"ذاهبٌ إلى الجنايات وسآخذهم معي"... فصولٌ من مذابح دارفور وتعقّب مجرميها على طريق العدالة الشائك

الخميس 23 يوليو 202010:52 ص

"يوم لن يُمحى من ذاكرتي"، بتلك الكلمات استهل شيخ قرية أورالا آدم صديق عبدالله قصته. بدأ عبدالله بروايته لرصيف22 من يوم الهجوم على قريته عام 2004، قائلاً إنه فوجئ وسكان القرية بالهجوم عند السادسة صباحاً، من رجال يمتطون الخيل والجمال يقودهم المدعو علي كوشيب.

يومها، وجّه المهاجمون رصاص أسلحتهم الثقيلة إلى البيوت، ثم اقتحموها وجمعوا رجال القرية البالغ عددهم 150 وقيّدوهم، بعد ذلك ربطوا 30 فتاة بجذوع الأشجار وجردوهن من ملابسهن ليغتصبوهن أمام ذويهن. انتهى المهاجمون من الفتيات، ثم أردوا الرجال بالرصاص، لتتحول طرقات القرية لأنهار من الدماء. لم يغادروا قبل أن ينهبوا القرية ويحرقوها بالكامل.

أورالا، كانت واحدة من ضمن القرى التي أبادها كوشيب ضمن ما يُعرف بـ"مجازر دارفور"، وقد ذُكرت قصتها في أولى جلسات محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي.

تبدّل المشهد كثيراً بين عامي 2004 و2020، حيث نجح السودانيون في إسقاط نظام البشير، الرأس المدبر لمجازر دارفور، بينما تتم محاكمته في السودان مع عدد من أركان نظامه، في حين سلّم كوشيب، وهو أحد منفذي الإبادة، نفسه لـ"الجنايات الدولية".

مع ذلك، تظل أسئلة كثيرة حول مجازر دارفور والمخططين لها ومنفذيها وضحاياهم عالقة.

من هم المطلوبون لمحكمة الجنايات الدولية في ملف دارفور؟ ما حقيقة الجرائم التي نصت عليها المحكمة، من إبادة جماعية واغتصاب وتهجير وتسليح للميليشيات؟ هل المحاكمة الداخلية في السودان تُغني عن تسليمهم للمحكمة الدولية؟ ما وضع تسليم مرتكبي الإبادة في مفاوضات جوبا الدائرة حالياً بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة؟ كيف كانت رحلة كوشيب إلى "الجنائية"، وهل سيلحق به البشير وبعض أركان الحكم الجديد في حال ثبت تورطهم بالإبادة؟

اندلاع الصراع

مسرح الأحداث لكل هؤلاء هو إقليم دارفور. تبلغ مساحته 196 ألف ميل، ويقطنه ستة مليون نسمة منهم 500 قبيلة تنقسم لإفريقيّة مستقرة وعربية رُحّل. كان الإقليم سلطنة بذاتها لها عملتها حتى جرى ضمّها للسودان عام 1874.

يكشف أبكر إسماعيل، في كتابه "جدلية المركز والهامش"، أن جذور الصراع تعود لميلاد السودان الحديث، عندما تأسست سلطة مركزية في الخرطوم بالقبائل العربية والطرق الصوفية، ومناطق هامشية بلا خدمات في الأطراف للقبائل الزنجية، بينما يعتبر أحمد موسى قريعي في كتابه "الجنجويد والنزاع المسلح بدارفور" أن الصراع بين القبائل العربية والإفريقية بدأ في الخمسينيات حول الموارد وتوسع في الثمانينيات ليتحول دارفور إلى قاعدة لانقلابات مسلحة في تشاد.

تجدّد الصراع في شباط/ فبراير عام 2003، مع إنشاء "جيش تحرير السودان" الهادف أساساً لـ"مساواة السودانيين وعلمانية الدولة"، ثم مع نشوء "حركة العدل والمساواة" كخلية لإصلاح "الحركة الإسلامية"، ودخولهما قبائل الفور والزغاوة والمساليت.

"مجرد أداة"، هكذا وصف عبد الرحمن الناير، المتحدث باسم "جيش تحرير السودان" لرصيف22 الجنجويد، مبينًا أن التيار الإسلامي بدأ بتجنيد الميليشيات فسُلحت قبائل عربية بقوات المراحيل في معارك جنوب السودان، ولم يفلح البشير بإعلان الجهاد في دارفور كما حصل في الجنوب بسبب أغلبيته المسلمة، فسلّح القبائل العربية ضد الأفريقية، واستخدم الإبادة الجماعية لتحطيم معنويات الحركات بعد إخفاقه بهزيمتهم، فنتجت عن ذلك إبادة 600 ألف شخص.

المطلوبون

نصّت بنود قرار مجلس الأمن 1593، في آذار/ مارس عام 2005،  بإحالة أزمة دارفور للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة السودان وأطراف الصراع بالتعاون مع المحكمة.

يصف عضو هيئة محامي دارفور أيوب يحيى عمل محكمة الجنايات الدولية بـ"صورة قانونية مشوشة"، حيث قسمت الدائرة التمهيدية للمحكمة المشتبه فيهم بين الصادر بحقهم أوامر ضبط لوجود كفاية بالأدلة ضدهم، وبين 51 اسماً في قائمة الاتهام في حال توافرت أسباب معقولة ستصدر أمر قبض بشأنهم، وهم يختلفون عن الموضوعين على لائحة العقوبات الأمريكية لأنها ترتبط بالإرهاب وتشمل تجميد أموال وتقييد حركة أشخاص، وعقوبات اقتصادية على السودان.

ويتطرق يحيى، في حديثه لرصيف22، إلى دوافع إصدار أوامر القبض، حيث رأت المحكمة أن الموظف العام في الحكومة علي كوشيب ووزير الشؤون الإنسانية آنذاك أحمد هارون على علاقة مباشرة بهجمات دارفور، كما توجد فيديوهات يعترفان فيها بارتكاب المجازر، وتُعتبر جرائمهما واحدة، لأن هارون قدّم السلاح والمؤن لكوشيب، ولذلك تنتظرهما عقوبات قد تصل للسجن مدى الحياة.

أما وزير الدفاع عبد الرحيم حسين فقد وفّر، حسب المحكمة، الغطاء الجوي للهجمات، بينما قام البشير بتجنيد الجنجويد وحماية المتهمين، واعترف بقتل 10 آلاف دارفوري.

وتنقسم تهم المتورطين لفئتين: جرائم حرب كالإبادة الجماعية لأسباب تتعلق باللون والعرق، مثل القتل الممنهج وإحراق قرى الفور والزغاوة، وجرائم ضد الإنسانية كالقتل والإغتصاب، بينما يرتبط رفع العقوبات عن السودان بتحقيق العدالة الانتقالية سواء بمحاكم سودانية برعاية دولية أو عبر المحكمة الدولية، وفق يحيى.

"لها حسابات أخرى"، هكذا يصف القيادي السابق في "الحزب الاتحادي" غالب طيفور محكمة الجنايات، موضحاً في حديثه لرصيف22 أن كوشيب ارتكب جرائمه نهاراً ما يُسهّل توثيق جرائمه، أما موسى هلال فقد أخفى وجوه مرتكبي جرائمه واستعان بقادة ميدانيين مجهولين ما يُصعّب إدانته من المحكمة، كما استعان الأوروبيون به وبحميدتي كقادة لحرس الحدود لوقف الهجرة غير الشرعية، مقابل عدم إصدار أمر قبض ضدهم.

الفصائل المسلحة

شملت أوامر القبض ثلاثة مسؤولين، هم إدريس أبو قردة، وعبد الله باندا من "العدل والمساواة" وصالح جربوا من "تحرير السودان".

وكان أبو قردة قد سلّم نفسه للمحكمة في أيلول/ سبتمبر عام 2009، بعد اتهام منافسيه بمهاجمة قوات الاتحاد الأفريقي في حسكنيتة بدارفور عام 2007 إثر انشقاقه عن حركته، واستعانوا في ذلك بشهود زور، وهو استعان بمحامي بريطاني حتى تمت تبرئته لاحقاً.

يشير مقرر المجلس التشريعي السابق لحركة "العدل والمساواة" حذيفة محي الدين، في حديثه لرصيف22، إلى أن باندا هاجم عام 2006 قوات حفظ السلام الأممية فأوقع 12 قتيلاً، وأدين بالقتل والنهب ومهاجمة منشآت حفظ السلام، وعندما صدرت بحقه مذكرة الاعتقال عام 2007، غادر الحركة وانضم لقوات أبو قردة، أما المتهم الثالث (صالح جربوا) فقد قتل بمعارك بدارفور.

ولم تصدر أوامر قبض لكل مجرمي حرب الحركات المسلحة، كسليمان أركو مناوي المعروف بـ"مني مناوي" والتابع لـ"جيش تحرير السودان" الذي هجم على بلدة كورما في دارفور عام 2006، حيث قُتل 72 شخصاً وأصيب 103 وتم اغتصاب 39 امرأة، وأدت وحشية جرائمه لتسمية فصيله بـ"جنجويد2"، بحسب قريعي.

الإبادة الجماعية

بدأ كوشيب حياته كزعيم قبلي في وادي صالح، غربي دارفور، ثم كممرض في السلاح الطبي ثم في قوات الدفاع الشعبي. استلم قيادة ميليشيات الجنجويد في آب/ أغسطس عام 2003، وفي عام 2007 اتهمته المحكمة بـ28 جريمة حرب و22 ضد الإنسانية وإبادة بلدات، وارتكاب 504 عمليات قتل و20 جريمة اغتصاب وتشريد 41 ألف شخص، وتجنيد عناصر في قبيلة المسيرية، لتلقي بظلالها على جرائم الحرب المرتكبة بحق سكان دارفور.

يقص شيخ قرية كريو محمد أحمد محمود لرصيف22 تفاصيل جريمة كوشيب بحق قريته، وذلك في أول أيام عام 2004، حين استيقظ أهالي القرية على أصوات قذائف تصيب منازلهم، ففروا بما يستطيعون من متعلقاتهم، لكن الجنجويد قتلوا ثلاثة من سيئي الحظ الذين لم يستطيعوا الفرار، ثم نهبوا المنازل كلها وأحرقوها وأخفوا معالمها.

وجّه المهاجمون أسلحتهم الثقيلة للبيوت، ثم جمعوا رجال القرية وقيّدوهم، بعد ذلك ربطوا الفتيات بجذوع الأشجار وجردوهن من ملابسهن ليغتصبوهن أمام ذويهن... فصلٌ من ذاكرة دارفور القاسية، في وقت تظل أسئلة كثيرة حول المخططين للمجازر ومحاسبتهم عالقة

"مجرمون، كلهم مجرمون"، هكذا استهل آدم يوسف كيرو، أحد مشايخ مخيم جنوب نيرتيتي، حديثه عن جرائم الإبادة الجماعية، مبيناً أن الجنجويد قسموا دارفور لمناطق،  فهاجم موسى هلال شمالي دارفور، وكوشيب غربي دارفور ووسطه، وأحمد هارون جنوبي دارفور، وتولى الأخير ووالي وسط دارفور شرتاي عبد الحكم مد الميليشيات بالمال والسلاح.

وأشار كيرو، في حديثه لرصيف22، إلى وجود متهمين لم تدرجهم المحكمة في ملفاتها، كهلال مرتكب المجازر في مستريحة والفاراو وتروبي، وعبد الفتاح البرهان الذي تورط بإبادة المدنيين عام 2004 في "أم حراس" قرب نيرتيتي، عندما أطلق "تحرير السودان" سراح أسرى، فشن هجمات بنفسه قتلت 14مواطناً وحرقت 3 قرى، فضلاً عن مسؤولي جهاز الاستخبارات الذي اغتال ناشطين ومثقفين، وشيوخ الحركة الإسلامية الذين أفتوا بأن ممتلكات الفور "غنيمة". 

الاغتصاب

في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2004، زارت مها الطبيق، المخرجة التلفزيونية والقيادية في "جيش تحرير السودان"، مجكر ووادي صالح  لترى القرى رماداً، لم تنج حتى الحيوانات فيها، وكميات من الجثث في الشوارع لم ينجح السكان بدفنها قبل هروبهم. وجدت هناك النساء والشيوخ، بينما الرجال كانوا قد التحقوا بالفصائل.

"لم يكتف باغتصابها فالمعاناة لها وجوه أخرى"، هكذا وصفت الطبيق لرصيف22، أول ضحية اغتصاب قابلتها في دارفور.

عندما قابلتها الطبيق، وصفت المرأة بلغة الفور بصوت يملؤه البكاء كيف بدأ الجنجويد باغتصاب النساء أمام الرجال، فتناوب الجنود على اغتصابها، وأطلق أحد الجنود النار على أخيها الذي ظل ينازع الموت، ولم تستطع مساعدته حيث استكمل أحد الجنود في تلك اللحظة اغتصابها، ثم جرها حتى الخرطوم ليسجنها في غرفة للاستمتاع بها.

تفر المغتصبات لمعسكرات أخرى غير تلك التي تضم العائلة لتجنب أعين الأهل والأقارب، وعندما تحمل الضحية من مغتصبها تتعامل مع طفل غير شرعي لأب قاتل لأسرتها وغير مرغوب فيه، خاصة إذا اختلف شكل الطفل عن محيطه.

قابلت الطبيق أم من الفور حملت من اغتصابها وهي بالصف الثامن، ففرّت لتربي طفلتها التي تحمل شكل الجاني ولونه في أحد معسكرات تشاد، وعندما اشتد عودها فرّت بها لمصر لتؤمن مستقبلها.

وأوضحت الطبيق أن الجنجويد حاصروا مدرسة الطويلة للبنات وأمروا الـ110 طالبة ومعلمة في المدرسة بخلع ملابسهن، وألقوا الضحايا على ظهورهن وأمسكوا بأيديهن وأرجلهن وتناوبوا عليهن، حيث استُخدم الاغتصاب كسلاح لإذلال حاملي السلاح ضد المركز. بعض المغتصبات انتحرن، والأخريات لا يجرؤن على الاعتراف، فإحداهن فقدت النطق من صدمة الاغتصاب بينما ادعت أمها أن ذلك حصل بسبب رؤيتها للدماء، ومعظمهن يتمسكن بقراءة المصحف لاعتباره ابتلاء من الله، ويستمر الاغتصاب للآن خاصة للذاهبات للاحتطاب أو ملء المياه.

التهجير

"الإبادة الجماعية هدفها كان ترهيب الأهالي لتهجيرهم"، هكذا يصف القيادي في "المنسقية العامة لمنظمات اللاجئين والنازحين" آدم الرجال معاناتهم، مبيناً أن 3 إلى 4 ملايين دارفوري نزحوا، ولم تقف الجريمة على ذلك، بل توجد عملية تغيير ديموغرافي بمستوطنين جدد نيجريين وتشاديين وموريتانيين في قرى النازحين، وطّنهم موسى هلال في مناطق كشمالي زالنجي وغربي وادي صالح وجنوبي الجنينة.

ويشير الرجال، في كلامه لرصيف22، إلى أنهم غيّروا كذلك أسماء بعض القرى الأفريقية لأخرى عربي كـ"بيلا" لـ"الرياض"، وسنقو لـ"الدوحة"، وتوريه لـ"الناقة"، وبعضها أُنشأت بها مدارس وشبكة مياه ومباني ثابتة. 

وبحسب الرجال، تقع صدامات بينهم في موسم الخريف، لأنهم عندما يذهبون للزراعة يقتلهم المستوطنون ويغتصبون نساءهم، أو يؤجرون لصاحب الأرض أرضه.

تسليح الجنجويد

خصصت محكمة الجنايات كذلك شقاً لجرائم تجنيد الجنجويد وتسليحهم. يذكر قريعي، في كتابه، أن السلاح دخل لدارفور منذ عام 1977 مع المعارضة السودانية والنزاعات التشادية الليبية، ووصل لذروته عقب القرار الأممي (1566) في تموز/ يوليو 2004 بحظر توريد الأسلحة للإقليم، خاصة ذخائر الأسلحة الصغيرة والمعدات العسكرية كالطائرات وقطع غيارها التي أصبحت تباع لرجل الشارع العادي وبات الحصول عليها أسهل من المياه الصالحة للشرب.

وأثبت تقرير أممي، في كانون الثاني/ يناير عام 2007، حيازة الجنجويد لأسلحة متطورة كطائرات "كيه 80"، وقاذفات نفاثة و"ميغ 34"، ومقذوفات الصواريخ، وناقلات الجنود والعربات العسكرية.

المحاكمات الداخلية

تبدّل المشهد بعد سقوط نظام البشير، خاصة مع بدء محاكمات رموز النظام السابق، وانطلاق مفاوضات حقيقية بين الحركات المسلحة والحكومة الانتقالية.

ويدور الجدل حالياً بين أنصار المحاكمة داخل السودان وخارجه، وذلك بعد مرور عام على بدء محاكمات رموز النظام القديم التي يصفها رئيس حركة "العدل والمساواة" منصور أرباب، في حديث لرصيف22، بـ"المسرحية"، لعدم وجود محاكم متخصصة بجرائم الحرب، مبيناً أن السلطة الحالية متعاطفة مع النظام القديم الذي لم يسقط وإنما تبدّلت وجوهه وحسب.

يدور الجدل بين أنصار محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب أمام القضاء السوداني أو المحاكم الدولية، وذلك بعد مرور عام على بدء محاكمات رموز النظام السابق التي يصفها متابعون بـ"المسرحية"، لعدم وجود محاكم مختصة بجرائم الحرب، وتعاطف السلطة الحالية مع النظام القديم

ويكشف كمال كرار، القيادي في الحزب الشيوعي والحرية والتغيير، لرصيف22، أن حزبه طالب بتسليم المطلوبين للجنائية، رغم نصوص العدالة الانتقالية بالفترة الانتقالية، لأنه مطلب الضحايا، والقانون السوداني يخلو من جرائم الإبادة الجماعية، فيما يفتح التسليم صفحة جديدة بين الخرطوم والمجتمع الدولي.

بدوره، يرى رئيس "حملة الخلاص" علي هباني، في حديثه لرصيف22، أن مجرمي الحرب يسكنون في فنادق، وتجب محاكمتهم بنفس القانون الخاص بالسودانيين وأن يودعوا في السجون العادية، لأن بعض جرائمهم عقوبتها الإعدام. برأيه، ينبغي أن يتم ذلك بعد تطهير السلك القضائي، لأن القانون على سبيل المثال يعاقب حائز النقد الأجنبي بالإعدام لكن عندما ضُبط البشير بمليارات الدولارات حوكم سنتين بدار مسنين.

وكشف أستاذ القانون الدولي السوداني بخاري الجعلي، في حديثه لرصيف22، أن تسليم مجرمي دارفور تعوقه حماية القانون لأصحاب المواقع الدستورية العليا، ومحاكمتهم بالسودان تواجها حقيقة أن ارتكاب هذه الجرائم حصل منذ سنوات، والقانون الجنائي لا يطبق العقوبة بأثر رجعي.

"لم يصل المفاوضون لصيغة نهائية "، بحسب القيادي في "الحركة الشعبية (قطاع الشمال)" حمود إبراهيم الذي يوضح لرصيف22 أن المحاكمة الداخلية هزلية ولن تؤدي إلى رفع العقوبات الدولية عن السودان، ليخلص إلى أن "أفضل الطرق تسليم المطلوبين للعدالة الدولية".

الطريق إلى الجنائية

يكشف الوسيط بين كوشيب والجنايات الدولية آدم جديد أن علاقته مع كوشيب تعود لصداقة بين والديهما. وينقل جديد أن التفكير الجدي لدى كوشيب بتسليم نفسه للجنايات بدأ بفعل تحول أصدقاء الأمس لجزء من الحكم الانتقالي، ومعرفته بأنهم يخططون لتصفيته. بدأ الأمر، حسب جديد، عندما علم كوشيب بتجهيز مداهمة من الدعم السريع والطيران الحربي لتصفيته يوم 23 حزيران/ يونيو، فتجهز لتسليم نفسه للقوات الأممية في إفريقيا الوسطى.

كانت آخر رسائل كوشيب إلى مرافقيه قبل السفر من أفريقيا الوسطى ذكرت: "نحن ومن في الحكم قتلنا سوياً، وهم حاولوا تصفيته لكي يدعوا أن المجرم قد مات ولكني ذاهب إلى الجنايات وسآخذهم معي".

ويشير جديد، لرصيف22، إلى أن بحوزة كوشيب أوامر عسكرية لتنفيذ عمليات الإبادة كانت قد وقّعت عليها شخصيات كعبد الفتاح البرهان بصفته القائد الميداني للعمليات وإبراهيم غندور بصفته وزير الخارجية السوداني وعضو اللجنة الأمنية المكلف بنقل الأوامر من الخرطوم لدارفور، وآخرون كهارون وعبد الرحيم حسين ونائب الرئيس علي عثمان طه، وأوراق أخرى تدين بعض نوابه الذين ارتكبوا مجازر كمحمد أبو شنب وأحمد باو.

وكانت آخر رسائل كوشيب إلى مرافقيه قبل السفر من إفريقيا الوسطى ذكرت: "نحن ومن في الحكم قتلنا سوياً، وهم حاولوا تصفيته لكي يدعوا أن المجرم قد مات، ولكني ذاهب إلى الجنايات وسآخذهم معي".

اللغز الأكبر

يظل اللغز الأكبر في المحاكمات الجديدة التي بدأت بتسليم كوشيب لنفسه، هو ما إذا كان السودان سيسلم الرئيس المخلوع للمحكمة، خاصة بعد طلبها تسليمه، ومصير بعض القيادات الحالية في السودان إذا ثبت تورطهم.

ويبين علي الشايب أبو دقن، القيادي في "حزب المؤتمر الوطني" والمحامي السابق للدفاع عن البشير، أن السودان وقّع على ميثاق روما عام 1998 من دون أن يصادق عليه، والميثاق ملزم للدول الموقعة والمصادقة ولا ينعقد الاختصاص للمحكمة إلا إذا فشل القضاء الوطني بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

واعتبر أبو دقن، في حديثه لرصيف22، أن الجنائية الدولية مسيسة، ما دفع أمريكا لإصدار قانون يمنع محاكمة مواطنيها أمامها ورفضت التوقيع على قانونها، رغم أنها العضو الدائم في مجلس الأمن ويمكنها إحالة الملفات للمحكمة وفق المادة (13) الفقرة (ب).

البرهان وحميدتي

يتحدث كثيرون عن تورط رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) في جرائم دارفور. يشير الخبير القانوني والقاضي السابق بارود صندل إلى أن قانون الإجراءات الجنائية المعدل يمنع تسليم أي سوداني لأي جهة قضائية خارجية.

ويعتبر صندل، في تصريحه لرصيف22، أن القضاء مؤهل لمحاكمة أي مجرم، وفي حال توجيه تهم لبرهان وحميدتي يمكن تقديمهما للمحاكمة أمام القضاء السوداني، لكن لا بد من التخلي عن منصبيهما بسبب ما يقدمه المنصب من حصانة، وقد يكون تخلياً مؤقتاً لاحتمال تبرئتهم.

"سيسلم البشير للجنائية الدولية لصدور أمر قبض ضده"، هكذا يصف الخبير القانوني عبد العزيز سام، لرصيف22، تسليم البشير للجنايات الدولية، لامتلاك الأخيرة ولاية جنائية كاملة لجرائم النظام بدارفور، منذ مطلع تموز/ يوليو عام 2002، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن، وفي حال إدانة البرهان وحميدتي سيُحالان للمحكمة لأنها تحقق في جميع مذابح دارفور بلا فرز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard