الشخصيات المفاهيمية... لماذا توقف الأدب عن إنتاجها؟

الخميس 13 فبراير 202007:26 م

تمثل الشخصية الروائية مكوّناً رئيسياً في البناء الروائي، إذ لا يمكن أن يخلو عمل روائي منه، مهما تباينت الأنواع واختلفت التيارات التي تنتمي إليها الرواية. فـ"كل قصة هي قصة شخصيات"، كما يقول الناقد ايف رويتر. وقد تفنّن الكتاب عبر تاريخ الأدب في رسم شخصياتهم، بين الواقعية والنفسية، الشريرة والخيرة، المركّبة والأحادية والشخصيات الرمزية والمرجعية والخيالية.

من جهة أخرى، ردّد النقاد طويلاً فكرة ضرورة الفصل بين الشخص والشخصية، على أساس أن الشخص له وجود فعلي خارج النص، بينما الشخصية هي كائن ورقي مجاله النص، لا يعبره وليس له وجود خارجه. وقد نجحت بعض الشخصيات في ترك أثر كبير في حيواتنا، إلا أن بعض الشخصيات الروائية تجاوزت واقعها الورقي وتأثيرها الآني المرتبط بالقراءة، لتعيش بيننا عبر السنين خارج الروايات التي ظهرت فيها، فأصبحنا نعيشها ونشير إليها ونتشبه بها دون أن يكون بعضنا، الذي يشير إليها، قد قرأ تلك الروايات أصلاً.

الشخصيات المفاهيمية

أثناء بحثهما في أصل المفاهيم، اجترح كل من جيل دولوز وفيليكس غوتاري، في كتابهما "ما الفلسفة؟" عبارة "الشخصيات المفاهيمية"، فـ"المفاهيم"، كما يقولان، "بحاجة إلى الشخصيات المفاهيمية التي تساهم في تحديدها". وقد أشارا إلى شخصية الصديق وغيرها من الشخصيات المعنوية، وينسحب ذلك على الشخصيات الروائية والقصصية والأسطورية، يقول دولوز وغوتاري: "إن العلوم والفنون والفلسفات في الحقيقة مبدعة بدورها، رغم أن إبداع المفاهيم بالمعنى الدقيق يرجع إلى الفلسفة وحدها. لا تكون المفاهيم مكتملة، مثل أجسام سماوية، ولا توجد سماء للمفاهيم. ينبغي ابتكارها وصناعتها، أو بالأحرى إبداعها، وأنها لن تكون شيئاً بدون توقيع أولئك الذين أبدعوها"، ومن ثم فإن الآداب والفنون تساهم في وضع المفاهيم جنباً إلى جنب مع الفلسفة أو تمهد لها، لوضع المفاهيم واجتراحها عبر الشخصيات النموذجية التي تنتجها وتكرسها.

دون كيشوت: الحلم والجنون والبحث عن المعنى المفقود

إن هذه الشخصية التي ابتكرها ميغيل دي سرفنتس، في روايته "دون كيخوته" تمثل واحدة من أهم الشخصيات المفاهيمية التي أنتجها الأدب الغربي، ويقع استدعاؤها في الواقع للإشارة إلى وضعيات مختلفة، منها الجنون والحمق والعناد، فالشخصية تشير إلى شخصية مخبول يواجه طواحين الريح ولا يأبه بالمخاطر، وهو في نفس الوقت، الحالم الذي يحلم بتغيير العالم واستعادة صورة البطل المفقود والقيم الضائعة، ويعرّض نفسه لكل أشكال الخطر من أجل ذلك الحلم وتلك المبادئ التي خرج من أجلها.

الجنون والحمق والعناد، في شخصية شخصية مخبول يواجه طواحين الريح... دون كيخوته لـميغيل دي سرفنتس تمثل واحدة من أهم الشخصيات المفاهيمية التي أنتجها الأدب الغربي التي أثرت  في العديد من الفنانين والكتّاب

وقد ألهمت هذه الشخصية العديد من الفنانين والكتّاب، فزيادة على نقلها إلى المسرح والسينما مرات، استلهم منها سلفادور دالي أعمالاً كثيرة في مشروعه الفني، واستلهم منها الروائي سلمان رشدي روايته الأخيرة "كيشوت"، كما استلهم منها ميخائيل بولغاكوف مسرحيته "دون كيشوت"، وعربياً نستحضر رواية واسيني الأعرج "حارسة الظلال أو دون كيشوت في الجزائر"، وممدوح عدوان في قصيدته "رحلة دون كيشوت الأخيرة" التي يقول فيها:

"انهض يا سانشو

أنبض قوسك وارم السهمَ، ولا تلحقه بعينيك، فحيث يصيب السهم هناك الأعداء

لم يبق سوى الأعداء

أشهر سيفك واضرب كيف تشاء

حيث تجيء الضربة فهناك الأعداء،

لا تُصْغِ لمن يهرفُ أن أمامك أوهاماً وطواحينْ

ليس أمامك غير طغاة كذابين،

لهم مكرُ شياطينْ".

علاوة على الفنون والآداب، فقد غادرت هذه الشخصية حقها الثقافي الأدبي لتستوطن الخطاب السياسي، الرياضي والاجتماعي، وحتى الشعبي اليومي، خاصة بعد اكتساح الشخصية للفضاء العام من خلال فن النحت في العديد من المدن العالمية، دخولها البيوت ووصولها إلى كل الطبقات الاجتماعية عبر مسلسلات الصور المتحركة، فتناقلها الأطفال وأصبحت جزءاً من المخيال الجمعي العالمي.

دون خوان وكازانوفا: سحر الغواية

شخصية دون خوان من الشخصيات الاستثنائية التي أنتجها الأدب الإسباني أيضاً، والتي تحوّلت إلى شخصية أسطورية دالة على عالم الغواية، وقد ظهرت جلية في رواية ماجن إشبيليا لتيرسو دي مولينا، استلهمها الكثير من المخرجين في السينما والمسرح، وحتى الروائيين، لعل أهمهم جورج باتاي في روايته القصيرة "مغامرات الشاب دون خوان". وظلت استلهاماتها الى اليوم، من جان روسيه في "أسطورة دون خوان"، وكارلوس كاستندا في "تعليمات دون خوان"، وموليير في مسرحيته "دون خوان"، إلى الروائي بيتر هاندكه في "دون خوان يحكي عن نفسه"، وارتبط استدعاء الشخصية في الخطاب الشعبي إلى اليوم بالحديث عن المغامرات العاطفية وعالم الجنس، ولا ينافسها على هذه الوظيفة إلا الشخصية الأخرى التي لا تقل عنه شهرة، وهي شخصية كازانوفا، وهي على عكس باقي الشخصيات المفاهيمية السابقة، شخصية حقيقية وشخصية كاتب ومغامر إيطالي يدعى جاكومو كازانوفا، والذي جعلته مذكراته الماجنة أعظم شخصية إيروسية في التاريخ، يشار إليه بقوة في أي حديث عن فن الغواية. وقد استلهم شخصيته الشاعر غيوم أبولينير، في كتابة مسرحيته "كازانوفا"، واستحضره ساندرو ماراي في روايته "كازانوفا في بولزانو"، أما عربياً فالتفت إليه الروائي واسيني الأعرج في روايته "نساء كازانوفا".

فرانكشتاين لماري شيلي، أنا كارنينا لتوليستوي، شارلوك هولمز، شخصيات مفاهيمية أبدعها الأدب الغربي وصارت لها محمولات زمزية. ماذا عن الأدب العربي؟

سي السيد: الذكر العائلي المستبد

لم تنجح الرواية العربية في إنتاج شخصية مفاهيمية قوية، ويرجع ذلك إلى مكانة الأدب عند العرب اليوم، فقد سبق للثقافة العربية الإسلامية أن أنتجت شخصيات بطولية معظمها دينيّ تأسطر، كشخصية علي بن أبي طالب. لكنها في المقابل فشلت في خلق شخصيات أدبية تخييلية إلا عبر القصّ الشفوي، أو تحويلات ألف ليلة وليلة، مثل علي بابا أو شهرزاد أو السندباد، ولا ننسى بطل المغامرات الساخرة جحا. ولكن مع ذلك ارتقت بعض شخصيات نجيب محفوظ قريباً من الشخصية المفاهيمية، مثل شخصية "سي سيد" بطل ثلاثية محفوظ "بين القصرين، السكرية وقصر الشوق"، وهو السيد أحمد عبد الجواد، الزوج المتسلط، مقارنة بشخصية المرأة الخانعة "أمينة". والحق أن من حول هذه الشخصية الأدبية إلى شخصية مفاهيمية هي الدراما والسينما اللتان قامتا بتجسيدها، وهذا ما يؤكد أن الشخصية المفاهيمية تنشأ في التكرار وتتكرس بالحضور، عبر القراءة والفنون الأخرى ومغازلتها للمخيال العام. وكذلك حدث في تونس مع شخصية "برق الليل"، الشخصية الزنجية للروائي البشير خريف، في روايته "برق الليل" التي ابتدعها سنة 1960، وكرست هذه الشخصية عندما وقع تحويلها إلى مسلسل إذاعي تابعه جلّ التونسيين عبر أجيال مختلفة، وكان يمكن لشخصيات مثل مصطفى سعيد للطيب صالح، أو سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي، أن تكون شخصيات مفاهيمية.

ابتدع الأدب الغربي شخصيات مفاهيمية كثيرة، كشخصية فرانكشتاين لماري شيلي، زوربا لكازانتزاكيس، راسكولنيكوف والأخوة كرامازوف لديستويفسكي، بارتلبي لهرمان ملفل، الأخ الكبير لجورج أورويل، أنا كارنينا لتوليستوي، مدام بوفاري لفلوبير، وشخصية المحقق في الروايات البوليسية، من شارلوك هولمز إلى هيركيول بوارو إلى كونان، وكل شخصية من هذه الشخصيات صارت لها محمولات رمزية، تتنوع بين الماجن والمتحرر والمتلصص إلى البوهيمي.

كما حول المخيال الشعبي والعلمي معاً بعض الكتاب إلى شخصيات مفاهيمية، كشخصية كافكا مثلاً، والتي تولدت منها الكافكاوية وأصبحت مفهوماً، والبنترسكيّة التي تولّدت من أدب المسرحي هارولد بينتر. وكذلك الأمر مع الماركيز دي ساد، والذي تولد من عوالمه مفهوم السادية في علم النفس، وليوبولد ريتر فون زاخر مازوخ الذي جاءت منه المازوخية. كما حول المخيال العربي محمد شكري، إلى شخصية مفاهيمية تشير إلى التمرد والفضائحية الأدبية والسيرذاتية، على نهج ما حدث في أمريكا مع تشارلز بوكوفسكي.

ولئن فشل الأدب العربي في خلق شخصيات مفاهيمية فإن المخيال الشعبي والحيّ الشعبي نجحا في ذلك، فحوّل شخصيات حية وُجدت تاريخياً إلى شخصيات مفاهيمية، كما هو الأمر مع شخصية "علي شورّب" شخصية الفتوة الذي ظهر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بتونس، رمزاً لما سمّي بالصعلكة الشريفة، وبعد عقود من استحواذه على المخيال الشعبي يتحول إلى شخصية درامية ويلتفت إليه روائياً عند أكثر من روائي.

أين الشخصية المفاهيمية اليوم؟

ولئن تراجع الأدب الغربي هو الآخر عن إنتاج هذه الشخصيات المفاهيمية، فيرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها أن السينما صارت أقدر على إنتاجها بسرعة، وليس من مثال أفضل من شخصية الجوكر الذي أًصبح رمزاً للقتل والشر، في مواجهة زورو وباتمان، الشخصيات الخيرة التي تأتي لإنقاذ العالم.

ولكن من أسباب اختفاء الشخصيات المفاهيمية، التحولات التي عرفتها الرواية في العالم عندما تخلت عن البطولة، وأصبحنا أمام البطل المضاد Anti-hero، ذلك البطل الذي بلا ملامح وبلا مميزات. كما ساهم ظهور تيار اللارواية والرواية الجديدة في تشظي الحكاية وتراجع مركزيتها، ونجم عن ذلك تراجع حضور الشخصيات، وحتى بعد عودتها إلى الحكاية أصبحنا أمام ما يسمى بالبطل المضاد والسلبي، الذي لا يرتقي إلى مستوى الشخصية المفاهيمية.

لكن ألا يحتاج هذا الواقع المتشظي الديستوبيّ العولمي إلى ظهور شخصية مفاهيمية جديدة تتحمّل ما تحمله دون كيشوت يوماً، وتحلم بتغيير العالم لاستعادة قيمه الضائعة؟

هل أصبحت المراهنة على هذه الشخصية الحالمة حماقة مبالغاً فيها، لا يتجرأ على ارتكابها كتاب العالم اليوم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard