اليهود يحجون إلى تونس في شهر رمضان

الأربعاء 22 مايو 201904:22 م

يُضيئون الشموع، تباركهم الحاخامات، يُصلّون، يعزفون الموسيقى، يشربون كأساً من نبيذ "البوخا" ويكتبون أمانيهم على بيض يتركونه في الكنيس... هذه بعض الطقوس الدينية التي يُمارسها آلاف الحُجاج اليهود في "معبد الغريبة" في جزيرة جربة التونسية (جنوب) في اليوم الـ 33 من الفصح اليهودي الذي يُصادف 22 مايو هذا العام ويستمر يومين.

يتزامن حج اليهود للغريبة العام الحالي مع شهر رمضان لأول مرة مُنذ 32 عاماً، وهذا ما اعتبره كثيرون مؤشراً إلى الاستقرار الأمني والتعايش السلمي في تونس. وتوّقع وزير السياحة رونيه الطرابلسي أن يصل عدد الزائرين من أوروبا وإسرائيل إلى نحو 7 آلاف، قائلاً الأحد إن الحجاج اليهود بلغوا 2500.

وبدأ آلاف الزوار يتوافدون على جزيرة جربة لزيارة كنيس الغريبة، وهو أقدم معبد يهودي في أفريقيا يُزعم أنه بُني قبل 2600 عام عندما وصل اليهود لأوّل مرّة إلى الجزيرة، لأداء مراسم الحج التي يُنظمها اليهود التونسيون البالغ عددهم نحو 1500 اليوم، يسكن أغلبهم في جزيرة جربة، بينما كان عددهم قبل استقلال تونس عام 1956 نحو مئة ألف.

وشددت السلطات الأمنية في تونس إجراءاتها قبيل انطلاق موسم الحج، إذ لا يزال الهاجس الأمني قائماً بعد أن كان كنيس الغريبة اليهودي هدفاً لهجمات إرهابية عامي 1985 و2002. فيما أعلنت وزارة الداخلية أنها أعدّت خططاً أمنية "خاصة".

وكان الكنيس الذي يقع بـ "الحارة الصغيرة" في منطقة الرياض بجزيرة جربة حيث تقيم عشرات العائلات اليهودية يشهد توافد نحو ثمانية آلاف يهودي سنوياً قبل عام 2002 حين قُتل 21 شخصاً إثر هجوم انتحاري.

يُضيئون الشموع، تباركهم الحاخامات، يُصلّون، يعزفون الموسيقى، يشربون كأساً من نبيذ "البوخا" ويكتبون أمانيهم على بيض لعلّ بعض المُعجزات تتحقق.. هذه بعض الطقوس الدينية التي يُمارسها الحُجاج اليهود في "معبد الغريبة” التونسي. هذا العام يحجون إليه في شهر رمضان.
أكثر من 2500 يهودي يؤدون الحج في "معبد الغريبة" بتونس حالياً، بالتزامن مع شهر رمضان لأول مرة مُنذ 32 عاماً. ما هي طقوسه؟

طقوس الحج اليهودي

لا يعد معبد الغريبة وجهة الحُجاج اليهود الوحيدة، إذ يحجون من جميع أنحاء العالم أيضاً إلى حائط البراق، أو "حائط المبكى" كما يُطلقون عليه، في القدس، مُعتبرين أنه حائط من هيكل سليمان المهدوم للمرة الثانية على يد الرومان، وهذا ما يجعله الموقع الأكثر قداسة في التراث اليهودي، ولكن معبد الغريبة يحظى بمكانة خاصة باعتبار أنه يحوي واحدة من أقدم نسخ التوراة في العالم.

يحج اليهود إلى الغريبة مُنذ أكثر من 200 عام لإقامة طقوس دينية واحتفالات "الهيلولة" بحسب رئيس الكنيس بيريز الطرابلسي (وهو والد وزير السياحة التونسي رونيه الطرابلسي). وتتمثل الاحتفالات في إقامة صلوات وإشعال شموع داخل الكنيس والحصول على "بركة" حاخاماته وذبح الخرفان والغناء في أجواء من الفرح وتناول نبيذ "البوخة" المستخرج من ثمار التين والذي يشتهر بصناعته يهود تونس دون سواهم، وفقاً لما قاله تاجر يهودي من جزيرة جربة يُدعى يوسي لفرانس 24.

وتبدأ الاحتفالات بدخول النساء بالزغاريد إلى المعبد ويقوم الحاضرون بإشعال الشموع وكتابة أُمنياتهم للعام المقبل على بيض مسلوق أحضروه معهم، ثم يودعونه مغارة مُخصصة لذلك. ويعتقد اليهود بأن الأماني التي تكتب على البيض سوف تتحقق، بحسب ما قاله لهم أجدادهم.

يُضيف يوسي أن الأُمنيات هُنا تتحقق باعتبار الكنيس مكاناً مباركاً، مُشيراً إلى أن تونسيين مسلمين يُشاركون في هذه العادة أحياناً.

ومن أبرز الطقوس "الخرجة بالمنارة" أو "الخرجة الكبيرة"، وهي خروج جماعي لليهود من المعبد حيث يدفعون عربة فوقها منارة (مصباح تقليدي كبير) مزيّنة ويطوفون في الحيّ المجاور له، ويقرأون الكتب المقدسة إلى جانب إقامة احتفالات بالموسيقى التونسية التقليدية تجمع أثناءها تبرّعات للمعبد.

وتُشير بعض الروايات التاريخية التي تتناقلها أساطير اليهود عبر الأجيال إلى أن إمراة يهودية قدمت إلى جزيرة جربة وعُرفت بكرمها، فأُقيم لها هذا المقام عند الممات، وسُمي بـ "الغريبة" نسبة للمرأة التي كانت "غريبة" على سكان الجزيرة آنذاك. ورغم هذه الرواية الشائعة، يقول أستاذ التاريخ بمعهد منطقة بني معقل بجزيرة جربة سمير بالحاج "لا توجد رواية صحيحة إلى الآن حول هوية من أنشأ كنيس الغريبة".

في سياق متصل، يقول خضير، وهو المشرف على المعبد، إن تسمية "الغريبة" تعود إلى كون "أجدادنا كانوا يتداولون منذ القدم أن المعبد بني تعظيماً لحجر مقدّس جاء من الأرض المقدسة من فلسطين، أي من أرض غريبة"، فوقع تسمية المعبد بالغريبة نسبة إلى الحجر المقدس في المعبد الذي جاء من أرض غريبة.

ولفت إلى أن "أجداده الذين توارثوا العناية بالمعبد نفوا ما تناقلته بعض الأساطير بأن المعبد بني على أسطورة قبر امرأة يهودية غريبة".

تونس أرض لتحابب الأديان

وبينما يتزامن حج اليهود للغريبة مع شهر رمضان لأول مرة مُنذ 32 عاماً، أكد وزير السياحة والصناعة التقليدية رونيه الطرابلسي، وهو تونسي يهودي، سعي السلطات التونسي لـ "إزاحة كل العراقيل التي تحول دون جعل تونس منارة للسياحة العالمية وأرضاً لتحابب الأديان".

وأضاف أن تزامن حجّ الغريبة مع شهر رمضان سيكون "رسالة مهمة للتّعايش السّلمي بين مختلف الديانات والأطياف في تونس".

في هذا السياق، يقول رئيس هيئة تنظيم الحج اليهودي، بيريز الطرابلسي، إن زيارة اليهود لكنيس الغريبة هذا العام ستشهد نجاحاً كبيراً من شأنه أن يحدد نجاح الموسم السياحي الذي تعتبر مؤشراته مهمة، كاشفاً ارتفاع عدد الحجوزات الفندقية إلى أكثر من 30% مقارنة بسنة 2018.

ولفت إلى أن تزامن احتفالات اليهود مع رمضان يعد فرصة بارزة للترويج لصورة تونس المتسامحة والقابلة للاختلاف في الأديان.

واتُهم رونيه الطرابلسي بالترويج للتطبيع في يناير الماضي حينما بثت قناة i24 الإسرائيلية لقاءً تلفزيونياً معه، وهذا ما دفع البعض ليتساءل عن مدى قبول تونس تحقيق ازدهار سياحي على حساب مبدأ "تجريم التطبيع".

في المقابل، قال الطرابلسي إنه تعرض "لخداع" من صحافي فلسطيني مقيم في تونس أوهمه أنه يجري الحوار لصالح شركة إنتاج تلفزيوني تتخذ من بريطانيا مقراً لها، في حين شكّ آخرون مدفوعين بخلطهم بين الصهيونية واليهودية بـ"ولائه" لإسرائيل بدلاً من وطنه تونس.

واضطر الطرابلسي لأداء القَسم عندما عُيّن وزيراً للسياحة في نوفمبر الماضي دون وضع يده على أي كتاب مقدَّس إذ اكتفى برفع يده متعهداً الإخلاص لتونس والعمل بتَفانٍ لأجلها.

وضمن سعي تونس لاحترام التعدُّدية الدينية، أطلقت بلدية سوسة (الساحل الشرقي) مطلع مايو الجاري أسماء مواطنين تونسيين يهود على أربعة شوارع في مدينة سوسة، تكريماً لهم على ما قدموه لتونس، وهُم الطبيب دافيد وازان، والقابلة إيفون بسيّس، والمحامي كلود سيتبون، وإيشوا غويلة حوري.

وكان رونيه طرابلسي حاضراً حين رُفع الستار عن اللافتات الأربع، وقال حينذاك "العيش المشترك هو أنا. أنا وزير تونسي من ديانة يهودية، وهذا دليل على العيش المشترك في تونس".

وأظهرت بيانات أصدرتها دائرة السكان والهجرة الإسرائيلية يوم 13 مايو الجاري زيادة أعداد العرب الذين زاروا إسرائيل في عام 2018 رغم أنها لا تقيم أي علاقات دبلوماسية مع بلدانهم الأصلية، منهم 949 تونسياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard