التدقيق المالي الجنائي وحكم العصابة... لا يمكن لمسببي الخراب أن ينقذوا لبنان منه

الخميس 16 يوليو 202002:42 م

لا يمكن لعاقل أن يتخيّل أن من كانت مصالحه سبباً لكل هذا الخراب، يمكن أن ينقذ البلاد منه وهو لا يزال يمسك بناصية القرار.

ولبنان، وباعتراف الجميع، بلد منهوب وليس بلداً مفلساً، بلد منهوب ومنكوب بحكّامه الذين يتّبِعون النهج المافيوي إياه، ويتوحدون في الصراع ضد انتفاضة الشارع منذ السابع عشر من تشرين. يواجهونها كل بطريقته، فمنهم من يواجه بالعصا والبلطجة المليشياوية، منهم من يحاول الالتفاف والتسلّق عليها ومنهم من يواجهها بالأدوات النظامية للدولة، ولا يمكن للنهج المافيوي المسيطر أن يتحوّل بيقظة ضمير إلى نهج يحاسب ويعيد الحقوق إلى أهلها.

الحديث عن التدقيق المالي الجنائي في لبنان، في ظل استمرار سيطرة القوى إيّاها التي نهبت المال العام وأموال المواطنين الخاصة، هو كلام عبثي لا يمكن البناء عليه، ولو جاء نتيجة ضغوط صندوق النقد الدولي لاستكمال مفاوضاته مع الحكومة اللبنانية الممسوكة بقرار القوى المافيوية إياها، لتقديم المساعدة (القروض) اللازمة لالتقاط الأنفاس.

لقد عاش لبنان خلال عقود ثلاثة، منذ توقفت الحرب، تحت سيطرة أمراء الحرب والمال الذين أسسوا لنظام مناهبة متوحش، انتهى اليوم بالبلاد إلى انهيار شامل في كافة القطاعات التي كبّدت الدولة والمجتمع عشرات مليارات الدولارات دون أن يقوم لها قائمة، فأين ذهبت كل تلك الأموال؟

بحسبة بدائية بسيطة، يمكن فقط مقارنة مجموع ما نُهب مع مجموع ما جمع أهل السلطة من ثروات، لنكتشف أين ذهبت كل هذه المليارات.

الحديث عن التدقيق المالي الجنائي في لبنان، في ظل استمرار سيطرة القوى إيّاها التي نهبت المال العام وأموال المواطنين الخاصة، هو كلام عبثي لا يمكن البناء عليه

لسنا بحاجة إلى صندوق النقد الدولي ولسنا بحاجة إلى مؤسسات التدقيق المالي ولا مؤسسات تدقيق جنائي. نحن بأمسّ الحاجة إلى وضع حكم ثورة تشرين موضع التنفيذ. #كلن_يعني_كلن، ينبغي كف أيدي من تولى إدارة المال العام منذ ثلاثة عقود وحتى اليوم، تجميد حساباتهم، مقاضاتهم وتوظيف أموالهم في عملية الإنقاذ المالي والاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، ريثما يقرر القضاء المستقل قيمة الأموال المنهوبة ويأمر باستردادها، وقيمة الأموال المشروعة ويقرر إعادتها لأصحابها إن كانت من شيء مشروع جنته أيدي المتسلطين.

وحيث لا يمكن التعويل مطلقاً على أي دور للقضاء أو لأي من مؤسسات الدولة طالما هي واقعة حكماً تحت سيطرة هؤلاء اللصوص، فإن إسقاط نظامهم يكتسب الأولوية المطلقة على أي هدف آخر، بما فيها شعار استقلالية القضاء، استرداد الأموال المنهوبة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة.

والحديث عن تحقيق إنجازات هنا وهناك لمراكمة تقود إلى التغيير الشامل، ليس سوى كلام فارغ تشجع عليه بعض أطراف المافيا المسيطرة، كشكل من أشكال الالتفاف على الثورة.

أما بالنسبة للتدقيق المالي الجزائي، فنلاحظ كيف أُطلق وكيف تمت عرقلته كمقدمة للتخلّي عنه ونسيانه. فبناء على طلب صندوق النقد الدولي، قررت حكومة حسان دياب إجراء هذا التدقيق، وكلفت بتاريخ 23 نيسان/ أبريل الماضي، وزير ماليتها غازي وزني، الذي هو في نفس الوقت مستشار رئيس حركة أمل ورئيس البرلمان، نبيه بري، إجراء الاتصالات والتفاوض مع مؤسسة كرول للتدقيق المالي الجنائي، والاتفاق معها للبدء بهذا التدقيق في مصرف لبنان، وأعطي هذا الوزير مهلة شهر لإنجاز هذه المهمة.

اللافت أن الوزير وزني لم يقدم أي تقرير عن مهمته هذه لمجلس الوزراء على مدى ثلاثة أشهر، كما أن مجلس الوزراء لم يسأله عن هذه المهمة خلال الأشهر الثلاثة، والتي بعد انقضائها جاء وزني ليقول إن مؤسسة كرول للتدقيق المالي الجزائي ترتبط بحكومة الكيان الصهيوني، وبالتالي لا مجال للتعاقد معها. أما الأبرز في كلام وزني فهو قوله: "القوى السياسية التي أنتمي إليها ترفض التوقيع مع أي شركة تدقيق جنائي" (النهار 30/6/2020) بذريعة أنه "يفتح على تدخلات سياسية دولية بتوجيه اتهامات جنائية وتشويه حقائق".

وقد تبين أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يصرّ على اعتماد شركة كرول للتدقيق الجنائي، في حين يرفض الرئيس بري قطعاً تكليفها وتكليف أي شركة أخرى بهذا الأمر.

إصرار الرجلين كل على موقفه، في حين يلتزم الطرف الثالث والأقوى المسيطر على الحكومة والسلطة، أي حزب الله، الصمت، يؤكد أن هناك توزيع أدوار يقوده حزب الله، فهذا يصر على كرول وذاك يتذرع بارتباطها بالكيان الصهيوني، وكأن هذا الكيان تنقصه المعلومات بالوثائق والأرقام عن كل ما جرى ويجري في الإدارات اللبنانية، فيطير ما يظنه البعض فرصة لاستعادة المال المنهوب.

لن يتحقق أي هدف من أهداف ثورة 17 تشرين إلا بإسقاط المنظومة كاملة، حينها يمكن الحديث عن قضاء مستقل، قانون انتخابي جديد، انتخابات نيابية حرة ونزيهة واستعادة ما نهب من أموال الدولة والناس

لا يا سادة... لن يتحقق أي هدف من أهداف ثورة 17 تشرين إلا بإسقاط المنظومة كاملة، حينها يمكن الحديث عن قضاء مستقل، قانون انتخابي جديد، انتخابات نيابية حرة ونزيهة واستعادة ما نهب من أموال الدولة والناس.

وحتى ذلك الحين، سيبقى لكل "أمير" مزرعته، التي يمنع على أهلها، بالبلطجة والتشبيح وربما بسفك الدماء، مجرّد التظاهر من أجل لقمة العيش، التيار الكهربائي، تراكم النفايات في الشوارع، والموت على أبواب المستشفيات، انهيار العملة الوطنية والقدرة الشرائية للرواتب والأجور، وسيطلقون "كلابهم في الشوارع" وسيغلقون زنازينهم على كل من يعترض أو ينطق بكلمة حق في وجوههم الفاجرة.

التدقيق المالي الجنائي: حلم ليلة صيف بالنسبة للناس، وغيمة صيف عابرة بالنسبة للمافيا المسيطرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard