحالف العربي الذي أنشئ من أجله، منها استعادة الشرعية وفقاً للقرارات الإممية، وهو رسالة للحوثيين أن يختاروا السلام أو الحرب".

"هذا الاتفاق مبني على أسس مناطقية وجهوية ويشرعن للمليشيات"، "أحسنتم صنعاً بما خرجتم به، ولكن قولوا لنا ماذا عن المخفيين قسراً في سجون الانتقالي الإماراتي؟"... بعضٌ من ردود الفعل على إعلان "الانتقالي" تخليه عن الإدارة الذاتية لتنفيذ اتفاق تقاسم السلطة الذي رعته السعودية

وبينما أشار الطاهر إلى أن الحكومة اليمنية أمامها فرصة بأن تلتزم بالاتفاق أو تنتهي، لفت إلى أن "هناك علامات استفهام حول الشخصيات التي سيتم ترشيحها للحقائب الوزارية الست التي هي من نصيب الشمال، وعلى مدراء مكاتبهم ومدير مكتب الرئيس ذاته، لأن المشكلة تكمن هنا، فإذا استمر هؤلاء في مواقعهم وتمت إضافة شخصيات محسوبة على حزب الإصلاح الإخواني، فإن الشراكة الجنوبية ستكون مع الإخوان المسلمين وليست الشمال".

من جانبه، غرّد الإعلامي الجنوبي محمد بن قرنح الكندي قائلاً إن المجلس الانتقالي الجنوبي باتت لديه شرعية، كما أصبح للجنوبيين اليد الطولى في إدارة شؤونهم الداخلية، وبالتالي إدارة ذاتية ولكنها باسم مختلف وصلاحيات أعم وأكبر.

شكوك في نجاح الاتفاق

على الرغم من ترحيب عدد من المحسوبين على الحكومة الشرعية بالاتفاق الجديد، شكّك كثيرون في أن الأخير لن يُفعّل، خصوصاً أن اتفاق الرياض الذي تم توقيعه العام الماضي نصّ على تشكيل حكومة موحدة خلال 30 يوماً، ودمج جميع القوات تحت سيطرة الحكومة المُعترف بها دولياً، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وقال المحلل السياسي والصحافي اليمني سمير النمري في تغريدة له إن "إعداد آلية لتسريع اتفاق الرياض استغرقت قرابة عام، سُفكت خلاله دماء آلاف اليمنيين، ودمرت مدنهم وقراهم، وأعتقد كما يعتقد ملايين اليمنيين أنه سيبقى حبراً على ورق ولن يجد طريقه للتنفيذ، فالسعودية والإمارات ليس من مصلحتهما استقرار اليمن وإنما تمزيقه وإبقاؤه تحت وصايتهما".

وتابع النمري قائلاً: "هذا الاتفاق مبني على أسس مناطقية وجهوية ويشرعن للمليشيات ويشجعها ويعزز من الانقسام في اليمن، وسيقضي على ما تبقى من شرعية معترف بها دولياً".

وعلّق الصحافي اليمني سيف الحاضري في تغريدة له على الاتفاق بالقول: "أحسنتم صنعاً بما خرجتم به ونتمنى أن يطبق على أرض الواقع، ولكن قولوا لنا طمنونا ماذا عن المخفيين قسرياً في سجون الانتقالي الإماراتي؟".

وتابع الحاضري : "ماذا عن المختطفين في معتقلات هاني بن بريك (نائب رئيس المجلس الانتقالي)؟ أين رسالة التطمين لأمهات المخفيين والمختطفين وزوجاتهم وأبنائهم؟ وماذا عّن أبناء الشمال المهجرين والمنهوبة أموالهم؟".

واعتبرت الناشطة اليمنية توكل كرمان في تغريدة أن "كل شيء كان متوقعاً، تم تكليف سكرتير السفير السعودي معين عبدالملك (رئيس الوزراء الحالي) بتشكيل الحكومة رغم أنف هادي ومساعديه!"، مضيفة "لا بند واحد سينفذ من الشق الأمني والعسكري لاتفاق الرياض2، سيعني ذلك أن الاتفاق أضفى مزيداً من الشرعية السياسية على المجلس الانتقالي ومشروعه، ومزيداً من إضعاف الضعيف هادي وشرعيته!".

وقالت كرمان: "بقاء بنود الشق العسكري والأمني دون تنفيذ يعني أيضاً مزيداً من الاقتتال والصراع، قلنا دائماً إن المشكلة في الرياض لا الحل، الرياض صانعة ومهندسة كل هذا الخراب الكبير في اليمن، والبقية مجرد دمى وأدوات!".

مستقبل مشروع الإمارات

أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي أنه وافق على الاتفاق الجديد، استجابة لتدخل السعودية والإمارات التي تتهمها الحكومة اليمنية بالعمل على فصل الجنوب، ومع ذلك يقول محللون إن هذا المخطط انتهى وفقاً للاتفاق الجديد.

قال الكاتب السعودي سلطان الطيار المعروف بدعمه للحكومة اليمنية في تغريدة له إن الاتفاق دفن مشروع الانفصال ولم يعد لترويجه أي قيمة سياسية، ولن تلتفت له أي جهة دولية بعد قبول عناصره العمل تحت دستور اليمن الموحد.

لكن الصحافي اليمني سيف الحاضري رأى في تغريدة أن الاتفاق الجديد جعل من الإمارات شريكاً في الحكم من خلال المجلس الانتقالي الذي تدعمه.

وقال الحاضري: "لأول مرة في التاريخ يتم تشكيل حكومة شراكة بين دولتين، وهي اليمن وتمثلها الشرعية والإمارات ويمثلها الانتقالي ولها علمين ورئيسين وجيشين".

"لا بند واحد سينفذ من الشق الأمني والعسكري لاتفاق الرياض2، سيعني ذلك أن الاتفاق أضفى مزيداً من الشرعية السياسية على المجلس الانتقالي ومشروعه، ومزيداً من إضعاف الضعيف هادي وشرعيته"

وتابع الصحافي اليمني: "حقيقة تجربة تستحق الدراسة وربما تتطور لتصبح حكومة شراكة بين ثلاث دول بإدخال إيران مستقبلاً، لتصبح حكومة ثلاثية الرؤساء والجيوش والأعلام".

يٌذكر أن من أسباب دعم الإمارات للانتقالي التي حُكي عنها، السعي لمنع حزب الإصلاح من السيطرة على الجنوب، ورغبة الإمارات في السيطرة على الموانئ اليمنية، خاصة ميناء عدن الذي حُرّر من الحوثيين عام 2015، ولم يُشغّل إلى اليوم، لأن أبو ظبي تعرف أن هذا الميناء إذا عاد إلى العمل فسيؤثر سلباً على موانئ دبي. والسبب الثالث هو أطماع إماراتية في موارد اليمن من الطاقة، وهي موارد غير مستغلة، خصوصاً في محافظة شبوة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard