"لا نريد عدالة انتقامية"... غضب بعد الحكم بالسجن عاماً على إعلامي تونسي معروف

الجمعة 24 يوليو 202004:10 م

انتقد عدد كبير من الناشطين والسياسيين في تونس حكماً بالسجن عاماً مع "النفاذ العاجل" على الإعلامي والكاتب توفيق بن بريك على خلفية تصريحات لاذعة له اعتُبرت "تشهيراً بالقضاة"، وذلك عقب أنباء عن توقيفه في سجن المرناقية.

في 23 تموز/ يوليو، قضت المحكمة الابتدائية في ولاية بن عروس الشمالية بالسجن عاماً على بن بريك مع "النفاذ العاجل". ونقلت وسائل إعلام محلية عن عمر الحنيّن، مساعد وكيل الجمهورية والناطق الرسمي باسم محكمة بن عروس، قوله في تصريح إذاعي، إنه تم "إيداع الإعلامي في قناة نسمة توفيق بن بريك السجن، تنفيذاً لحكم قضائي بسجنه سنة مع النفاذ العاجل". 

تعود القصة إلى العام الماضي، حين اعتقلت السلطات التونسية، في 23 آب/أغسطس، أحد أبرز المرشحين للرئاسة: رجل الأعمال والاتصال نبيل القروي، قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات الرئاسية في تونس، على خلفية قضايا فساد مالي وغسل أموال.

حينذاك خرج بن بريك في برنامجه عبر قناة "نسمة" المملوكة للقروي الذي يعد أيضاً أحد أبرز أصدقائه، مطالباً بالإفراج عنه، مضيفاً بلهجته اللاذعة المعتادة نفسها أنه "في بلدان أخرى يرفع الناس ‘السلاح‘ للدفاع عن رجالهم ".

"كان صوتاً حراً حين خرس الكثيرون"... غضب في تونس عقب حكم بالسجن عاماً مع "النفاذ العاجل" للإعلامي توفيق بن بريك، "أحد أشرس معارضي بن علي"، بتهمة "التشهير بقضاة". تونسيون متخوفون من ضياع "المكسب الوحيد" لثورتهم: حرية الرأي

وعُدّ حديث بن بريك "تحريضاً" على حمل السلاح و"تعدياً على أحكام القضاء"، وطالب معلقون ومتابعون بمحاكمته بتهمة "القذف ونسبة أمور غير صحيحة إلى موظف عمومي".

وصرح محامي الإعلامي التونسي، نبيل العكريمي، بأن بن بريك حُكم عليه بالسجن سنتين مع النفاذ العاجل غيابياً ومن دون إعلامه، لكن الحكم استؤنف بسبب "الخطأ الإجرائي الواضح".

"عار على تونس"

وفيما اتفق بعض المعلقين على أن بن بريك أخطأ في تصريحاته، وربما يستحق التغريم أو الإيقاف عن الظهور الإعلامي مدة من الزمن، استنكر كثيرون محاسبته نتيجة "تعبيره عن رأيه".

ورأى نقيب الصحافيين التونسيين، ناجي البغوري، في "سجن صحافي وكاتب في قيمة توفيق بن بريك على خلفية انتقاد للقضاء ‘فضيحة‘، وضربة قاصمة للفكر ولحرية التعبير ولعدالة للقضاء"، مذكّراً بأن بن بريك "كان صوتاً حراً حين خرس الكثيرون".

وعبر فيسبوك، لفت النائب في البرلمان التونسي، المبروك كرشيد، إلى أن بن بريك الذي أودع سجن المرناقية "كان يمتع التونسيون بجرأته الزائدة بعض الأحيان، وبثقافته العالية ونقده المرير للواقع إذ كان وما زال ضد السيستام (نظام الحكم) منذ بداية دهره"، مبرزاً أن "الكل تحمل نقده وسخريته اللاذعة إلا القضاة".

وأضاف: "الموقف المحزن الذي وجد فيه مثقف كبن بريك نفسه اليوم يصيب كل المثقفين بالخوف والهلع من مجريات الحرية ومستقبلها وتقدمها فى تونس"، متسائلاً عن داعي "النفاذ العاجل" بقوله: "هل وجوده طليقاً يمثل خطراً على الأمن العام؟". وختم بالدعوة إلى الحرية لبن بريك.

واتفق مع كرشيد النائب عن حركة النهضة سمير ديلو الذي قال إن بن بريك "صحافي وروائي وناشط حقوقي وسياسيّ. مزعج وسليط اللّسان إلى حدّ البذاءة أحياناً! ولكن من المزعج حقّاً أن يدخل السّجن بسبب كلام قاله في لحظات حماس واندفاع وجنون". ونبه إلى أن "أمثال بن بريك لا ينفع معهم إلاّ أمران : إمّا الجدال والرّدّ بالسّلاح نفسه: الكلمة، وإمّا التّجاهل!. أمّا السّجن فلا يزيد أمثاله إلاّ إصراراً وتحدّياً وتمرّداً!". وأضاف أنه "مزعج إذا تكلّم ولكنّه سيصبح مزعجاً أكثر بكثير إذا حاول أحد منعه من الكلام".

وأوضح المحلل في إذاعة "آي إف إم" التونسية، أنس بن مالك، أن "المنظومة القانونية ليست فوق النقد"، معتبراً سجن بن بريك "عاراً على تونس" لكونه "شخصية اعتبارية لها من الحقوق ما ليس لغيرها في التغاضي أحياناً عن بعض تجاوزاته".

وذكّر بأن بن بريك تجاوز في عهد بن علي كل الخطوط الحمراء وكان أبرز معارضيه ورغم ذلك لم يسجن بهذه الطريقة.

وقالت وزيرة الشباب والرياضة سابقاً ماجدولين الشارني للإذاعة نفسها، صباح 24 تموز/ يوليو، إن ما أثار قلقها في هذه القضية هو "الإجراءات المتبعة"، في إشارة  إلى تقديم الدعوى من قبل النيابة العمومية.

ورأت الشارني أن قيام النيابة العمومية بإثارة الدعوى، بحسب تصريحات محامي بن بريك، "اجتهاد غير صائب"، ملمحةً إلى أنه كان ينبغي رفعها من قبل "المتضررين". كما انتقدت "الأحكام الغيبية" التي قد لا تصل إلى الشخص المعني.

"مزعج إذا تكلم وأكثر إزعاجاً إذا حاول أحد منعه من الكلام"... ناشطون وأكاديميون تونسيون يحذّرون من "العدالة الانتقامية" للقضاء في بلدهم ويشددون على أن "الأحكام السّالبة للحرّيّة يجب أن تكون قليلة جدّاً، ويجب أن تكون للإرهابيّين وكبار المجرمين والقتلة، لا لأصحاب الفكر والمدوّنين"

"حذار من ديكتاتورية القضاة"

الأكاديمية التونسية البارزة، رجاء بن سلامة، حذرت من "دكتاتوريّة القضاة"، مشددةً على أن "العدالة ليست انتقاماً" وأن "الأحكام السّالبة للحرّيّة يجب أن تكون قليلة جدّاً، ويجب أن تكون للإرهابيّين وكبار المجرمين والقتلة، لا لأصحاب الفكر والقلم، ولا للمدوّنين".

وأملت بن سلامة ألّا تُسجن بسبب تعليقها هذا على فيسبوك، مستدركةً: "أرفض الحكم بالسّجن على توفيق بن بريك، لأنّه انتقد القضاة. وأرفض الحكم بالسّجن على آمنة الشرقي بسبب نصّ ساخر. وأرفض سجن فريد العليبي بسبب خصومة مع رجال أمن".


وفي 14 تموز/ يوليو الجاري، قضت محكمة تونسية بالسجن ستة أشهر على المدونة الشابة آمنة الشرقي (27 عاماً) لنشرها نصاً يحاكي سورة من القرآن عرف بـ"سورة كورونا"، اعتُبر "ازدراءّ للإسلام وحضّاً على الكراهية". أما الفيلسوف التونسي فريد العليبي، الأستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، فقد صدرت بحقه مذكرة إيداع بالسجن قبل أيام على خلفية "مناوشة لفظية" بينه وبين أعوان من الأمن.

وطرحت تساؤلات عدة تدور في خلد تونسيين كثر: "ماذا قال توفيق بن بريك ليسجن؟ انتقد بعض القضاة؟ وهل القضاة فوق النّقد وفوق المساءلة والمحاسبة؟ هناك قضاة مرتشون وفاسدون (...) وهناك الكثير من القضاة النّزهاء". وختمت: "نريد عدالة نزيهة أمينة، غير متجبّرة ولا انتقاميّة. تونس تنتفض وتنبعث من رماد الفساد والقهر مجدّداً. ألا تشعرون بهذا؟".

الأمر نفسه أشار إليه الإعلامي زياد الهاني، في منشور عبر فيسبوك، قال فيه: "خطير جداً… بعد آمنة الشرقي، الحكم على توفيق بن بريك بالسجن في قضية رأي، وفي ذلك تجاوز صارخ لمقتضيات المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة، والذي يعاقب بالخطية فقط في جرائم الصحافة والنشر وليس بالسجن".

وأضاف الهاني: "ما يحصل جريمة في حق حرية الإعلام والتعبير واعتداء خطير على ‘أهم مكسب تحقق للتونسيين‘ بعد رحيل الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي". ويعتقد تونسيون أن ثورتهم في نهاية العام 2010 ومطلع العام 2011 لم تجنٍ لهم سوى "حرية الرأي والتعبير".

بالعودة إلى الهاني، فلم يستبعد تعليقه أن يكون الحكم "انتقامياً للتشفي من بن بريك"، مطالباً المجلس الأعلى للقضاء وتفقدية وزارة العدل وجمعية القضاة ونقابتهم بالتدخل "للدفاع عن كرامة القضاة وهيبة القضاء وحرمته وسمعته التي تروغها مثل هذه الأحكام ‘البذيئة‘ في الوحل".

وتجدر الإشارة إلى أن جماعات حقوقية دولية ومحلية كانت قد أعربت عن تخوفها من سير العدالة في تونس، رافضةً الأحكام التي وصفت بـ"غير مسبوقة" بحق أشخاص ينتمون إلى مجتمع الميم، ومحاكمة آخرين بسبب تعبيرهم عن آرائهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard