"عند رفض إحداهن يتم تهديدها"... نازحات في المخيمات العراقية ضحايا الاستغلال الجنسي والسياسي

الاثنين 20 يوليو 202001:46 م

"وصلتُ إلى المخيم بعد مقتل زوجي من قبل تنظيم داعش، وعلمتُ بحملي في الشهر الأول بعدها، حيث ولدتُ طفلتي في المخيم. وخلال هذه الفترة تعرّضتُ للعديد من الاتهامات من قبل ساكني المخيم والعاملين هنا، منهم من اتهمني بأنَّ والد طفلتي ينتمي إلى داعش، واتهمني آخرون بأن هذه الطفلة نتيجة لحمل غير شرعي، في كل مرة عند ذهابي إلى المركز الصحي للحصول على الحليب لطفلتي، كان أحد العاملين يحاول ابتزازي عن طريق طلب علاقة جنسية مقابل ما يقدمه لي من مستلزمات الصحية والغذائية".

هذا ما قالته عائشة سليم، البالغة من العمر 26 عاماً، والنازحة في إحدى مخيمات حمام العليل، جنوب الموصل، مركز محافظة نينوى في العراق. هربت عام 2015 من مدينتها الخازر، الواقعة شمال مدينة الموصل، بعد مقتل زوجها أثناء استيلاء تنظيم داعش على المدينة، ولجأت إلى كردستان العراق، مع مجموعة من الأشخاص الذين هربوا من مناطق متفرقة كان يسيطر عليها التنظيم.

حاولت في عملي على هذا التقرير الحصول على صور فوتوغرافية لعائشة وطفلتها لأجل توثيق مصداقية الحالة، لكن جوبه هذا الطلب بالرفض من قبل إدارة المخيم، وكان يُسمح للجهات الدولية فقط بذلك، للحفاظ على خصوصية وأمان الحالات الواردة في تتمة التقرير.

استقرت عائشة في مخيم حمام العليل، بعد تدمير مدينتها "الخازر"، من قبل القوات الكردية المعروفة باسم" البشمركة"، أثناء سيطرتهم على هذه المدن عام 2016 لملاحقة تنظيم داعش، ولم تتمكن من العودة اليها.

يقع مخيم حمام العليل جنوب مدينة الموصل، يضم 10186 نازحاً، وتوجد فيه حوالي 5677 امرأة. يعاني المخيم من نقص في مواد الإغاثة، والإعانات الغذائية والطبية لا تكفي لسد احتياجات المخيم الذي يعاني من إهمال الجهات المختصة، كما هو حال جميع المخيمات في العراق.

"كل مرة يحضر رجال الأمن إلى المخيم للتفتيش أشعر بالرعب. بعضهم كان يحاول التحرش بي أثناء التدقيق الأمني"

بعد سنوات من القضاء على تنظيم داعش، ما زال ملف النازحين قيد التمرير تحت قبة البرلمان مع كل دورة انتخابية، ومع وعود متكررة لأعضاء البرلمان بحل أزمة النازحين وإعادتهم إلى مناطقهم السكنية.

وتفيد إحصائية الجهة المسؤولة عن تنسيق جهود إدارة المخيمات لعام 2019، بوجود 67 مخيماً للنازحين في العراق، ويقطنها نحو 277451 نازحاً، موزعين في كل من إقليم كردستان ونينوى والأنبار، وعدد من المخيمات في بغداد، ولم تتمكن الحكومة العراقية حتى هذا اليوم من القيام بحملات إعمار فعلية لهذه المناطق.

"تحولوا إلى وحوش"

على مرّ التاريخ، في أوقات الكوارث والحروب، كانت النساء والأطفال هم الأكثر عرضة للاستغلال النفسي والجسدي. النساء اللواتي اضطررن للهروب من تنظيم داعش، ومغادرة ديارهن نحو مخيمات النزوح، وجدن أنفسهن عرضة للابتزاز الجنسي مقابل توفير الحماية لهن، أو الحصول على الإغاثة، ليتعرضن لاستغلال جماعات أخرى. فالأشخاص الذين يُفترض أن يتولوا حمايتهن تحولوا إلى وحوش لافتراسهن، حيث بلغ عدد النساء في جميع مخيمات النزوح العراقية حوالي 144،203 امرأة، حسبما أفادت الخلية العليا الإنسانية لتنسيق وإدارة المخيمات في العراق، وترى مجاميع مسؤولة عن متابعة عودة النازحين، تشمل جهات حكومية ومحلية ودولية تدعى The Returns Working Group، "أن العشائر والسلطات الأمنية في بعض المناطق المحررة التي شهدت موجات نزوح إلى مناطق أخرى، كانت السبب الرئيسي في إعاقة عودة النازحين إلى مناطق سكناهم، بسبب صلة أحد أفراد عوائل النازحين بتنظيم داعش".

تم إنشاء هذه المجموعة عام 2016، بما يتماشى مع الهدف الاستراتيجي لخطة الاستجابة الإنسانية للعراق لعام 2016، لدعم التطوع، تأمين عودة آمنة وكريمة للنازحين داخلياً، رصد الظروف في مناطق العودة والإبلاغ عنها وتحديد مدى الحلول الدائمة التي تم تحقيقها أو التقدم المحرز للعائدين.

الهدف الرئيسي للمجموعة هو دعم وتعزيز الاستجابة الوطنية لتحدي إعادة دمج النازحين مع المجتمع العراقي من جديد.

وتوضح المجموعة أنه "قد يؤدي الفشل في ضمان عودة مستدامة للنازحين إلى مجتمعاتهم الأصلية إلى عنف جديد داخل المجتمع، على المدى المتوسط أو البعيد للنازحين".

"التعرض للتحرش من قبل القوات الأمنية"

إنَّ المحنة التي تعيشها النساء في مخيمات النزوح لم يتم التوصل إلى حل لمعالجتها إلى هذا اليوم، على الرغم من طرح ملف النازحين مع كل دورة انتخابية من قبل ممثلي المكون السنّي في البرلمان العراقي، ففي مخيم الحبانية الواقع شرق مدينة الفلوجة، في محافظة الأنبار، تعاني غالبية النساء من التعرض للتحرش من قبل القوات الأمنية التي تسيطر على المخيم، حيث تم توثيق عدة حالات من قبل أفراد المنظمات المسؤولين عن الدعم النفسي للنازحين، فهذه الفئة هي الوحيدة التي بإمكان بعض نساء المخيم الوثوق بها، بسبب حساسية الأمر وخصوصيته لدى بعضهن، حسبما قالت الباحثة النفسية، داليا محمد، 35 عاماً: "معظم النساء في هذا المخيم قدمن من مجتمعات قروية تحكمها عادات عشائرية يكون الرجل هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، لذا أجد أن بعضهن، رغم صعوبة ما شهدن من فقدان منازلهن وأفراد أسرهن ومرارة العيش في هذه المخيمات، ما زلن يخشين الفضيحة، فلا يتم الشكوى ضد المتحرش ولا حتى فضحه، بسبب الخوف من أن يتم اتهام المرأة من بقية النازحين من مجتمعها بأنها المذنبة، إلا أنني في زيارات متكررة للمخيم تمكنت من بناء علاقة ثقة وطيدة مع بعض النساء، ووثقت حالات اعتداءات جسدية طالت بعضهن، ومنهن من رضخت بسبب التهديد، وأخريات كُنَّ على قدر من الشجاعة بما يكفي لكشف المبتزّ وإعلام الجهات ذات الشأن".

ليلى عصام،27 عاماً (اسم مستعار)، نزحت مع أخواتها ووالدتها بعد أن قُتل والدها، منذ عام 2016 من منطقة القائم التي تبعد حوالي 400 كم شمال غرب بغداد، بالقرب من الحدود السورية، وتقع على طول نهر الفرات في محافظة الأنبار. تُعدّ القائم من أخطر المناطق التي استولى عليها تنظيم داعش لفترة طويلة، بسبب أهمية موقعها الحدودي، وإلى نهاية عمليات التحرير ما زالت المنطقة متنازعاً عليها، حيث ترفض العشائر عودة بعض النازحين المشتبه بانتمائهم إلى داعش، كما أفادت ليلى.

كانت واحدة ممن تعرضن للتحرش في مخيم الحبانية، وتقول: "المنتسبون في أحد الأبراج المسؤولة عن حماية المخيم كانوا يتعرضون لنا ويلقون الشتائم ويتحرشون باستمرار، وعند تقديمنا شكوى ضدهم، قامت إدارة المخيم بنقلهم فقط، وهذا في الواقع لم ينه المشكلة، لأن من أتى بعدهم مارس نفس الأسلوب، بينما تمتنع بقية النساء اللواتي تعرضن للتحرش من قبل جهات أخرى، مثل الأشخاص الذين يتولون السيطرة على المخيم أو الأفراد الأمنيين وحتى موظفي المخيم، من الإبلاغ كيلا تنقطع عنهن الخدمات، مثل الحصول على المواد الإغاثية أو خيم أفضل لتقيهم برد الشتاء وحر الصيف".

فيما تخشى بعض النساء أن يتعرضن لتهمة أكبر، وهي تهمة الإرهاب والانتماء إلى داعش من قبل القوات الأمنية، كما يتخوفن من الفضيحة، لأن المخيم يمثل بالنسبة لهن مجتمعاً صغيراً، وأي حدث يكون عرضة للانتشار السريع بين أفراد المخيم، حسبما أشارت ليلى.

"تخشى بعض النساء أن يتعرضن لتهمة أكبر، وهي تهمة الإرهاب والانتماء إلى داعش من قبل القوات الأمنية، كما يتخوفن من الفضيحة، لأن المخيم يمثل بالنسبة لهن مجتمعاً صغيراً، وأي حدث يكون عرضة للانتشار السريع بين أفراد المخيم"

مخيم الحبانية يقع في المدينة السياحية بمنطقة الحبانية في محافظة الأنبار، وهو مقسم إلى عدة مخيمات صغيرة، ويضم حوالي 350 عائلة، أغلبهم من منطقه العويسات، ومناطق أخرى، مثل القائم، الجزيرة، الصقلاوية والفلوجة. هذه المناطق لا تزال تسيطر عليها المليشيات وتمنع سكانها من العودة إليها منذ سنوات التحرير.

خلال حديثي مع عدد من المختصين بحقوق النازحين من المنظمات الدولية، قالوا أنهم يحاولون من خلال القوانين الصارمة، أي الملاحقة القانونية والمراقبة والزيارات المستمرة لموظفي الإغاثة، الحدّ من الانتهاكات الحاصلة في مخيمات النازحين واللاجئين في مختلف البلدان، لكنهم يقرّون بصعوبة القضاء عليها، ولا سيما تلك الانتهاكات التي تحدث من قبل المنظمات المحلية أو القوات الأمنية والعاملين في هذا المجال.

عرضة للاستغلال

حول آلية عمل المنظمات الدولية الخاصة بالهجرة والنزوح للحد من الانتهاكات بحق النساء في المخيمات، يقول عمر محمد، 28 عاماً، (اسم مستعار)، وهو عامل إغاثة في إحدى المنظمات الدولية رفض الكشف عن اسمها لأسباب تتعلق بعمله، حيث أن قوانين بعض المنظمات ترفض السماح لموظفيها بالإدلاء بأي تصريح حول عملهم للصحافة، يقول: "تشكلت المخيمات كحلول مؤقتة، فالمواد الأولية (المواد الغذائية الأساسية) يتم توزيعها من قبل إدارة المخيم أو المنظمات العاملة مع إدارة المخيم، وتعمل الإدارة عمل حكومة مصغرة، وغالباً ما يتم استغلال بعض الأشخاص للنازحين في المخيمات، كما أن موظفي المنظمات المحلية هم الذين يحددون من يستحق المستلزمات الغذائية والصحية أو لا. وفي بعض الأحيان يستغل هؤلاء قواعد بيانات النازحين، التي يتم فيها إدراج جميع أفراد الأسرة بالأسماء، تواريخ الميلاد، الجنس، الحالة الاجتماعية، عنوان منزل العائلة، نوع السيارة، تاريخ النزوح وأي فرد من أفراد الأسرة انضم إلى داعش مع تفاصيل عن زمن وفاته، اختفائه أو اعتقاله، فيتم عن طريق هذه البيانات الابتزاز".

ويضيف عمر، أن "استغلال النساء لا يتم عن طريق منح المستلزمات الغذائية وما شابه من قبل إدارة موظفي المخيم فقط، فالصورة النمطية لهؤلاء النسوة أنهن من عوائل منتمية لتنظيم داعش، وبهذا يسهل استغلالهن. سابقاً، بعض النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأصبحن حوامل قبل وفاة أزواجهن أو ممن فقدن وثائقهن خلال فترات النزوح، عندما يردن إصدار وثائق مدنية لأطفالهن كن بحاجة لمراجعة الموظفين المختصين لإصدار هذه المستندات، وفي بعض الحالات يتم استغلال النساء من قبل الموظفين، خاصة إذا كانت العائلة مكونة من نساء فقط، وهذا السائد في المخيمات، حيث يتم استغلالهن من قبل موظفي الدوائر الحكومية أو القوات الأمنية. كما يخشى بعض الرجال مراجعة الدوائر الرسمية خشية حدوث حالة اشتباه بأنه مطلوب أمنياً، بسبب كونه نازحاً من مناطق كانت بؤرة لخلايا تنظيم داعش، وسيكونون دائماً عرضة للاستغلال عند مراجعتهم لإصدار الهويات الرسمية. وبحسب قواعد البيانات المتوفرة لدى إدارة المخيم للنازحين، من الممكن أن يكون الموظفون متواطئين بالمشاركة في استغلال النساء".

"من الممكن أن أواجه تهمة التواطؤ مع النساء"

بعد سنوات من الاقتتال الطائفي والتمييز العرقي، ما زالت بعض المدن ترفض عودة النازحين إلى مناطق سكناهم، منها ناحية "الحضر" في الموصل، والتي تسيطر عليها قوات الحشد الشعبي ولا يُسمح لهذه العوائل بالعودة إلى مناطقهم، أيضاً منطقة جرف الصخر، جنوب غرب بغداد، الواقعة تحت سيطرة ميليشيا كتائب حزب الله منذ عام 2014، والتي تمنع العوائل من العودة اليها منذ سنوات، ومناطق صلاح الدين وبيجي والقائم الواقعة تحت سيطرة مجاميع من الحشد الشعبي والعشائر.

هذا ما أكده أسامة الهيتي، 26 عاماً، (اسم مستعار)، وهو عضو اللجان القانونية في مركز النماء لحقوق الإنسان من محافظة صلاح الدين، وسط العراق.

يقول أسامة "إن مجموعة من النازحين حاولوا العودة إلى مدينة القائم، ومنعت العشائر المتعاونة مع بعض الميليشيات، مثل كتائب حزب الله، عودتهم، ما اضطرهم للعودة إلى المخيم، والذي رفض إعادة استقبالهم إلا بعد مطالبات إدارة المخيم للسماح لهم بدخول المخيم من جديد، كما أن التغيير الديموغرافي للعديد من المناطق المحررة كان السبب الرئيسي لمنع عودة النازحين، واستيلاء المليشيات على ممتلكات العوائل من الأراضي الزراعية وبقية العقارات، ففي بعض المناطق فرضت الميليشيات الأتاوات على أصحاب الأراضي، وبيعت بثمن زهيد تحت التهديد، وتعد منطقة جرف الصخر بمثابة ثكنات عسكرية لكتائب حزب الله، لذلك يتعذر على النازحين من ساكني هذه المناطق العودة إليها".

يضيف أسامة "خلال زيارتي مع إحدى الفرق التطوعية لأحد المخيمات، لتقديم المساعدات الغذائية التي كانت تُجمع على شكل تبرعات من قبل التجار وبعض الأفراد، وثّقت عدداً من الانتهاكات حول النازحين، منها ابتزاز موظفي المخيمات والجهات الأمنية لبعض النساء مقابل علاقات جسدية لتسليمهم المساعدات الغذائية. حاولت مساعدة بعضهن، لكن هذا كان مستحيلاً مع عدم وجود حماية أمنية لهم، حيث تم إبلاغي من قبل جهات أمنية بأن من الممكن أن أواجه تهمة التواطؤ مع النساء في أعمال إرهابية".

"فالصورة النمطية لهؤلاء النسوة أنهن من عوائل منتمية لتنظيم داعش، وبهذا يسهل استغلالهن"

"أشعر بالرعب"

أمل محمد، 17 عاماً، قدمت منذ 5 سنوات مع عائلتها من ناحية جرف الصخر، تبعد حوالي 60 كم جنوب غرب بغداد، إلى مخيم عامرية الفلوجة للنازحين الواقع في محافظة الأنبار.

بعد مقتل شقيقها المنتمي إلى تنظيم داعش، أثناء فرارها مع عائلتها، تقول: "في كل مرة يحضر رجال الأمن إلى المخيم للتفتيش أشعر بالرعب. بعضهم كان يحاول التحرش بي أثناء التدقيق الأمني، حيث أنهم يقومون باستجواب جميع سكان المخيم حول أفعال وأماكن وجود أقاربهم المشتبه في انتمائهم إلى داعش، كنت أمثل فريسة سهلة بالنسبة لهم، لأن لدي شقيق متورط مع تنظيم إرهابي. في إحدى المرات قمت بركل شرطي لأنه حاول مضايقتي. أعلم أنه من الممكن أن أواجه مع عائلتي تهمة الإرهاب لكن سأدافع عن نفسي".

تتحدث أمل عن أحلام الفتيات ممن هن في سنها في هذا المخيم، لتصور لنا مقولة "لكل امرئ من اسمه نصيب"، كمراهقة تعيش شغف الأحلام لتحقيقها، وهو أن تصبح مُهندسة معمارية كما تأمل، ربما ستتمكن من العودة يوماً إلى مدينتها وتعيد بناء منزلها مع والدها وشقيقاتها الصغيرات، لكنها ترى استحالة ذلك في الوقت الحاضر، لأن الميليشيات التي تسيطر على ناحية جرف الصخر أمثال "كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء"، هي من الفصائل المرتبطة بشكل وثيق مع إيران، وتمنع عودة النازحين إلى هذه المدينة.

يضم مخيم عامرية الفلوجة حوالي 40 عائلة، ويبلغ عدد النساء فيه 101 امرأة، لا تختلف ظروف المخيم عما سبقه من المخيمات في شحّ الامدادات الغذائية وانعدام وسائل الراحة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف لتصل إلى 42 درجة مئوية، ومع انتشار فيروس كورونا أصبح من الصعب على العاملين التنقل وتوزيع المساعدات، خشية الإصابة أو بسبب فرض حظر التجوال في معظم المدن.

عثمان الشلش، 29 عاماً، صحفي في موقع "ألترا عراق"، من محافظة أربيل، مهتم بشؤون الأقليات والنازحين، يشير إلى أن "التركيز الإعلامي على المخيمات التي تضم متطرفين، مثل مخيم الهول الواقع على المشارف الجنوبية لمدينة الهول في محافظة الحسكة، شمال سوريا. بالرغم من أن العائلات في المخيم قد خضعت للتدقيق عند وصولها، وتم التحقق منها أمنياً بعدم انتمائهم لتنظيم داعش، وأنهم فقط عوائل أفراد تابعين للتنظيم، أصبح هذا الحال هو الصورة النمطية عن كل النازحين في المخيمات، وهو السبب الرئيسي لرفض السكان في المناطق المحررة تقبل وجود النازحين بينهم".

كورونا وازدياد مخاوف النساء

مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، أكثر ما يُثير مخاوف النساء في مخيمات النزوح هو القلق من عدم القدرة على الوصول إلى الدعم الطبي لهن ولأطفالهن، رؤية الطبيب النفسي أو التنقل كما اعتادوا من أجل الوصول إلى الضروريات، مثل الطعام والماء.

بان خليل، 30 عاماً، ناشطة نسوية وباحثة اجتماعية في برامج حماية الطفل، من بغداد، تقول: "منذ عمليات تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش وأنا أسمع قصصاً مروعة لعدد من النساء اللاتي تم اغتصابهن وابتزازهن جسدياً ونفسياً، مقابل حصولهن على أبسط مقومات الحياة، من الغذاء والرعاية الصحية، مع إهمال قضايا النازحين أو استغلالها لأجل قضايا سياسية وطائفية. من المؤلم سماع أن هناك امرأة تتعرض للاغتصاب من أجل العيش في خيمة آمنة لها ولأطفالها".

وتتابع بان: "كما أنه من المعروف أن القانون العراقي لم ينصف المرأة في أحلك الظروف، فضلاً عن احتوائه على ثغرات من شأنها السماح للمجرم أو المبتز أن يفر من جريمته، لذلك لا أعول عليه، ومن الشائع في مجتمعنا العراقي أن ثقافة الشكوى ضد المتحرش معدومة، بسبب الوصمة الاجتماعية السائدة وما إلى ذلك".

ترى بان أن مساعدة هذه الفئة هو بتشكيل حلقات وتجمعات مهمتها توعية النساء في مخيمات النزوح، بتقديم شكوى للمسؤولين عن دعم المخيم من الجهات الدولية وليس للموظفين المحليين، ضد كل من يحاول ابتزازهن أو الدفاع عن أنفسهن في أشد الظروف تعقيداً، مع استمرار الضغط على الجهات السياسية لتأمين عودتهن إلى مناطقهن بأمان.

"لإقناعهن بالعمل في الدعارة"

في مخيم الجدعة في ناحية القيارة بمحافظة الموصل، التقيت مع سهى محمود 27 عاماً، (اسم مستعار)، والتي نزحت مع والدتها من مدينة الموصل عام 2016، بعد تعرض منزلها للهدم ومقتل 5 من أفراد عائلتها جراء المعارك ضد تنظيم داعش.

تتحدث سهى عن كيفية استغلال أحد المسؤولين عن حراسة المخيم حاجة عدد من النساء المادية، أو الحاجة للحصول على الغذاء والمستلزمات الصحية الأخرى، لإقناعهن بالعمل في الدعارة لعدد من الأشخاص من خارج المخيم، فكان هذا الشخص يعمل على عرض النساء لعدد من الرجال مقابل مبلغ مادي يحصل فيه على نسبة أعلى، ويعطي مبلغاً صغيراً جداً لتلك النساء.

كان هذا الشخص يُسهل خروجهن ليلاً إلى خارج المخيم لممارسة الدعارة، وبدأت هذه الشبكة من النساء بالتوسع لتشمل فتيات من مختلف الأعمار حتى القاصرات، وعند رفض إحداهن الانضمام إلى هذه الشبكة، يقوم بتهديدها إما بإبلاغ ذويها عمّا تفعل أو مضايقتها وعائلتها في المخيم وحرمانها من الحصول على الخدمات. ومن المتعارف عليه أن من تنخرط في هذه الأعمال الجنسية المشبوهة لا يمكنها الإفلات منها بسهولة، وهذا يشمل إما الترغيب بالمال أو التهديد.

تواصل سهى الحديث: "بعد حوالي عام ونصف من هذه الممارسات لم أعدْ احتمل الأذى الجسدي والنفسي. في كل مرة يجب علي الخروج من المخيم ومنح جسدي لرجل فقط لكي أبقى بأمان، أو للحصول على مبلغ مادي قليل... كان الأمر مروعاً. فكرت مراراً بالذهاب إلى إدارة المخيم للشكوى لكن تراجعت خوفاً من أن يكونوا متواطئين معه، لذلك تمكنت أخيراً من الحصول على رقم الطوارئ لإحدى المنظمات الإنسانية التي كانت تقوم بزيارات متكررة للمخيم، وأبلغت عن هذا الشخص، وبعد التحقيق تم طرده من المخيم ونُقلت جميع النساء ممن كن في مثل حالتي إلى مخيمات متفرقة، لضمان عدم إلحاق الأذى بهن من قبل بقية العاملين في المخيم، إضافة إلى الحفاظ على خصوصية وأمان النساء".

 انتهاكات جسدية ونفسية

مخيم الجدعة يضم حوالي 20032 نازحاً، ويبلغ عدد النساء فيه 10375 امرأة، تحت إدارة منظمة محلية تدعى RNVD، بدعم من منظمة الهجرة الدولية IOM، ويفتقر المخيم للمساعدات الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل على مدى الأعوام الأخيرة. وأدى تفشي جائحة كورونا لتعليق وكالات الإغاثة وخفض الخدمات لسكان جميع المخيمات، خاصة وأن ومعظم العائلات لم تتمكن من العثور على عمل منذ انتقالها إلى مخيم النازحين.

هشام الموزاني، 33 عاماً، صحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، يؤكد أن ما يحدث من انتهاكات جسدية ونفسية بحق النازحين في المخيمات هو نتيجة الفقر وقلة المراقبة، والحاجة المادية لمتطلبات العيش من الماء والغذاء، كذلك منح النفوذ لأشخاص غير مهنيين، مثل الأفراد المسؤولين عن حماية المخيم وعدد من عاملي الإغاثة والميليشيات في مناطق النزوح، وهذا يساهم بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة.

يُبين الموزاني: "إن وضع الانتهاكات لا يمكن إنهاؤها إلا بانتهاء أزمة النزوح، حيث أن مسألة النزوح ذات بُعد سياسي بالدرجة الأولى، وقد كشفت ضعف الحكومة العراقية لعدم امتلاكها خططاً بديلة في حالات الطوارئ التي قد تتعرض لها البلاد، ومراكز القوى في البلاد استغلت نفوذها وحاجة الناس إليها، ما أدى إلى انتشار الدعارة وتجارة النساء، نتيجة البحث عن الحماية أو الضائقة المالية".

يشدد هشام حول إمكانية المراقبة واستمرار العمل على أن تكون هناك فرق خاصة لمراقبة أحوال النساء والأطفال لمنع استغلالهم في المخيمات.

كما أوضح أن "بعض السياسيين يحاولون زيادة حجم الانتهاكات في مخيمات النازحين لزيادة رصيدهم الانتخابي، أي استمرار معاناة النازحين لكسبها كورقة رابحة مع بداية كل دورة انتخابية، كأوراق تفاوض لدى سياسيي المكون السني، لعرضها أمام البرلمان بذريعة فشل أطراف المكونات الأخرى بحل أزمة النازحين".

يبدو أنَّ آخر ما تهتم به تلك النساء هو الصراع السياسي والطائفي الذي يمنع عودتهن، إذ إنَّ هؤلاء النساء اللاتي تعرَّضن للاغتصاب ولأشكال مختلفة من الابتزاز في المخيمات، وهن ضحايا فشل الحكومة والسلطات العسكرية التي ينحصر اهتمامها في الحفاظ على أجنداتها ومصالحها الشخصية.

منذ أربع سنوات لم يشجب مسؤول حكومي، رغم التغيير الحاصل في الوجوه السياسية، ما تتعرَّض له النساء، في الوقت الذي تنشط فيه الجماعات المسلحة في البلاد مع تفشي سيطرتها على مختلف مفاصل الحياة.

"بعض النازحات اضطررن للانخراط في الأعمال الجنسية، بسبب الحاجة المادية وفقدان المعيل الوحيد لعوائلهن وأطفالهن، دون الالتفات إليهم من قبل الجهات الحكومية المختصة لمساعدتهن"

"عمليات الاغتصاب والتجارة الجنسية جذورها اقتصادية"

سارة مؤيد، 25 عاماً من مدينة تكريت، عاملة في مجال الدعم النفسي لإحدى المنظمات، تقول "إن أغلب عمليات الاغتصاب والتجارة الجنسية جذورها اقتصادية، ابتدأت منذ أول أيام النزوح وانتشرت بشكل سريع في المخيمات نتيجة الحاجة المادية. وتكونت شبكات الاتجار بالبشر، حتى أن بعض الخيم تم تحويلها إلى مناطق دعارة تحت حماية المسؤولين عن حمايتها، مقابل وعود مادية أو وعود بالهجرة للنساء، وأن شيوخ وكبار بعض العشائر في مناطق المخيمات، المسيطرون عليها، والقوات الأمنية بمختلف أصنافها، كانت تلعب دوراً أساسياً في هذه الممارسات".

أكدت سارة عن تعرضها هي وعدد من عاملي الإغاثة وقسم من أفراد القوات الأمنية عند محاولاتهم منع هذه الانتهاكات أو الحد منها إلى التهديد، حيث تم تهديد بعضهم من قبل قوى مسيطرة بشكل أكبر على المخيمات، وهي الميليشيات التي تفرض سيطرتها على المناطق المحررة، مثل الحشد الشعبي وبعض المتنفذين من العشائر الذين يملكون النفوذ والمال في هذه المناطق.

تواصل مؤيد حديثها عن انتشار حالات تزويج القاصرات في بعض المخيمات، لكن الزواج الرسمي المتعارف عليه ويُدعى "الزواج المؤقت"، وهو نوع من الدعارة المُغطاة، ويتم انتقال الفتاة القاصر من رجل لآخر لفترة وجيزة مقابل مبلغ مادي لذوي الفتاة، أو عبر إخضاعها بالتهديد.

"تكونت شبكات الاتجار بالبشر، حتى أن بعض الخيم تم تحويلها إلى مناطق دعارة تحت حماية المسؤولين عن حمايتها"

محمد أمير، 28 عاماً، (اسم مستعار)، هو مدير فريق إدارة المخيمات، يقول: "معظم النازحين من مدينة القائم عند عودتهم إلى مدينتهم واجهتهم العشائر هناك بالرفض، وتم تهديد عدد منهم عن طريق بلاغ تحذيري بوجوب ترك المدينة والرجوع للمخيم. حاولت المنظمات الدولية عقد ما يسمى هدنة مع العشائر بمساندة القوات الأمنية منذ عام 2019، لكنها بائت بالفشل لوجود عائلات فقدت أولادها على يد داعش، لذلك هذه العشائر ناقمة على جميع النازحين ممن يُشتبه بتورطهم بالتنظيم، وهذه الفجوة بين النازحين ممن يود العودة إلى مدينته يولد خطراً أكبر من خطر المجاميع الإرهابية في المستقبل، بسبب عدم تقبل جهة ما لهم ونبذهم، مما يسهل زيادة مستوى التطرف بين السكان".

"بعض النازحات اضطررن للانخراط في الأعمال الجنسية"

تتحدث نجاة الطائي 40 عاماً، عضو مجلس محافظة ديالى، ومشرفة على "مخيم سعد" في محافظة ديالى، عن ظروف المخيم: "مع بداية عمليات النزوح كانت العوائل منتشرة بدون مأوى، خاصة النساء والأطفال، لذلك قمت بإنشاء مخيم للنازحين بمساعدة بعض الدوائر الخدمية من دائرة البلدية والكهرباء، يحتوي على 240 كرفاناً، لتضم عوائل من مختلف أقضية المحافظة من (جلولاء، شمال المقدادية، السعدية، دلة عباس، العظيِم والشريف)، مع الإشراف على المخيم بشكل شخصي، وإصدار بطاقات تعريفية لكل فرد هناك، ومنع دخول أي جهة غير مخولة التعاون مع النازحين، حتى الصحفيين، للحفاظ على أمن النازحين".

وتضيف نجاة: "الآن، غالبية النازحين من قضاء جلولاء عادوا إلى مدينتهم بعد أن تم السيطرة عليها من قبل البشمركة والتحقق منهم أمنياً، على الرغم من أن مناطقهم ما زالت مهدمة بالكامل أثناء عمليات التحرير".

تبين الطائي: "تكمن المشكلة الأساسية لدينا مع نازحي قضاء المقدادية، بسبب سيطرة الميليشيات على مدنهم والتي تحول دون عودتهم، ورفض العشائر المتعاونة مع هذه الميليشيات لهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية من جهة أخرى. فبعض الأفراد من المليشيات والعشائر هناك قامت بكتابة عبارات كراهية وتأجيج العنف مثل (مطلوب دم) على ممتلكات السكان من النازحين، لإجبارهم على تركها أو بيعها بثمن زهيد، وخلاف ذلك يتم التهديد بتفجيرها. أما الحال مع نازحي قضاء العظيم ممن عادوا لمناطقهم، فهم يواجهون استيلاء المليشيات على أراضيهم الزراعية، لتصبح هذه الجهات بمثابة الإقطاعي على النازحين، والأخير هو من يعمل كأجير في أرضه بعد أن كان هو المالك، أو أن يتم ابتزازهم بدفع نصف ثمن محصول الأرض الزراعية، حيث أن النازحين قبل الفرار من منازلهم، كانت الزراعة مصدر دخلهم الرئيسي".

وأكدت بوجود 100 عائلة حالياً، هم من قضاء المقدادية في مخيم سعد بعقوبة، لصعوبة عودتهم إلى مدنهم، وأن بعض النساء من النازحات اضطررن للانخراط في الأعمال الجنسية، بسبب الحاجة المادية وفقدان المعيل الوحيد لعوائلهن وأطفالهن، دون الالتفات إليهم من قبل الجهات الحكومية المختصة لمساعدتهن. فالجميع يود العودة إلى مناطقه، لأنهم يعلمون بعدم وجود مستقبل لهم في المخيمات بدون عمل ولا تعليم لأولادهم، وافتقارهم للرعاية الصحية.

منهجية التقرير

استند هذا التقرير إلى مقابلات مع نحو 50 شخصاً في محافظات نينوى والأنبار وديالى، على مدار عدة زيارات لمخيمات النزوح المنتشرة في العراق. شملت المقابلات موظفي الأمن وعاملين في منظمات محلية ودولية، ونساء نزحوا جراء القتال ضد داعش منذ عام 2014 إلى هذا الوقت عام 2020.

قسم منهن عدن إلى مدنهن، ولضعف الحصول على الموارد الغذائية أو بسبب تعرضهم للطرد والتهميش من سكان بعض المناطق، عاودن الرجوع إلى المخيم.

جميع من في المخيم كانت قصصهن متشابهة من حيث الظروف المعيشية وطرق الابتزاز والتحرش، فيتم ابتزاز من فقدت زوجها بتهمة الانتماء لداعش، أو ابتزاز من لديها طفل مقابل حصولها على الغذاء، ناهيك عن تكرار انتشار أسلوب التجارة الجنسية بالترغيب والترهيب، لذلك ترى أن القصص مُختصرة وتعمدت عدم تكرارها، رغم تشابه القصص في مختلف المخيمات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard