من "كبسولات الأفيون" إلى "الباذنجان القاتل"... مخدرات استخدمها القدماء لتغيير واقعهم

الجمعة 17 يوليو 202006:37 م

منذ بزوغ فجر البشرية وهناك بعض المواد التي لجأ إليها الإنسان القديم بهدف التخلص من آلامه النفسية والجسدية والهروب من واقعه الأليم، ولكن تبدو المؤشرات التي تدل على تعاطي المخدرات في العالم القديم قليلة نسبياً، إذ يتم ذكر المواد المخدرة بشكل عابر مع التركيز على جوانبها الطبية والدينية، في الوقت الذي يتم فيه المرور بشكل سريع على أي استخدام ترفيهي لها.

ومع ذلك، عرف العالم تجارة المخدرات منذ العام 1000 قبل الميلاد، وقد تضافر علم الآثار وعلم الطبيعة لتوضيح صورة يبدو أنها كانت تُحجب بعناية من قبل الكتاب القدماء والمترجمين اللاحقين لعصرهم.

فطر الإرغوت

محاولة الهروب من الواقع

بالإضافة إلى فطر الإرغوت Ergot، الذي يسبب الهذيان والهلوسة، ويؤدي إلى الموت في الكثير من الأحيان، اللوتس الأزرق الذي يسبب نشوة خفيفة وهدوءاً بالإضافة إلى زيادة الرغبة الجنسية، عسل الجنون الذي يمكن أن يتسبب بفقدان الوعي، البنج الأسود Henbane الذي يتم أخذه عن طريق التدخين أو الابتلاع كجزء من كوكتيل من المهلوسات لأغراض سحرية أو طبية، الباذنجان القاتل الذي كان يستخدمه بشكل خاص السحرة في التعاويذ، ويسبب حالة من الهلوسة تستمر لأيام، كان هناك أكثر من اثني عشرة طريقة لجأ إليها الناس في العالم القديم للهروب من واقعهم، ومحاولة "تغييره" قدر الإمكان.

تبدو المؤشرات التي تدل على تعاطي المخدرات في العالم القديم قليلة نسبياً، إذ يتم ذكر المواد المخدرة بشكل عابر مع التركيز على جوانبها الطبية والدينية، في الوقت الذي يتم فيه المرور بشكل سريع على أي استخدام ترفيهي لها

في هذا الصدد، كشف موقع History Extra أنه بشكل رئيسي، كان يهيمن على المشهد العام نوعان من المخدرات، هما الأفيون والقنّب.

وعلى مدى العقدين الماضيين، بدأت التحقيقات الدقيقة بالكشف عن أنماط استخدام تلك المواد المخدرة من قبل العالم القديم، في خطوة لم تكن متوقعة من قبل حتى المؤرخين الكلاسيكيين في القرن العشرين.

كبسولات الأفيون

بالنسبة للقدماء، فإن الخشخاش (الأفيون) هو أكثر من مجرد نبات جميل الشكل، وما يؤكد ذلك هو ظهوره المتكرر في التماثيل والنقوش.

وقد اكتشف علماء الآثار أنه في وقت مبكر من العام 1600 قبل الميلاد، تم صنع قوارير صغيرة على شكل "كبسولات الخشخاش" وهي الكرات المنتفخة بالأفيون الخام الذي يبقى عندما تنضج الزهور وتسقط البتلات.

وفي العام 2018، أفادت مجلة Science أن التقنيات الجديدة لتحليل بقايا الكبسولات أثبتت أن المواد الموجودة داخلها لا تحتوي فقط على الأفيون، بل هناك آثار لبعض المواد نفسية التأثير psychoactive substances.

تم العثور على هذه الكبسولات في جميع أنحاء بلاد الشام ومصر والشرق الأوسط، وتماثلها يوحي بأن هذه الكبسولات كانت جزءاً من طريقة منظمة للتصنيع والتوزيع.

كانت تتم زراعة الأفيون في بلاد ما بين النهرين، ويؤكد بعض الباحثين بأن الآشوريين كانوا على اطلاع واسع بخصائص هذا النبات، وهو ما دفعهم إلى تسمية الخشخاش بـ Hul Gil، الذي يعني "نبات السعادة".

وفي المقابر المصرية، تم العثور على أباريق تحتوي على بقايا الأفيون، وهو أمر غير مستغرب، نظراً لكون الخشخاش كان يزرع على نطاق واسع في مصر.

واللافت أنه في العصر الكلاسيكي، عُرف مستخلص النبات بمصطلحOpium Thebiacum استناداً إلى مدينة واسط التي عرفها الإغريق باسم Thebes، وظهرت تسمية أخرى Opium Cyrenaicum نسبة إلى نمو النبات في غرب ليبيا.

النوم الأبدي

في ملحمة أوديسة، يذكر الشاعر الإغريقي هوميروس أن هيلين كانت تضع مادة مخدرة في النبيذ وتقدمها للضيوف بغية مساعدتهم على التخلص من الذكريات المؤلمة والألم والغضب، وكان مفعول هذا المشروب قويّ لدرجة أن من يتناوله لم يكن يذرف دمعة واحدة حتى عند وفاة أعز الناس على قلبه.

وكشف هوميروس أن هناك امرأة من مصر القديمة تدعى بوليدامنا، هي التي أعطت هيلين هذا المخدر لتستخدمه مع النبيذ، ما يشير إلى أن المصريين تعرفوا منذ زمن بعيد على المادة المخدرة، لا بل كانوا يعتقدون أن استخدام الأفيون تم تعليمه للبشرية على يد الإله تحوت.

وبالنسبة لتقنية حصاد الأفيون، وصفها الكاتب اليوناني ديوسكوريدس بالقول: "يجب على أولئك الذين يزرعون الأفيون أن ينتظروا حتى يجف الندى قبل أن يقطعوا برفق، بواسطة سكين، الجزء العلوي من النبات. وعليهم أن يحرصوا على عدم قطع الداخل. عندما يخرج السائل يجب مسحه بالإصبع على ملعقة. يمكن للمرء أن يحصد المزيد من البقايا بعد أن يتكاثف في اليوم التالي".

وقد حذر ديوسكوريدس من الجرعات الزائدة من الأفيون، قائلاً بصريح العبارة: "إنها تقتل"، مع العلم أن العديد من الرومان كانوا يشترون الأفيون لهذا السبب تحديداً، فالانتحار لم يكن خطيئة في العالم الروماني، وعليه اختار العديد من الأشخاص الذين كانوا يعانون من الأمراض أن ينهوا حياتهم بواسطة هذه المادة، وهو ما أكده الفيلسوف اليوناني ثيوفراستوس: "من عصير الخشخاش والشوكران يأتي موت سهل وغير مؤلم".

بالإضافة إلى ذلك كان الأفيون يُستخدم بشكل شائع لعلاج مشاكل النوم، وفي هذا الصدد، لجأ بعض الرومان إلى مشروب من الأفيون يسمى cretic wine (النبيذ الكريتي) أو إلى خيار آخر أقل قوة، وهو mekonion الذي يتم إعداده من أوراق الخشخاش، لمساعدتهم على النوم والتغلب على الأرق.

الجدير بالذكر أن الأفيون كان متوفراً على شكل أقراص صغيرة تُباع في أكشاك متخصصة في معظم الأسواق.

القنب... لإضافة الضحك على الأجواء

في العصور القديمة، كان الوصول إلى النبات والدواء والمخدرات أوسع بكثير، حيث كان استخدامه أكثر شيوعاً في مختلف جوانب الحياة العادية.

وللقنب تاريخ أطول من الأفيون، فقد جاء من آسيا الوسطى مع شعب اليمنايا، الذي يعد أكثر شعب عنيف وشرس في تاريخ الأرض، ووجد نبات القنب في شمال ووسط اوروبا لأكثر من 5000 عام.

واللافت أنه منذ آلاف السنين، كان القنب جزءاً من الممارسات الثقافية والدينية في مصر، والتي تحظرها العديد من القوانين الحديثة الآن.

يذكر كتاب Ebers Papyrus، وهو واحد من أقدم الكتب الطبية التي تم العثور عليها حتى الآن، بعض الطرق التي تساعد على تخفيف الألم الناجم عن أمراض وإصابات مختلفة، بما فيها الاكتئاب والالتهاب والبواسير وحتى السرطان. بالإضافة إلى خصائصه الطبية، تم استخدام القنب بشكل ملحوظ في الثقافة المصرية: عندما تم الكشف عن مومياء الفرعون رمسيس الثاني تم العثور على آثار القنب في البقايا وعلى آثار مماثلة للنبات في عدد من المومياوات الأخرى، مما يؤكد أن القنب كان جزءاً منتظماً من الثقافة المصرية خلال العصور القديمة.

في العادة، كان نبات القنب يستخدم في صنع الحبال والنسيج، ولكن تم العثور على مدخنة تحتوي على القنب المتفحم، الأمر الذي يدل على اكتشاف الجوانب الأخرى من هذا النبات.

ففي إيبلا، وهي مدينة أثرية سورية قديمة، وجد علماء الآثار غرفة تبدو وكأنها كانت عبارة عن مطبخ كبير، تضم 8 مداخن وأواني قادرة على احتواء ما يصل إلى 70 ليتراً من المنتج النهائي.

والمفارقة أنه لم تكن هناك آثار لبقايا الطعام، كما هو الحال عادة في المطابخ القديمة، ومن خلال تحليل الحاويات تبيّن أن هذه الغرفة كانت تُستخدم فقط لإعداد الأدوية ذات التأثير النفسي، بمعنى آخر، كان العالم القديم يضم مصانع أدوية منذ 3000 عام.

عندما يتعلق الأمر بالحديث عن المخدرات في العالم القديم، نحتاج إلى القراءة بين السطور، كما هو الحال مع الكثير من الأحداث في التاريخ

وكان الطبيب اليوناني ديسكوريدس على دراية كبيرة بتأثير القنب، فاعتبر ان إفراط المرء في استهلاك هذه المادة يؤثر سلباً على حياته الجنسية، لدرجة أنه أوصى باستخدام القنب لخفض الرغبة الجنسية لدى أولئك الذين يعانون من فرط النشاط الجنسي.

وبمعزل عن تأثير القنب على الحياة الجنسية، يبدو أن هذا النبات كان يستخدم بشكل شائع للتسلية والترفيه، فقد كان الفيلسوف الروماني بيليني الأكبر، مهتماً بتأثير المواد الكيميائية على حياة المرء، وقد سرد خصائص العديد من النباتات، من بينها "الحشيش الضاحك" الذي اعتبره مسكراً عند مزجه مع النبيذ، وفي السياق نفسه وصف غالين استخدام القنب في الجلسات الاجتماعية كوسيلة لإضفاء الفرح والضحك على الأجواء.

وبدوره، ذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت شيئاً مشابهاً، بحيث أنه تحدث عن قيام السكيثيين الذين يعيشون بالقرب من البحر الأسود، بالدمج بين العمل والمتعة، من خلال زرع القنب الذي يشبه كثيراً نبات الكتان: "يرمي السكيثيون بذور هذا النبات على أحجار ساخنة جداً حيث تنبعث منها الأبخرة التي لا مثيل لها في الحمامات البخارية".

القراءة بين السطور

إن المقطع الذي ذكرناه في السطور السابقة يدل إلى حدّ ما على تعاطي المخدرات في العالم القديم، ولكن يسأل موقع History Extra: هل كان هيرودوت ساذجاً لدرجة أنه لم يتعرف على تأثير المخدر أم كان هناك "تابو" في مناقشة الموضوع، سواء في العالم الكلاسيكي أو في الأديرة حيث تم نسخ النصوص القديمة وحفظها؟

واللافت أنه حتى الاستخدامات الطبية للقنب كان يصعب العثور عليها في النصوص القديمة، ومع ذلك تمكن علماء الآثار من العثور على مقبرة رومانية من القرن الرابع الميلادي، لفتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، توفيت أثناء الولادة بالقرب من مدينة بيت شيمش (بالقرب من القدس) في التسعينيات. وبعد التحليل العلمي تبيّن أن المادة الموجودة في البطن هي تترباليكروكانابينول، وهو أحد مكونات القنب، وعليه، من المحتمل أنه تم استخدام هذه المادة لتخفيف آلام المخاض وللمساعدة على الخروج من الحياة نفسها.

في الختام، ذكر الموقع أنه عندما يتعلق الأمر بالحديث عن المخدرات في العالم القديم، نحتاج إلى القراءة بين السطور، كما هو الحال مع الكثير من الأحداث في التاريخ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard