العرب الأمريكيون في السينما... المخيلة المرئية للهوية الهجينة

الخميس 16 يوليو 202007:16 م

ليس أمراً غريباً أن نجد الكثير من الدراسات حول تصوير أفلام هوليود للعرب الأمريكيين بصورة نمطية تقليدية، لكننا لا نزال لا نعرف الكثير عن منهجية تصوير العرب الأمريكيين في الأفلام العربية، والأهم من ذلك، كيفية تصويرهم في أعمال صناع السينما من العرب الأمريكيين أنفسهم.

"العرب الأميركيون في السينما: من هوليوود والصور النمطية المصرية إلى التمثيل الذاتي" كتاب للبروفيسور وليد مهدي يصدر قريباً ليستكشف دور الصناعة السينمائية في فضاءات ثلاث: هوليوود ومصر والسينما العربية الأمريكية، ويقارن بين تقديم الثقافة والهوية العربية الأمريكية في كل منها. الكتاب من منشورات جامعة سيراكيوس، ويأتي استكمالاً سلسلتها التي تعنى بالدراسات العربية الأمريكية الحديثة.

مهدي، أستاذ مساعد في جامعة أوكلاهوما، يحاضر في أقسام الدراسات الدولية والدراسات الإقليمية وقسم اللغات الحديثة والآداب واللغويات، يقدم في بحث مبتكر تحليلاً مقارناً لهذه المؤسسات السينمائية الثلاث، يثمر عن نظرة شاملة على المستويات التي يتم فيها خلق صور العرب الأمريكيين في السينما والطرق التي يتم فيها دحض هذه الصور.

منذ السبعينات، تبنت إنتاجات هوليوود السينمائية صورة تختزل العرب الأمريكيين: إما ليظهروا فيها كتهديد للأمن القومي أو ليرتبط وجودهم بمخاوف تتعلق بالسياسة الخارجية. وفي المقابل، استقطبت الصناعة السينمائية المصرية صور الأمريكيين العرب منذ التسعينيات لتحميلها الخطاب القومي النقدي لسياسات الولايات المتحدة.

وبينما تعكس كلتا الصورتين تجذر المخاوف السياسية حول العولمة والهجرة والرعب من الاختلاط الثقافي، على النقيض من هذا، تقدم السينما العربية الأمريكية صوراً مركبةً وعميقة وتتسم بقدر أكبر من الواقعية في تمثيل الهوية العربية الأمريكية وتراعي الفوارق الدقيقة بين جوانب الهويات الهجينة.

في كتابه "العرب الأمريكييون في السينما" يستكشف الباحث وليد مهدي طيفاً واسعاً من الإنتاج السينمائي في فضاءات ثلاث: هوليوود ومصر والسينما العربية الأمريكية، ويقارن بين تقديم الثقافة والهوية العربية الأمريكية في كل منها

في مقابلة معه، نشرت في مدونة جامعة سيراكيوس الالكترونية، يذكر مهدي أنه باستكشافه لطيف واسع من الأفلام التي صنعتها كل من هذه المؤسسات السينمائية، يتتبع مهدي السرديات المختلفة عن الانتماء العربي الأمريكي- محاولاً إيجاد إجابات عن كيفية وسبب اختلافها، وماهية طروحاتها، مستدلاً على ذلك بتجربته الشخصية كمواطن أمريكي من أصول يمنية يواجه، صعوبة في فهم هويته الهجينة في العالم العربي، وأزمةً ناتجةً الإدانة والتشكيك الذين تفرضهما النظرة العنصرية لأصوله العربية في الولايات المتحدة.

لماذا استهدف كتاب مهدي المشهدين السينمائيين الأمريكي والمصري؟

لعل ما يبرز أهمية الصناعة السينمائية في كل من مصر وأمريكا، هو الانتشار العالمي الذي تحققه أفلام هوليوود من جهة، والانتشار المحلي والعربي الواسع الذي تحققه السينما المصرية من جهة أخرى. وبرأي مهدي فقد أنتجت في هوليوود، على مر عقود، أعمال قدمت نماذجاً عن المواطن الأمريكي الصالح ومعاني الهوية الأمريكية بشكل يستبعد الأمريكيين العرب والمسلمين مع غيرهم من الأمريكيين الأصليين واللاتينيين والآسيويين واليهود والأفارقة، من بين أقليات أخرى في نسيج المجتمع الأمريكي.

وعلى نقيض الصور الهوليوودية عن العالم العربي، كرست السينما في مصر سرديات نقدية مناهضة للاستعمار الغربي العسكري والثقافي تأكيداً منها على الهويتين العربية والإسلامية. ولأن مصر تعتبر موطناً لأكبر صناعة سينمائية عربية، فإن البحث في إنتاجها السينمائي يقدم مقابلاً لهوليوود باعتبارها تمثل السينما العربية الأكثر انتشاراً والأغزر إنتاجاً، كما أنها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم العربي.

منظومة الثنائيات المتضادة السائدة في الصناعة السينمائية في كل من هوليوود ومصر  تقوم إما على تمجيد الثقافة الأمريكية وتشويه الثقافة العربية أو على العكس، مما لا يفسح المجال لتكوين مخيلة عن العرب الأمريكيين كمجتمعات مركبة ومتعددة الهويات

قامت كلتا الصناعتين بدورٍ رئيسي كوسيط لمخيلة السلطة الحاكمة عن الثقافتين العربية والأمريكية. والمقارنة بينهما، من وجهة نظر مهدي، تكشف عن اختلاف المخيلة الثقافية ما بين الشرق والغرب حول مفاهيم "الذات" و "الآخر" الموجودة في كل من الخطابين القوميين الأمريكي والعربي.

وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين هاتين الصناعتين في القوة والإنتاج والتداول، إلا أنهما، على حد سواء، تتبعان نظاماً من الثنائيات المتضادة يعتمد في هوليوود على تمجيد الأمريكيين وتشويه العروبة في وعلى العكس في السينما المصرية. الأمر الذي لم يترك مجالاً لتخيل العرب الأمريكيين كمجتمعات معقدة تتصف بتعددية الهويات والتجارب.

في عصر متخم بالمحتوى، ما أهمية الأفلام في هذه الدراسة؟

برغم ازدحام البيئة الإعلامية خاصة مع تطور جودة المسلسلات التلفزيونية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات العرض القائمة على الاشتراك، يعتقد مهدي أن الفيلم لا زال يعتبر وسيلة مهمة على عدة مستويات في الثقافة الشعبية، خاصة في دول مثل الولايات المتحدة ومصر، فهو يؤدي دوراً ترفيهياً وتعليمياً أيضاً. حيث يرى أن أهمية الأفلام تكمن في تقديمها صوراً مرئية في قوالب رمزية تعكس وتصوغ الذاكرة الجماعية للأمة والهوية الوطنية بمظهر ترفيهي.

ونظراً إلى أن العالم اليوم يتمحور بشكل متزايد حول المادة المرئية ووساطة الصورة، غالباً ما تعتبر الأفلام بمثابة أدوات تعليمية كوسائل بصرية ومنصات للتوثيق ومرايا للواقع. كما يجعل تنوع الأنماط السينمائية من الفيلم وسيطاً للأفكار والعواطف ضمن غلاف ترفيهي يعزز قدرته على التواصل مع الجماهير بالصوت والصورة وإسهامه في تكوين مفاهيمهم الوطنية والثقافية وأسس الانتماء لديهم. إضافة إلى أن السينما أصبحت بفضل هذا التطور الإعلامي في متناول الجماهير بمختلف الشرائح بمعزل عن مقدرتهم اللغوية أو حالتهم التعليمية أو خلفيتهم الثقافية.

أثر الهوية الهجينة للباحث

يؤكد مهدي على أن أحد الأهداف الرئيسية للكتاب هو توضيح أن الصعوبات التي يواجهها العرب الأميركيون من أجل الانتماء والمواطنة ليست نتاج الاستشراق الأمريكي والتاريخ العنصري بشكل حصري، بل هي ناتجة عن عنصرية المخيلة الثقافية للسردية القومية للولايات المتحدة والعالم العربي. ويشير إلى أنه يستوحي هذا الاعتقاد من تجربته الشخصية كمواطن أميركي من أصول يمنية يجد نفسه في مواجهة مستمرة مع تناقض خطاب الانتماء والمواطنة الأمريكي مع نظيره لدى العرب اليمنيين والمسلمين.

يشير مهدي إلى ما اختبره من خلال زياراته لبلدان عربية ومسلمة من محاولات لجعل انتمائه محصور بفئة معينة: إما عربي مسلم أو أمريكي،  وتعميم الافتراض بعدم اتساق هاتين الهويتين. وفي المقابل، شهد عقب عودته إلى الولايات المتحدة من أي من هذه الرحلات الخارجية تشديداً أمنياً عليه، سواء قبل الصعود إلى الطائرة في طوكيو ولندن ودبي والدوحة وعمان، أو عند الهبوط في مطار أوهير في شيكاغو. يعود هذا برأيه "إلى قلق مؤسساتي حول خلفيته العرقية وربطها باحتمالية الفعل الإرهابي لديه".

"بما أنني أعتبر نفسي مولعاً بالسينما، فقد شاهدت مئات الأفلام التي تعزز الشعور بالاغتراب الذي مررت به في السفر وأثناء نشأتي الثقافية الهجينة". وهذا الشعور بالاغتراب، يقول مهدي، هو ما يجرد أمثاله من العرب الأمريكيين من قدرتهم على "إيجاد فضائهم الثالث غير المحصور بأصول ثقافية محددة" بشكل لا يقدم العرب الأمريكيين كأجانب في الثقافة الأمريكية ولا كخونة لإرثهم العربي. ولهذا السبب يعنى الكتاب بالأفلام العربية الأمريكية الناشئة التي تقدم تعريف العرب لأنفسهم بدلاً من تعاريف الآخرين لهم.

الحلم الأمريكي والحلم المصري

يشير وليد مهدي في دراسته لصورة العرب الأمريكيين في السينما إلى أن الأفلام المصرية، لم تعبر فقط عن خيبة الأمل في الحلم الأمريكي، إنما تتخيل حلماً مصرياً مقابلاً له ويضاهيه، بينما ترسخ الأفلام الأمريكية في تقديمها للحلم الأمريكي، امتياز العرق الأبيض والعنصرية المؤسساتية والتمييز العرقي

بينما ارتبط الحلم الأمريكي في السينما المصرية بشعور الخيبة واللاجدوى واستحالة التحقق، حث صناع هذه السينما جمهورهم على البحث عن أحلامهم في مصر. ويشير مهدي إلى أن السينما المصرية وجهت خطاباً نقدياً ذو توجه وطني للافتتان الجماهيري بالثقافة الأمريكية منذ ستينيات القرن الماضي بدءاً من فيلم "أمريكاني من طنطا" (1954) وحتى الوقت الحالي كفيلم "طلق صناعي" (2017). كان هذا مدفوعاً بقلق وطني من أن تفقد مصر جاذبيتها كمكان للعيش وتصبح أمريكا الوطن المتخيل البديل، بحسب مهدي.

ولهذا السبب فإن الأفلام المصرية، لا تعبر فقط عن خيبة الأمل في الحلم الأمريكي، إنما تتخيل حلماً مصرياً مقابلاً له يحول دون مغادرة المصريين لوطنهم. ويذكر المؤلف أن هذا النقد للحلم الأمريكي وبناء نقيض له لا يقتصر على تصوير أفلام عن المهاجرين المصريين فحسب، بل يتضمن انتقاداً شديداً لترويج طبقات النخبة المصرية للاستهلاك والاقتصاد النيوليبرالي باعتباره تحقيقاً عالمياً للحلم الأمريكي في مصر.

أما بالنسبة للتجارب الأمريكية، فقد كان الحلم الأمريكي يستهدف دائماً بناءً اجتماعياً سياسياً يهدف إلى دعم المشروع القومي الأمريكي، الذي غالباً ما ترسخ في امتياز العرق الأبيض والعنصرية المؤسساتية والتمييز العرقي. أما الأفلام العربية الأمريكية التي شملها البحث، فهي تحتفي بالحلم الأمريكي وتنتقد محدوديته في الوقت ذاته.

أفلام مثل (American East (2007), Amreeka (2009), The Citizen (2012 تقدم قصص شخصيات عربية مهاجرة تسعى لتحقيق تطلعاتها الخاصة في الولايات المتحدة، ولكن لا تمر هذه القصص دون توجيه انتقادات لاذعة لإغفال ضرورة اندماج هؤلاء الأفراد في المجتمع من خلال الحلم الأمريكي نفسه، وللنظام العنصري الذي ساد واقع ما بعد 11 سبتمبر ليشكل تحدياً مستمراً لانتمائهم. ومع أن الشخصيات تحظى بنهايات سعيدة، إلا أن هذه الأفلام تشكك في إمكانية تحقيق الحلم في بلد يشكك في هوية وكيان المهاجرين العرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard