فضائل الكسل... مشكلة عائلية صغيرة في بيت كارل ماركس

الثلاثاء 14 يوليو 202001:20 م

رأى آدم سميث في القرن الثامن عشر أن العمل هو العامل الرئيسي لتراكم الثروة وتمكين الحياة الاجتماعية، وسريعاً التحق به ماركس في القرن التاسع عشر، بل وذهب أبعد من ذلك ليقول إن الإنسان يصبح ما هو عليه بالعمل وبالعمل فقط، العمل الذي يمثّل العالم والطبيعة ويؤنسن الإنسان ويسمح له بالتعبير عن شخصيته، أي أن جوهر الحياة هو العمل، بالرغم من أنه يدين الظروف التي تجعل الإنسان عبداً للملّاك والرأسماليين، يبقى ماركس في هذه النقطة متفقاً مع آدم سميث ومع الكنيسة أيضاً في تقديس قيمة العمل.

البذخ، الشهوة، الشراهة، الجشع، الملل، اليأس، الكسل، الغضب، الحسد والفخر، لم تكن تلك الخطيئة "الكسل" على قدر كبير من الأهمية أمام الخطايا الأخرى التي تبعد "المؤمن" عن اتصاله بالذات العليا، لأن الكسل لم يكن خطيئة ذات أذى خارجي، وبالرغم من الإدانة المستمرة لها إلا أن الأمر يبقى في حدود التعاليم الأخلاقية البسيطة: "لا تتأخر بالذهاب إلى القداس" فحسب، أو "الكلب الكسول يمتلئ بالبراغيث"، حتى أنه في روما القديمة واليونان، لم يكن العمل والجهد الحثيث ينالان هذا التثمين الأخلاقي، بل ونُظر إليه باحتقار باعتباره "عمل العبيد" بينما يتفرغ "السادة الأحرار" للنقاش في السياسة والموسيقا والمسرح والفلسفة، وفي الحقوق أيضاً.

كتب ماركس كثيراً عن العمل وثمّنه عالياً، لكن ثمة خلاف فكري بسيط في عائلة ماركس، لم يصبح نزاعاً لحسن الحظ، وإلا لاقتبست عنه نيتفليكس سريعاً فيلماً سخيفاً وجعلتنا نشاهده مرغمين.

الصهر اللقطة

ولد بول لافارج في 25 يناير/ كانون الثاني 1842، في سانتياغو دي كوبا وهاجر مع والديه إلى فرنسا، كان لافارج اشتراكياً ثورياً مع بعض التأثير الجدّي من برودون، تعرف على أنجلز وماركس في لندن، ثم أصبح صهراً لماركس بزواجه من ابنته لورا.

كان لافارج ثورياً متحمساً ومشاكساً طُرد من كلية الطب في بلجيكا، لأنه صرّح في مؤتمر طلابي دولي برغبته بحرق الألوان الثلاثة للعلم الوطني واستبدالها باللون الأحمر فحسب، وشارك بالعديد من الاجتماعات الخاصة بالأحزاب الثورية آنذاك، ترجم أعمال ماركس وأنجلز ودعم أعمال كومونة باريس من بوردو حيث كان يقيم وشارك بنشاط في حياة حزب العمال الفرنسي.

على عكس ماركس، كان لافارج غير مقتنع بضرورة بذل الجهد الكبير في العمل، وكتب مقالاً في "الحق بالكسل"، بنبرة ساخرة وسخية، مليئة بالأمل والفكاهة، على عكس حماه الجدي المتجهم.

يتعجب لافارج من "الجنون الغريب" الذي سيطر على الطبقة العاملة والذي جعلها تتحدث عن العمل كأنه إله، في الوقت الذي كانت فيه جحافل العمال والعاملات في المصانع ومناجم الفحم تنام على الألم وترافق البؤس والفساد. يقول لافارج إن التباين الجذري بين خطاب الطبقة الحاكمة والبرجوازية الصناعية وبين الواقع المزري الذي تعيشه الطبقة العاملة، يجب أن يدفعها بصيرورة طبيعية باتجاه كره العمل ومحاولة تجنبه قدر المستطاع، لا تقديسه كأنه من نسل جبريل، ملك الملائكة.

بينما كتب كارل ماركس عن العمل وثمن قيمته عالياً، كان صهره لافارج يتعجب من "الجنون الغريب" الذي سيطر على الطبقة العاملة ليجعلها تتحدث عن العمل كإله، وكتب مقالاً تحدث فيه بنبرة ساخرة وفكاهية عن الحق بالكسل

بالرغم من التناقض الجذري بين الطبقتين، الرأسمالية والعاملة، فإن مشاريعهما وخططهما للمستقبل، تلتقي، وياللغرابة، عند نقطة تقديس العمل، كما يلتقي قط بفأر عند قطعة الجبن، ويؤكد لافارج أن هذا السلوك القهري المازوشي لم يكن على هذا النحو دوماً، فقد علّم فلاسفة العصور القديمة ازدراء العمل الذي يعتبر انحلالاً للإنسان الحرّ، وبينما نظروا للتقدم التقني باعتباره سيفرّغ البشر للاستمتاع بنعمة الحياة، حدث العكس: زادت الآلات الجديدة من بؤس العمال.

أدى التقدم التقني في بداية الثورة الصناعية الأولى إلى زيادة هائلة في الإنتاج، وبدلاً من تقليل ساعات العمل وإرسال العمال لحضور النسخ الحديثة من مسرحيات شكسبير وموليير، كان لهذا الأمر مفعول عكسي، فبدأ العمال بمضاعفة حماسهم كما لو أنهم يريدون التنافس مع الآلة، وبالتالي، ألغيت العطلات والإجازات وزادت ساعات العمل وتحققت أسوأ كوابيس لافارج.

يؤكد لافارج أن البرجوازيين هم الرابحون من أغنية الشيطان هذه، وحيث تؤدي إلى الذهاب بعيداً باتجاه المستعمرات والأراضي القصية: "في وجود هذا الجنون المزدوج للعمال لقتل أنفسهم في العمل الزائد والأمراض الجنسية، لم تعد مشكلة الرأسمالي هي العثور على عمال وزيادة قوتهم عشرة أضعاف، لكن اكتشاف المستهلكين وإثارة شهيتهم وخلق احتياجات وهمية لهم".

إذن، في نهاية المطاف لم يكن لافارج يبتعد كثيراً عن والد زوجته، لكن بنبرة شاعرية وحس إنساني مرهف، يفتقدها إلى حد ما ماركس، المتجهّم والجدي للغاية في كتاباته. يقول لافارج إن مكاسب الإنتاج يجب أن تترجم إلى ساعات عمل أقصر "بحيث يصبح بهجة للمتعة والكسل، تمرين مفيد للكائن البشري وشغف للكائن الاجتماعي، عندما يتم تقليصه إلى ثلاث ساعات في اليوم كحد أقصى".

وفي نقطة أخرى تظهر اختلافه عن حماه الداعي إلى "اقتلاع" الرأسمالية و"تحطيم قلاعها"، يقول لافارج: "على الاشتراكيين الثوريين أن يبدأوا مرة أخرى المعركة التي قاتلها فلاسفة ومنظرو البرجوازية. عليهم أن يهاجموا النظرية الأخلاقية والاجتماعية للرأسمالية، عليهم أن يهدموا، في رؤوس الطبقة المدعوة للعمل، الأحكام المسبقة التي تزرعها الطبقة المتحكمة، عليهم أن يصرحوا، في مواجهة الصراصير المجردين من الأخلاق، أن الأرض سوف تتوقف عن كونها وادي دموع العمال، أنه في المجتمع الشيوعي للمستقبل الذي سنجده (بسلام إن أمكن)، فإن عواطف الرجال سيكون لها لجام على الرقبة، لأن كلهم جيدون بطبيعتهم".

لكن، هل تخفيض ساعات العمل هو حل سحري لمشكلة العمل والعمال؟

لم يعتبر لافارج أن تخفيض ساعات العمل هو الحل السحري لطبقة العمال، بل أولى اهتماماً أكبر للتخلص من الصورة النمطية لعامل العاطل عن العمل كإنسان كسير ومكتئب لأنه بلا عمل: أليس لدية حياة وأصدقاء يقاسمونه كأس بيرة؟

لاا، فهناك مجموعة كاملة من القيم وأساليب الحياة يجب أن يتمّ بناؤها، كما يقول لافارج، يجب أن نخرج من صورة العامل العاطل عن العمل والذي يبدو كسيراً ومكتئباً لأنه لا يملك عملاً، أليس لديه حياة اجتماعية خارج خط الإنتاج وبطاقات الدوام؟ ألا يوجد لديه عائلة محبة، زوجة متفانية أو أصدقاء يقاسمونه كأس بيرة؟

يجب على البشرية أن تستهلك أقل وبالتالي تعمل أقل، وهذه الدعوات التي ترتفع من أجل تقليل استخدام الموارد الحيوية وتحسين البيئة والمناخ، يجب أن ترافقها دعوات أخرى لتعزيز قيم التعاون والإيثار والترفيه، والاستثمار أيضاً في الإنسان باعتباره مورداً لقيم الخير والجمال، وعندها ستصبح الحياة "عبارة عن عروض مسرحية وموسيقية واحتفالات راقصة" فحسب.

إن البيئة تتداعى والطبيعة تتحطم والموارد تندر لأن أنظمة الحكم والإعلام والشركات تقدس "قيمة العمل" كما يقدّس أي شيخ نبيّه وأي خوري يسوعه، "أنا لا أعمل ولكنني أحيا، ليس بشكل رائع، لكنني أحيا على كل حال، وهو حال أفضل من العبودية لمراقب دوام بغيض ورأسمالي يشبه كيس البطاطا".

على خلاف حماه كارل ماركس، الذي رغب بحياة طويلة من العمل، اكتفى لافارج من الحياة قبل بلوغه السبعين وانتحر مع زوجته لورا ماركس تاركاً رسالةً قصيرة تقول: "أقتل نفسي قبل أن تجردني الشيخوخة من قوتي الجسدية والذهنية"

خاتمة نبي الكسل

كان ماركس يرغب بأن يكون اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة ليقوم بإنجاز ما في رأسه من مشاريع، لكن الصهر الودود لم يكن يرغب بكل هذه السنين، فقد صرّح مبكراً أنه لن يتجاوز السبعين من العمر، وقبل السبعين بعام، في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1911، قام بحقن نفسه بحمض الهيدروسيانيك، مع زوجته لورا ماركس، تاركاً رسالة قصيرة:
"الجسد والعقل الصحي، أقتل نفسي قبل الشيخوخة القاسية التي تزيل متع الوجود واحدة تلو الأخرى، وتجردني من قوتي الجسدية والذهنية"، فانتصرت أخيراً النزعة الرومانسية في عقل هذا الثوري وآثر التغلب على العجز بالاستسلام له تماماً، متفوقاً أخلاقياً أقلّه على أنبياء "العمل الدؤوب" والسعي الحثيث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard